جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@03:01:19 GMT

استعادة الوحدة أم استعادة السُلطة؟

تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT

استعادة الوحدة أم استعادة السُلطة؟

 

 

 

مسعود أحمد بيت سعيد

masoudahmed58@gmail.com

 

أشرنا في مقال سابقٍ إلى حقيقتين مركزيتين لا يجوز القفز عليهما؛ الأولى أنَّ القوى الإقليمية لم تدخل المشهد اليمني من بوابة الحل؛ بل تموضعت فوق تناقضات الداخل بهدف تجييرها لحساباتها السياسية. أما الثانية فتتمثل في أنَّ الغالبية الساحقة من القوى السياسية، والمكونات الاجتماعية، أصبحت مصالحها الفئوية متشابكة مع أجندات خارجية؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع كبير في استقلالية قرارها، مما أفقدها القدرة على استنباط الحلول الواقعية لمعضلات واقعها.

هذه الظاهرة ليست خصوصية يمنية؛ بل سمة عامة للمجتمعات التي يُعاد تشكيلها بما يتلاءم مع المخطط الإمبريالي- الصهيوني المرسوم للمنطقة العربية كلها، والذي على أساسه تحدد الأدوار الإقليمية، بحيث تغرق هذه المجتمعات في حروب أهلية ذات ابعاد مذهبية ومناطقية، وهو ما أكدته تجارب وشواهد في عدد من الأقطار العربية التي واجهت ظروفًا مشابهة. ومن الطبيعي في ظل الاحتقانات الداخلية، والاستبداديْن السياسي والاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، وتدنِّي الوعي، أن تجد القطاعات العريضة نفسها عالقة بين نار الاستبداد من جهة، ودوامة الاستقطاب المشحون بالمال السياسي من جهة أخرى.

ويتجلى ذلك بوضوح في الحالة اليمنية؛ فعلى الرغم مما تمتلكه من إمكانات وخبرات وتقاليد كفاحية هائلة تمكنها من تجاوز ما هو مخطط لها، لم تنتِج معظم القوى السياسية سوى إعادة تدوير الخطاب ذاته حول استعادة الشرعية. وكأنَّ هذا الشعار وحده كفيل بإلغاء واقع الانقسام وردم آثار الحرب والتدخلات الإقليمية. إن ترديد مقولة استعادة الشرعية في ظل وجود سلطتين أمر واقع، وسلطة لاجئة تستجدي الطرفين لتسليمها الحكم، لا يعكس عجزًا سياسيًا فحسب؛ بل يمثل استخفافًا بالعقل الجمعي، ودليلًا صارخًا على الإفلاس الفكري. ويؤكد هذا الواقع حقيقتين إضافيتين؛ الأولى: أن القوى الإقليمية والدولية تسعى إلى إدارة الأزمة وإطالة أمدها، ولا تملك لا الرغبة ولا المصلحة في تغيير المعادلات القائمة. أما الثانية فلها شقان؛ أولهما أن اليمن الموحد يظل حلمًا تاريخيًا لمعظم طبقاته وفئاته وشرائحه الاجتماعية، وليس مطلبًا خارجيًا. وثانيهما أن شعار استعادة الشرعية هو في جوهره استعادة للسُلطة بصيغتها ومحتواها السابقين؛ بما يعكس التجسيد الفعلي للمصالح المادية والروحية لطبقات اجتماعية محددة.

