اعتراف إسرائيل بأرض الصومال ومخاطره على الأمن الإقليمي العربي والتركي
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
يمثّل اعتراف إسرائيل بأرض الصومال لحظة مفصلية في الجغرافيا السياسية للقرن الأفريقي والبحر الأحمر، ليس فقط لأنه يمنح هذا الإقليم المنفصل شرعية سياسية جديدة خارج إطار الدولة الصومالية، بل لأن الاعتراف يأتي في سياق متوتر تختلط فيه رهانات النفوذ الدولي بمشاريع إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وتتعالى فيه تخوفات عربية من ربط هذا الاعتراف بسيناريوهات تهجير الفلسطينيين من غزة إلى فضاءات بديلة خارج وطنهم.
فمنذ انهيار الدولة الصومالية مطلع التسعينيات؛ وأرض الصومال تسعى إلى اعتراف دولي بدولتها المنفصلة، غير أن المجتمع الدولي ظل متمسكا بمبدأ وحدة الصومال خشية خلق سابقة انفصالية تهدد استقرار القارة الأفريقية. واليوم، حين تختار إسرائيل أن تكسر هذا الحاجز السياسي، فإنها لا تعترف بمجرد كيان يبحث عن الشرعية، بل تفتح ممرا استراتيجيا لنفوذها على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم عند تخوم باب المندب وخليج عدن، حيث تتقاطع مصالح مصر والسعودية واليمن والسودان والإمارات وإثيوبيا والولايات المتحدة وأوروبا والصين، وبذلك يصبح الاعتراف ورقة نفوذ وأداة تموضع أمني واقتصادي أكثر منه قرارا دبلوماسيا تقليديا.
شراكات أمنية أو لوجستية في سواحل أرض الصومال تمنح إسرائيل منصة مراقبة متقدمة لمسرح البحر الأحمر وحركة الملاحة فيه، وتفتح أمامها مجالا لتطويق خصومها الإقليميين، كما تمنحها قدرة أكبر على التأثير في توازن القوى
إن إقامة شراكات أمنية أو لوجستية في سواحل أرض الصومال تمنح إسرائيل منصة مراقبة متقدمة لمسرح البحر الأحمر وحركة الملاحة فيه، وتفتح أمامها مجالا لتطويق خصومها الإقليميين، كما تمنحها قدرة أكبر على التأثير في توازن القوى الذي ظل لعقود أقرب إلى المجال العربي أفريقيا وآسيويا.
ويتعزز هذا البعد الأمني حين يوضع في سياق التصاعد اللافت لدور الحوثيين في السواحل اليمنية وسيطرتهم على أجزاء من المجال البحري الجنوبي للبحر الأحمر، حيث شكلت عملياتهم ضد السفن التجارية وعنابر الشحن عاملا ضاغطا على خطوط التجارة الدولية وأمن الملاحة. ومن هذا المنظور، لا يُفهم الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بوصفه دعما سياسيا لكيان منفصل فحسب، بل بوصفه سعيا إلى إنشاء موطئ قدم استخباري ولوجستي على الضفة الأفريقية المقابلة لباب المندب، بما يسمح بتوسيع شبكات الرصد والمراقبة وتقييد هامش الحركة البحرية المرتبطة بالحوثيين، وتحويل الإقليم إلى حلقة متقدمة في استراتيجية تطويق مزدوجة: تطويق نفوذ الحوثيين جنوب الممر، وتقييد قدرة القوى العربية والإقليمية على احتكار إدارة أمن هذا الفضاء البحري الحساس.
وتزداد خطورة هذه الخطوة حين توضع إلى جانب مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال؛ التي منحت أديس أبابا منفذا بحريا وقاعدة بحرية مقابل اعتراف سياسي محتمل باستقلال الإقليم، الأمر الذي اعتبرته مقديشو اعتداء على سيادتها، فقوبل برفض أفريقي وعربي واسع، وكانت القاهرة في مقدمته حين أكدت رفضها لأي مساس بوحدة الصومال واعتبرت أمن هذا البلد جزءا من أمن البحر الأحمر والمنطقة. الصلة المحتملة بين الاعتراف وسيناريوهات تهجير الفلسطينيين فتمثل الواجهة الأكثر حساسية، نظرا لما تحمله فرضية المقايضة السياسية من مخاطر تحويل القضية من قضية شعب على أرضه إلى ملف إعادة توطين ومع دخول إسرائيل على خط الاعتراف، يصبح مسار شرعنة الانفصال معرضا لاكتساب تدريجي للشرعية بفعل تراكم الاعترافات الجزئية، وهو ما قد يشجع نزعات انفصالية أخرى في أفريقيا ويضعف قاعدة وحدة الدول التي لطالما تمسكت بها الدبلوماسية العربية.
