كتب الاستطلاع: إسماعيل بن حمد الكندي
تعد مشاركة الشباب في مجالات الحوار و صناعة القرار عنصراً أساسياً في المرحلة الحالية ، و يأتي برنامج السفراء الشباب بوصفه إحدى أهم المنصات الوطنية المخصصة في إعداد و تعزيز مهارات الشباب العماني في مجالات الدبلوماسية و الحوار وصنع القرار .  
ويواصل البرنامج ، عبر نسخه المتتالية ، تقديم تجربة عملية تسهم في تنمية وعي المشاركين و تعزيز الفهم لآليات العمل الدبلوماسي المعاصر ضمن أطر عملية منظمة .

  
وفي سبيل تقييم هذه التجربة ، ورصد اثرها على المشاركين ، أجريت سلسلة من المقابلات مع نخبة من السفراء الشباب في النسخة الاخيرة من البرنامج ، من بينهم الحاصل على لقب أفضل سفير شاب لعام 2025 "إياد بن مؤمن الهنائي".   
وقد اوضح أن التجربة فاقت توقعاته مؤكداُ "هذه التجربة كانت مختلفة عن توقعاتي؛ فهي لا تقوم على التنافس بقدر ما تركز على الحوار والعمل الجماعي لصنع القرار."   
كما شملت المقابلات مجموعة من السفراء الشباب الذين شاركوا في هذه التجربة .  
 
ملامح السفراء الشباب : من هم سفراء التجربة ؟  
شارك في برنامج السفراء الشباب مجموعة من الشباب و أبرزهم إياد الهنائي خريج كلية الحقوق من جامعة السلطان قابوس و العامل في السلك القانوني وقد حاز على جائزة افضل سفير شاب في البرنامج بتصويت المشاركين ، كما شارك يحيى المفرجي خريج كلية الحقوق من جامعة السلطان قابوس و يعمل اليوم في السلك القانوني . 
 و انضم اليهم اياد المحروقي طالب الحقوق بجامعة السلطان قابوس ، فيما حضرت شهد الكلبانية خريجة القانون من جامعة البريمي التي لها تجارب عدة في المناظرات . 
ويتقدم المجموعة ايضاً عدنان العمري لينقل تجربة معلم اللغة الانجليزية من داخل قاعات الدبلوماسية ، وهاجر السلطية خريجة ادارة وثائق من كلية الآداب بجامعة السلطان قابوس ، و أخيراً يكمل الصورة عبدالله الخروصي طالب التاريخ بكلية الآداب و العلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس والذي وجد البرنامج فرصة لربط اهتمامته الاكاديمية بواقع الحوارات العالمية. 
يمثل هؤلاء الشباب نموذجاً متنوعاً من الخلفيات و الاهتمامات و التخصصات ، كما يجمعهم هدف واحد وهو تمثيل سلطنة عُمان بصورة مهنية تعكس قدرات الشباب في المحافل الدولية  
 
 
 
 
-    خطوات نحو الدبلوماسية : قصص ملهمة من برنامج السفراء الشباب  
 
جاء الإنضمام الى برنامج السفراء الشباب في سياق يعكس إهتمام المشاركين بتنمية المعرفة في مجال الحوار وصناعة القرار حيث عرض كل ممثل تجربته من منظور مهني يرتبط بالمسؤوليات الموكلة اليه .  
كما يكشف لنا ممثل جمهورية البانيا "اياد الهنائي" أن مشاركته الحالية جاءت بعد ثلاث محاولات متتالية ، ما يعكس إصراره على الالتحاق بالبرنامج ، و أشار الهنائي أن معرفته السابقة بالدولة التي يمثلها محدودة معلقاً "بسبب مشاهدتي لكرة القدم" ، الا ان ذلك دفعه الى اجراء بحث موسع حول جمهورية ألبانيا ودورها ؛ مما مكنه من تقديم موقف يعكس طبيعة دولة نامية تسعى الى بناء جسور التواصل مع الدول المتأثرة بالأزمات و الدول الكبرى .  
 
ويصف عبدالله الخروصي ممثل الاتحاد الروسي تجربته "بأنها اشبه بالعبور الى قاعة مجلس الأمن القومي في نيويورك" ،وأفاد بأن أبرز التحديات التي واجهها تمثلت في عمليات التفاوض و صناعة القرار ، نظراً لما تتطلبه من موازنة بين مصالح متعددة و إعتبارات سياسية دقيقة .   
 
وفي تجربة شهد الكلبانية ممثلة جمهورية الدنمارك ، أكدت أن مشاركتها كانت خطوة مخطط لها ضمن أهدافها التطويرية ، و أن البرنامج وفر بيئة عملية تتجاوز الجانب المعرفي لتشمل التفاعل مع مجموعة من المشاركين ذوي الاهتمامات المشتركة . وأضافت الكلبانية أن ختام البرنامج كان أصعب اللحظات لأرتباطها بالدور الذي قامت به طوال فترة المحاكاة . 
 