هنا لا بُد من التمييز بين استعادة السلطة واستعادة الوحدة؛ فالفارق بينهما واسع وعميق. ففي الحالة الأولى، وبالنظر إلى المعطيات الراهنة، أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، ما يضع دُعاة هذا الخيار أمام طريقين لا ثالث لهما، إما استعادتها بالقوة العسكرية، أو التمسُّك برؤى شبه مسدودة تكرس الانقسام الجغرافي والسياسي القائم. أما الحالة الثانية، والمتمثلة في استعادة الوحدة بوصفها هدفًا نبيلًا شكَّل على الدوام عنوانًا لنضالات الحركة الوطنية اليمنية فتتطلب تهيئة مناخ سياسي يفتح الطريق أمام حوار وطني شامل، يتيح معالجة حالات الاستعصاء الراهنة. وذلك انطلاقًا من استحضار السؤال المؤجَّل، أي شرعية وأي وحدة يُراد استعادتها؟ أهي شرعية وسلطة المُحاصَصة والريع والولاءات الإقليمية؟ أم هي شرعية التأسيس لدولة ديمقراطية مُوحَّدة تقوم على العدالة الاجتماعية، والتحرُّر من سيطرة البرجوازية الكمبرادورية والطفيلية، وقوى التخلف والرجعية، وتحالفاتها؟

وعلى ضوء إجابة علمية واضحة، يمكن تحرير مفاهيم الدولة والشرعية والوحدة، من الغموض المُتعمَّد، الذي لا يقصد به في الواقع سوى استعادة سُلطة تُعبِّر عن مصالح تلك القوى وتصورها الخاص للدولة، التي تشرعن التبعية حين تخدم مصالحها، وتدينها حين تخدم خصومها. وفي ظل هذه التناقضات الطبقية والفكرية، يصبح الحديث عن استعادة الوحدة والسلطة، من دون تحديد واضح لطبيعتهما، مجرد مطلب مثالي لا يمت إلى الواقع بصلة، إلّا أنه يتخذ ذريعة لاستنزاف القدرات المادية والمعنوية للشعب اليمني. فالغياب الفعلي للدولة، بمضامينها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية هو الذي أنتج هذا الواقع. ومن ثم فإن استعادتها بمضمون وحدوي جديد يتطلب قوى وطنية تقدمية قادرة على حمل هذا المشروع.

إنَّ إطالة النظر في الأسباب التي دفعت هذه الجموع الهائمة إلى الارتماء في أحضان القوى الإقليمية والفصائل المسلحة التي تشتري ولاءها بالحد الأدنى من متطلبات البقاء، ثم تُزَج بها في صراعات لا علاقة لها بمصالحها الحقيقية، هو المدخل الأساس لأي مشروع وطني وَحدَوِي يُعير عن خيارات اجتماعية واقتصادية وسياسية جديدة تلبي تطلعات القاعدة الشعبية الواسعة التي طحنها الفقر والتهميش والحرمان؛ إذ إن معظم هؤلاء لا يقاتلون دفاعًا عن قناعات فكرية أو مشاريع سياسية؛ بل لأن الجوع واليأس وانسداد الأفق لم يترك لهم خيارًا آخر.

وبما أن القوى الرئيسية المسلحة ما تزال تتخندق ضمن محاور إقليمية متناقضة الأجندات، فإنِّها ستظل في حالة صراع دائم، وسيبقى التوافق الوطني مُتعذَّرًا. وبهذا المعنى، فإنَّ أي خيار يستبعد الحوار لا يعدو كونه تضليلًا سياسيًا يهدف إلى إدامة الصراع، وهو ما قد يفضي إلى سيناريوهات أكثر خطورة مما هي عليه في الوقت الراهن.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • وزير العمل اللبناني يؤكد أهمية استعادة بلاده كامل حقوقها داخل منظمة العمل الدولية
  • وزير خارجية الكويت ونظيره الباكستاني يبحثان تطورات الأوضاع الإقليمية
  •   من بيروت إلى باب المندب…إيران تهدد بفتح جبهة في المياه الإقليمية اليمنية رداً على التصعيد الإسرائيلي
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • الذهب يواصل الصعود عالمياً وسط ترقب التطورات السياسية
  • المقاومة الوطنية: وحدة الصف مفتاح استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • رفع رصيده لخمس ميداليات ملونة.. أدعم القوى يتألق آسيويا