طفرة تكنولوجية في المنيا.. 17 مليون جنيه لتطوير مدرسة«النورللمكفوفين» لتمكين ذوي الهمم
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
افتتح اللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، اليوم أعمال التطوير التكنولوجي لمدرسة “النور للمكفوفين”ورفع الكفاءة الشاملة بالمدرسة، في حصاد عملي لنتائج تلك الجولة، وبتكلفة إجمالية بلغت 17 مليون جنيه، وذلك ضمن خطة الدولة الاستراتيجية لتمكين ذوي القدرات الخاصة وتعزيز دمجهم المجتمعي.
ويأتي هذا المشروع القومي، الذي نفذته وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، بالتعاون مع شركاء التنمية من مؤسسات المجتمع المدني، ممثلة في مؤسسة يحيى عرفة الخيرية للأطفال، وجمعية الدمج لذوي الإعاقة، وصندوق عطاء الاستثماري لدعم ذوي الإعاقة، تفعيلاً لتكليفات القيادة السياسية بتمكين أصحاب الهمم، وتقديم مختلف أوجه الدعم لهم، بما يحقق تكافؤ الفرص ويعزز رؤية الدولة المصرية في بناء الإنسان.
وأكد المحافظ، خلال الافتتاح، أن الدولة تولي اهتمامًا بالغًا بتوفير رعاية متكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، لافتًا إلى وجود خطة شاملة بمحافظة المنيا لتطوير البنية التحتية لمدارس ذوي الهمم، تشمل تحديث الوسائل التعليمية، وإدخال التقنيات التفاعلية، إلى جانب تدريب الكوادر التعليمية على أحدث أساليب التدريس، وتوفير بيئة تعليمية داعمة تضمن استقلالية الطلاب وتفوقهم.
وأضاف المحافظ أن أعمال التطوير تعكس قناعة راسخة بأن التعليم حق أصيل لجميع أبناء الوطن دون تمييز، مشددًا على أن الاستثمار الحقيقي لمحافظة المنيا يكمن في أبنائها من ذوي الهمم، لما يمتلكونه من طاقات وقدرات إبداعية، مؤكدًا أن تزويدهم بالوسائل التكنولوجية المساعدة يفتح أمامهم آفاق المستقبل، ويؤهلهم ليكونوا عناصر فاعلة ومؤثرة في المجتمع.
ومن جانبها، أوضحت الدكتورة سحر الألفي، مدير عام الإدارة العامة للتربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم، أن أعمال التطوير شملت تزويد المرحلتين الابتدائية والإعدادية بآلات “بيركنز برايل” الميكانيكية، وهي من الأدوات الأساسية لكتابة ونشر طريقة برايل، وتسهم في تمكين الطلاب من المكفوفين وضعاف البصر من تدوين ملاحظاتهم وإعداد موادهم الدراسية دون الحاجة للكهرباء، إلى جانب تكاملها مع التقنيات الحديثة.
وفي السياق ذاته، أكدت أميرة الرفاعي، المدير التنفيذي لصندوق “عطاء” للاستثمار الخيري، أن مدرسة النور للمكفوفين بالمنيا تعد ثاني مدرسة يدعمها الصندوق بوسائل تعليمية متطورة، حيث جرى تزويد معامل الكمبيوتر بالمرحلة الثانوية بالسطور الإلكترونية وأجهزة حديثة تتيح للطلاب استخدام الإنترنت والبريد الإلكتروني ومعالجة النصوص باستقلالية، بما يعزز فرص دمجهم في التعليم وسوق العمل مستقبلًا.
بدوره، أعرب صابر عبد الحميد زيان، وكيل وزارة التربية والتعليم بالمنيا، عن خالص شكره وتقديره لمحافظ المنيا، مثمنًا دعمه المتواصل لقطاع التعليم، مؤكدًا أن هذا الدعم لم يقتصر على الجوانب الإدارية، بل امتد ليشمل رعاية إنسانية وأبوية لطلاب مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال تذليل العقبات وتوفير الاعتمادات اللازمة لتحويل مدرسة “النور للمكفوفين” إلى نموذج تعليمي وتكنولوجي يُحتذى به.