ومن جانبها أشارت هاجر السلطية ممثلة جمهورية باكستان ،إلى أن البرنامج شكّل فرصة أتاحت لها الإطلاع بشكل موسع على تقارير و خطابات الدولة التي تمثلها ، بالإضافة الى دراسة هيكلها الحكومي ، ووصفت السلطية تجربتها كتحدٍ تطلب إستعداداً و مسؤولية خلال جميع المراحل  
 
أما إياد المحروقي ، ممثل جمهورية بلغاريا ، فتناول مشاركته من جانب التطور المعرفي الذي إكتسبه موضحاً أن التجربة كانت أعمق مما توقع ، و أنه تعرف من خلالها آليات تشكيل التحالفات و إتخاذ القرار ضمن السياق الدبلوماسي الذي يتطلب وضوحاً في المواقف و احتراماً للموازنة القائمة .  
وفي السياق ذاته ذكر ممثل جمهورية المانيا الاتحادية يحيى المفرجي أن مشاركته جائت بدعم محيطه الإجتماعي ، و أن البرنامج وفر محاكاة واقعية لظروف العمل الدبلوماسي من حيث النقاشات ، وتضارب المصالح ، و إدارة التحالفات ، وهي العناصر التي اعتبرها الأكثر تحدياً خلال تجربته  
 
وأخيراً ، تناول ممثل دولة الكويت ،عدنان العمري تجربته من زاوية الدور الوطني ، إذ اوضح أن مشاركته إنطلقت من رغبة في تمثيل الشباب العُماني بصورة مشرفة ، وأضاف أن التحدي الأساسي في تمثيل دولة الكويت الشقيقة يكمن في المحافظة على هويته الوطنية ، مشيراً أن في العمل الدبلوماسي هنالك عنصرين مهمين "الإصغاء و دقة إنتقاء المفردات ".  
 
-    أثر البرنامج على مستقبل سلطنة عمان : عبر أعين السفراء الشباب.  
تتفق آراء المشاركين السبعة في برنامج السفراء الشباب على أن البرنامج يمثل منصة تصنع قادة المستقبل ، فقد أكد إياد الهنائي أن البرنامج هو افضل استغلال لهذه الطاقات التي ستصبح في الغد شخصيات قيادية تحتاجها سلطنة عمان مضيفاً  "عُمان 2040 تستحق ان يكون شابها واعي وواعد و فاهم وقائد". 
 
ومن جانبها وترى هاجر السلطية ممثلة جمهورية باكستان أن القيمة الحقيقية للبرنامج تكمن في استثمار القدرات الشابة ، وتؤكد السلطية بأن للشباب حضور قوي في صناعة القرارات الدولية و الوطنية في المستقبل نظراً لما رأته من مهارات في مخرجات برنامج السفراء الشباب . 
 و في السياق ذاته  قدم ممثل دولة الكويت عدنان العمري رؤية  مقاربة معتبراً أن البرنامج مساحة لبناء القدرات القيادية ، مضيفاُ " هو مصنع لإنتاج قادة في جميع المجالات. إنه يُعيد أمجاد الماضي ويُحقق رؤية مستقبلٍ مشرق" . 
 
ومن جانبه ركز إياد المحروقي ممثل جمهورية بلغاريا ، على الدور المهاري للبرنامج ؛ معتبراً أن القيمة الأبرز تكمن في تنمية مهارات التفاوض ، و الأتيكيت الدولي ، و التعاون . وشارك يحيى المفرجي ممثل جمهورية المانيا الاتحادية الرأي نفسه موضحاً أن البرنامج يعزز مهارات الدبلوماسية  مضيفاً "أتيقّن بأن الحلول التي سوف يتم استحداثها من هذه الفئة ستكون مبتكرة وأكثر فعالية، ومرتكزة على مصالح مشتركة مجتمعية دون النظر للسياسة والتاريخ الدولي".  
 
ومن زاويته رأى ممثل الاتحاد الروسي عبدالله الخروصي أن القيمة  المحورية للبرنامج تتمثل في الاقتراب من الدبلوماسية العمانية ومعرفة كيف يسير العمل في الامم المتحدة  ، مشيراً الى ان دور الشباب حاضر في القرارات الدولية مؤكداً ذلك  
"لقد أولت الأمم المتحدة إهتمام بالشباب و مشاركتهم في مؤتمرات سنوية تقام في مقرها ، لتطوير مهاراتهم الدبلوماسية ، لتهيأتهم تهيئة عملية و فكرية تواكب عمل النظام الدولي ، و هذا البرنامج الذي يقام بالتعاون مع معهد الأمم المتحدة للتدريب و الأبحاث ، ما هو إلا دليل على الرؤية الدولية التي تهدف إلى تمكين الشباب من إمساك زمام القرار العالمي في المستقبل."   
وأخيراً ترى شهد الكلبانية ممثلة جمهورية الدنمارك ان قوة البرنامج تكمن في تنوع الخلفيات الثقافية و الأكاديمية للمشاركين ، وما ينتج عنه من تكامل معرفي و فرص للتعلم ، مؤكدة قناعتها بقدرة الشباب على التأثير مشيرة  "أن المجال السياسي لا يغلب الشباب" . 
 