وإلى جانب هذه الدوافع الملاحية والأمنية، يندرج الاعتراف أيضا ضمن مسعى أوسع لإعادة تشكيل خريطة التحالفات في المجالين العربي والأفريقي عبر تفتيت دوائر النفوذ التقليدية لمصر وتركيا على حد سواء، إذ تحاول إسرائيل الالتفاف على المجال الحيوي العربي والتركي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي؛ عبر بناء طوق نفوذ جديد يتوزع حول الموانئ والممرات البحرية والمناطق القابلة للاستثمار الجيو اقتصادي.
أما الصلة المحتملة بين الاعتراف وسيناريوهات تهجير الفلسطينيين فتمثل الواجهة الأكثر حساسية، نظرا لما تحمله فرضية المقايضة السياسية من مخاطر تحويل القضية من قضية شعب على أرضه إلى ملف إعادة توطين في أطراف جغرافية هشة تبحث عن الاعتراف والدعم، بما يعني عمليا تفريغ غزة من جزء من سكانها وتصفية حق العودة وتحويل المأساة السياسية إلى ملف إنساني قابل للتعويض والإدماج.
وهكذا لا يقف أثر الاعتراف عند حدود الصومال، بل يتجاوزها إلى منظومة الأمن في البحر الأحمر والفضاء الإقليمي المحيط به، ويجعل العرب والأتراك معا أمام اختبار جيوسياسي جديد عنوانه الدفاع عن وحدة الدول، وحماية أمن الممرات البحرية، ورفض أي مقاربة تحاول تحويل التهجير من أداة ظرفية إلى خيار استراتيجي يعاد إنتاجه تحت عناوين إنسانية أو تنموية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء إسرائيل الصومال انفصالية أفريقيا إسرائيل الصومال أفريقيا البحر الاحمر انفصال قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة رياضة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة البحر الأحمر
إقرأ أيضاً:
لماذا يخشى الصومال على اقتصاده من تحديث واتساب؟
بينما تنظر معظم دول العالم إلى ميزة أسماء المستخدمين الجديدة في "واتساب" باعتبارها تحديثاً يعزز الخصوصية، ينظر إليها الصومال من زاوية مختلفة تماماً؛ إذ يرى أن آثارها المحتملة تتجاوز الجانب التقني، لتطال اقتصاداً يعتمد بصورة كبيرة على الهاتف المحمول في المدفوعات والتحويلات المالية، إلى جانب تداعياتها الأمنية.
جانب كبير من النشاط الاقتصادي في الصومال يعتمد على الهاتف المحمول، في ظل محدودية انتشار البنوك التقليدية.
الحكومة الصومالية: استبدال "واتساب" لأرقام الهواتف بأسماء مستخدمين يحدّ من سهولة ربط الحسابات الرقمية بأصحابها، ويزيد من مخاطر انتحال الشخصية والاحتيال المالي، ويصعّب جهود تتبع الجرائم الإلكترونية.
وانطلاقاً من هذه المخاوف، طالبت الحكومة الصومالية شركة "ميتا"، المالكة لتطبيق واتساب، بعدم طرح الميزة قبل تقديم ضمانات كافية.
وقال وزير الاتصالات والتكنولوجيا أحمد عثمان ديري، إن "استبدال أرقام الهواتف بأسماء مستخدمين يصعّب تعقب المجرمين ويزيد من مخاطر الاحتيال"، خاصة مع استمرار نشاط حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، التي استخدمت "واتساب" سابقاً للابتزاز والدعاية والتواصل.