وعلى صعيد تطوير البنية الإنشائية والخدمات اللوجستية، أوضح المهندس أحمد عثمان، مدير عام هيئة الأبنية التعليمية بالمنيا، أن المدرسة مقامة على مساحة 2319 مترًا مربعًا، وتضم 14 فصلًا دراسيًا تغطي مختلف المراحل التعليمية من رياض الأطفال حتى الثانوية العامة، لخدمة 131 طالبًا وطالبة من أبناء المحافظة.
وأشار مدير عام هيئة الأبنية التعليمية بالمنيا إلى أن أعمال التطوير شملت رفع كفاءة المبنى بالكامل وتجهيز القسم الداخلي، من خلال توفير أسرة ومراتب وأغطية جديدة للطلاب المغتربين، فضلًا عن تحديث منظومة التغذية وتوريد أجهزة وأدوات طهي حديثة لإعداد وجبات صحية وآمنة، بتكلفة إجمالية بلغت نحو مليون و811 ألف جنيه، ضمن خطة الهيئة لتطوير المنشآت التعليمية.
جاء ذلك بحضور الدكتورة سحر الألفي مدير عام الإدارة العامة للتربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم، وأميرة الرفاعي المدير التنفيذي لصندوق عطاء للاستثمار الخيري، ورفيق وهبة عضو مجلس إدارة جمعية الدمج لذوي الإعاقة لتنمية المجتمع بأسيوط، وشمس عرفة ممثل مؤسسة يحيى عرفة الخيرية للأطفال، وسالي فاروق المدير التنفيذي لجمعية الدمج، وصابر عبد الحميد وكيل وزارة التربية والتعليم بالمنيا، والمهندس أحمد عثمان مدير عام هيئة الأبنية التعليمية، وقيادات مديرية التربية و التعليم، والدكتور سعيد محمد رئيس مركز ومدينة المنيا.
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: محافظ المنيا ذوي الهمم مدرسة النور للمكفوفين التربیة والتعلیم أعمال التطویر مدیر عام
إقرأ أيضاً:
التربية والوعي أساس لحفظ وتماسك النسيج المجتمعي
في المجتمعات التي تتعرض للاهتزازات الكبرى، لا يكون الخطر الأكبر في ضياع بعض الموارد أو تعثر بعض المؤسسات فحسب، بل في اهتـزاز الوعي نفسه، وفي تراجع المعاني التي كانت تجمع الناس حول قيم مشتركة تحفظ لهم وحدتهم وتماسكهم.
ومن هنا تأتي التربية والوعي لا بوصفهما ملفين ثانويين، بل باعتبارهما الركيزة الأولى في بناء المجتمع وصيانة نسيجه من التشقق والتفكك.
فالمجتمع الذي يفقد بوصلته التربوية، ويضعف فيه الوعي، يصبح أكثر عرضة للفرقة، وأكثر قابلية للاختراق، وأقل قدرة على الصمود أمام الأزمات.
إن التربية الحقيقية ليست مجرد تلقين للمعارف، ولا حشو للأذهان بالمعلومات، بل هي صناعة للإنسان، وصياغة للضمير، وبناء للاتزان الداخلي الذي يجعل الفرد أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وحين تتأسس التربية على القيم الإيمانية والإنسانية الأصيلة، فإنها لا تخرّج أفراداً صالحين فقط، بل تبني مجتمعاً متراحمًا، متعاوناً، قادراً على تجاوز المحن دون أن يفقد هويته أو أخلاقه.
أما الوعي، فهو البصيرة التي تمنع الإنسان من أن يكون أداة في يد غيره، أو ضحية للثقافات المغلوطة والعقائد الباطلة ، أو أسيراً للانفعال اللحظي.