 
-    دور المؤسسات التعليمية في بناء الوعي الدبلوماسي.  
 
في سياق الحديث عن تمكين الشباب وتنمية مهاراتهم و رفع مستوى الوعي السياسي لديهم ، يبرز دور المؤسسات التعليمية بإعتبارها عنصراً أساسياً  في إعداد جيل قادر على ممارسة الدبلوماسية الحديثه. وفي هذا الإطار أكد ممثل جمهورية البانيا إياد الهنائي مشيراً الى ان المؤسسات التعليمية تشكل القاعدة الاولى لترسيخ الوعي الدبلوماسي ، وتسهم بدورها في إعداد شباب يمتلكون القدرة على الحوار والتفاعل مع القضايا الدولية بصورة مسؤولة. 
 
ولتعزيز هذا الدور دعت هاجر السلطية ممثلة جمهورية باكستان المؤسسات التعليمية الى إشراك الطلبة في مساحات صنع القرار وبناء الثقة بقدراتهم. ووافقها الرأي عدنان العمري ممثل دولة الكويت مؤكداً الحاجة الى تمكين صوت الشباب ، بقوله " اننا بحاجة لصوت الشباب " داعياً الجامعات الى تفعيل الأندية ، و البرامج القائمة على المحاكاة السياسية ، بإعتبارها أدوات عملية لإعادة الطلبة الى جوهر العمل الدبلوماسي.  
 
وفي السياق ذاته أشار إياد المحروقي ممثل جمهورية بلغاريا ، الى الدور المحوري الذي تؤديه المدارس في بناء الوعي الدبلوماسي في المراحل المبكره ، مؤكداً أهمية نقل المفاهيم الدبلوماسية من الإطار المظري الى التطبيق العملي ، بقوله  
"يجب على المؤسسات التعليمية أن تنقل الدبلوماسية من الكتب إلى التجربة، ومن النظريات إلى محاكاة الحياة، وتمنح الطلاب فرصًا للجدال البنّاء، وصناعة التحالفات و القرار".  
 
 ومن جانبه، دعا عبدالله الخروصي ، ممثل الاتحاد الروسي المؤسسات التعليمية الى تقديم هذه التجارب بصيغ مبسطه و مناسبة للمراحل المختلفة ،بما يسهم في تعزيز الوعي السياسي لدى الطلبة.  
 
 وأختتم يحيى المفرجي، ممثل جمهورية المانيا الاتحادية، بالتأكيد على أهمية تشجيع الطلبة على المشاركة في مثل هذه البرامج ، لما لها دور في صقل شخصياتهم و تعزيز مهاراتهم ، معتبراً أن هذا النوع من الإعداد لا يقل أهمية من التأهيل المهني في المراحل اللاحقة .   
 
 
 تكشف تجارب السفراء الشباب ان البرنامج يشكل منصة تطوير فعلية ، ولم يكن مجرد تجربة عابرة ، إذ أتاح للشباب فرصة عملية لأختبار قدراتهم و تعميق وعيهم بحجم المسؤوليات المرتبطة بدورهم المستقبلي في صناعة القرار  
وقد مكنت هذه التجربة الشباب من الخروج عن الأطر التقليدية وتقييم إمكاناتهم في مواقف تحاكي واقع العمل الدبلوماسي ، بوصفهم أطرافاً فاعلة في بناء القرار وليسوا مجرد مراقبين .  
وفي هذا السياق أكد إياد الهنائي أفضل سفير شاب ، في رسالته للشباب "أقول في داخلي انهم جميعهم مميزين و كل واحد لديه رسالة خاصة بأمكانه ان يوصلها، وأن الشباب العماني يستحق التمكين و يستحق الفرصة .".   
 
 
 

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

كلمات دلالية: برنامج السفراء الشباب المؤسسات التعلیمیة العمل الدبلوماسی السلطان قابوس ممثلة جمهوریة ممثل جمهوریة صناعة القرار دولة الکویت هذه التجربة أن البرنامج أن مشارکته الشباب فی

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • برلماني: سوق العقارات يقود قطار التنمية في مصر.. وتصدير العقار ضرورة
  • المؤسسة الاتحادية للشباب تطلق “برنامج الجاهزية الوطنية – غطاريف”
  • اختتام برنامج ” موهبة” الإثرائي الأكاديمي 2026 في جامعة الملك عبدالعزيز
  • عبدالله بن زايد: الإنسان أساس نهضة الإمارات
  • العربي الناصري بالمنيا يناقش مكتسبات ثورة 23 يوليو في مائدة مستديرة
  • ليالٍ فنية أردنية مميزة ضمن فعاليات مهرجان جرش في العاصمة عمان
  • برنامج قسمة ونصيب العروس والحماة الحلقة 19 كاملة: مفاجآت جديدة
  • سفير الإمارات يقدم نسخة من أوراق اعتماده إلى وزارة الخارجية في جمهورية كوريا الشقيقة
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • المنتدى الدولي للأمن السيبراني ومكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح يطلقان برنامج تعزيز القدرات في الدبلوماسية السيبرانية