اقتصاد يعتمد على الهاتف المحموليعتمد جانب كبير من النشاط الاقتصادي في الصومال على الهاتف المحمول، في ظل محدودية انتشار البنوك التقليدية، إذ يستخدمه الأفراد والشركات في تحويل الأموال، وصرف الرواتب، وسداد الفواتير، وإتمام المعاملات التجارية، إلى جانب استقبال التحويلات المالية من الخارج.
ويفسر هذا الاعتماد الواسع تمسك السلطات بأرقام الهواتف باعتبارها وسيلة للتحقق من هوية المستخدمين وتعقب الأنشطة غير المشروعة؛ ففي عام 2024، أعلنت وكالة الاستخبارات والأمن الوطني الصومالية إغلاق 20 مجموعة على "واتساب" قالت إن "حركة الشباب كانت تستخدمها في الابتزاز والترهيب"، إلى جانب تعطيل خدمات البيانات لنحو 2500 رقم هاتف مرتبط بهذه الأنشطة.
وفي ضوء ذلك، ترى الحكومة أن استبدال أرقام الهواتف بأسماء مستخدمين يحدّ من سهولة ربط الحسابات الرقمية بأصحابها، بما يزيد من مخاطر انتحال الشخصية والاحتيال المالي، ويصعّب في الوقت نفسه جهود تتبع الجرائم الإلكترونية.
وتفسر طبيعة الاقتصاد أسباب هذا التحفظ؛ فبحسب بيانات البنك الدولي، يُعد الصومال من أكثر دول العالم اعتماداً على خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول، إذ يُسجل نحو 650 مليون معاملة سنوياً بقيمة إجمالية تبلغ 8 مليارات دولار (مقارنة بـ 155 مليون معاملة في 2017).
بينما يستخدم أكثر من 85% من البالغين الصوماليين هذه الخدمات بانتظام في تحويل الأموال، وصرف الرواتب، وسداد الفواتير، وإجراء المشتريات اليومية في بيئة تكاد تكون خالية تماماً من النقد الورقي.
ويشير البنك الدولي إلى أن الانتشار الواسع لخدمات الأموال عبر الهاتف جعلها ركيزة أساسية للاقتصاد الصومالي، وهو ما دفعه إلى الدعوة لتعزيز إجراءات التحقق من هوية العملاء، وتشديد الرقابة التنظيمية، وتوفير حماية أكبر للمستهلك، للحد من مخاطر الاحتيال وضمان استقرار النظام المالي الرقمي.
ماذا تقول ميتا؟بدورها، أكدت شركة "ميتا" في تصريحات لشبكة BBC أن الميزة الجديدة لم تُطرح بعد، وأن استخدام واتساب سيظل يتطلب تسجيل الحساب برقم هاتف، مشيرة إلى أن أسماء المستخدمين تأتي مزودة بإجراءات حماية مدمجة للحد من عمليات الاحتيال.
غير أن الحكومة الصومالية تطالب بمزيد من الضمانات، وإثبات أن إخفاء أرقام الهواتف لن يؤدي إلى تقويض إمكانية تتبع الجرائم الرقمية أو زيادة مخاطر الاحتيال المالي، مؤكدة أن أي تحديث يجب أن يراعي خصوصية الدول التي تعتمد اقتصاداتها بصورة كبيرة على المدفوعات الرقمية المرتبطة بأرقام الهواتف.
المفارقة أن هذه المخاوف ليست من الصومال وحده، إذ انضمت الهند، أكبر أسواق واتساب بأكثر من 850 مليون مستخدم، إلى المعترضين على الميزة الجديدة، معتبرة أنها تسهم في زيادة عمليات الاحتيال وانتحال الهوية، وطالبت الشركة بعدم إطلاقها قبل الانتهاء من المشاورات مع الحكومة والوصول إلى تفاهمات بشأن تداعياتها الأمنية والتنظيمية.
الأمر الذي يؤكد أن الجدل لم يعد قاصراً على دولة بعينها، بل بات يعكس تزايد اهتمام الحكومات بكيفية الموازنة بين تعزيز خصوصية المستخدمين والحفاظ على أدوات مكافحة الجرائم الإلكترونية والمالية.