الوعي يعلّم الناس أن ينظروا إلى الأحداث بعقل مفتوح، وأن يفرقوا بين من يريد لهم الخير ومن يوظف آلامهم لمصالحه. وفي أزمنة الفوضى والحروب، يصبح الوعي سلاحاً لا يقل أهمية عن أي وسيلة أخرى، لأنه يحمي المجتمع من الانجرار إلى مؤامرات العدو، ومن الوقوع في فخ الشائعات والحرب الناعمة.
وإذا كانت التربية تُنشئ الإنسان من الداخل، فإن الوعي يحصنه من الخارج. ولذلك فإن بناء النسيج المجتمعي يبدأ من الأسرة أولًا، حيث يتشكل الطفل على معنى الاحترام والمسؤولية والانتماء، ثم تنتقل الرسالة إلى المدرسة، حيث يتسع الأفق وتُصقل الشخصية، ثم إلى المسجد والإعلام والمؤسسات الثقافية، حيث تترسخ القيم وتتحول إلى سلوك عام. وعندما تتكامل هذه المؤسسات في أداء دورها، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه بنفسه، وأقل اعتماداً على ردود الأفعال المتأخرة.
وفي السياق اليمني على وجه الخصوص، تزداد أهمية التربية والوعي، لأن المجتمع الذي واجه أعواماً من العدوان والحصار والضغوط لا يحتاج فقط إلى الإغاثة، بل إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل. فالصبر الذي أبداه اليمنيون، والكرامة التي حافظوا عليها، والصمود الذي أذهل العالم، كلها تحتاج إلى حاضنة تربوية ووعي راسخ حتى لا تضيع تضحيات الشهداء في ضجيج اللحظة.
إن الأوطان لا تُحفظ بالسلاح وحده، بل تُحفظ أيضاً بالمدرسة، وبالقدوة، وبالخطاب المسؤول، وبالعقل الذي يرفض الانكسار.
ومن أخطر ما يهدد النسيج المجتمعي اليوم أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وأن تصبح التفاصيل الصغيرة سبباً لتفكيك الكبير المشترك.
وهنا تبرز وظيفة التربية الواعية في تعليم الناس أدب الخلاف، وفي غرس ثقافة التعاون رغم التباين، وفي ترسيخ فكرة أن قوة المجتمع لا تأتي من تماثله الكامل، بل من قدرته على إدارة تنوعه دون أن ينقلب إلى صراع. فالمجتمع المتماسك ليس ذلك المجتمع الذي لا يعرف الخلاف، بل الذي يعرف كيف يضبطه، ويمنع تحوله إلى قطيعة أو خصومة مدمرة.
إن الوعي الحقيقي لا يكتفي بكشف الأخطاء، بل يدفع إلى الإصلاح. والتربية الحقيقية لا تكتفي بالتحذير من الانحراف، بل تزرع البديل النظيف، وتفتح للناس أبواب الأمل والعمل. ومن هنا فإن بناء مجتمع متماسك يبدأ من مشروع طويل النفس، يربط بين الإيمان والمعرفة، وبين القيم والسلوك، وبين الحرية والمسؤولية. وحين يشعر الإنسان أن كرامته مصونة، وهويته محترمة، ومستقبله محفوظ، فإنه يكون أكثر استعدادا للعطاء، وأكثر التزاما بالمصلحة العامة، وأكثر وفاءً لمجتمعه ووطنـه.
إن التربية والوعي ليسا ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لأي أُمّـة تريد أن تبقى. وتحفظ الأجيال من الضياع، ويستعيد المجتمع قدرته على النهوض من جديد.
وفي زمن كثرت فيه الجراح، تظل التربية الصادقة والوعي الصافي هما الطريق الأقرب إلى شفاء النفوس، وحماية الصف، وصون النسيج المجتمعي من كل ما يهدده بالتمزق والانكسار.