لجريدة عمان:
2026-06-03@05:07:44 GMT

عندما تتحول النية الطيبة إلى عبء مالي

تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT

انتشر لي فيديو مقتطع من مقابلة إذاعية أجريت مؤخرا لإحدى الإذاعات المحلية حول (المجاملات الاجتماعية) بين النساء بالذات التي أصبحت تستنزف طاقة الأسر المالية والنفسية على حد سواء التي لم أكن أدرك حجمها قبل أن أدخل وأستعرض مداخلات المتابعات على الموضوع على (الإنستغرام) رغم أنني دائما ما ألاحظ أن هذه المشكلة الأكثر شيوعا في عملي التي أواجهها مع النساء والمتمثلة بما أسميه العطاء السلبي المبالغ فيه عند البعض.

 

قد يكون هذا العطاء بدافع الطيبة أو الشعور بالذنب أو الرغبة في «إصلاح العالم»، فتجدهن يتبرعن أو يقدمن الهدايا والمساعدات بشكل مبالغ فيه، حتى لو كان على حساب استقرارهن المالي ومستقبلهن. 

قد يبدو هذا السلوك في ظاهره عملا نبيلا، لكن حين يؤدي إلى إنهاك المرأة ماليا وحرمانها من أبسط حقوقها في الأمان والاستقرار، فإنه لا يحقق العدالة التي تطمح إليها، بل قد يخلق ظلما جديدا لها ولمن تعيلهم. 

وهذا يتناقض مع تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف الذي يدعونا للتوازن؛ يقول عز من قائل: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، فالآية تضع قاعدة ذهبية: الإنفاق عبادة، لكنه يجب أن يكون وسطا بعيدا عن الإسراف والتقتير. 

وفي التوجيه النبوي: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»، أي أن مسؤولية الإنسان الأولى هي نفسه وأسرته، ثم يتوسع بعد ذلك إلى المجتمع، وهذا يعني أن التبرع لا ينبغي أن يأتي على حساب حقوقك الأساسية أو التزاماتك الضرورية. 

وفي مجتمعنا العُماني نجد قيم التكافل والتعاون متأصلة منذ الأزل من خلال عادات مثل «الفزعة» و«العونة» و«الوقف» و«الصدقة»، وهي ممارسات جميلة تعكس روح الجماعة، لكن هذه القيم لطالما ارتبطت بالحكمة في حدود إمكانيات المرء، ولم تكن يوما دعوة للإرهاق أو تحميل النفس ما لا تطيق. 

من هنا من المهم أن تعي المرأة أن النية الصالحة وحدها لا تكفي؛ فالعدالة المستدامة تبدأ من الاستقرار المالي الشخصي. 

إذا فقدت المرأة أمانها المالي فلن تتمكن من الاستمرار في العطاء، ولن تملك القوة لتغيير العالم الذي تحلم بإصلاحه. 

ختاما: الوعي المالي ليس أنانية، بل هو شرط أساسي للقدرة على العطاء المتوازن؛ فالمرأة التي تدير مالها بحكمة تستطيع أن تستمر في المساهمة في المجتمع، وتترك أثرا مستداما دون أن تستنزف نفسها ماليا ونفسيا فقط لتجاري المجتمع من حولها وتتبع القطيع. 

حمدة الشامسية كاتبة عمانية في القضايا الاجتماعية 

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات

 

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

في سورة يوسف عليه السلام درسٌ يتجاوز حدود الزمان والمكان؛ إذ إن يوسف لم يبدأ رحلته مع الأذى من عدوٍ غريب، بل من إخوته الذين جمعته بهم رابطة الدم والبيت الواحد.

ولم يكن الجُبّ أعمق ما في القصة، بل اليد التي أوصلته إليه. ولم يكن الألم في البعد وحده، بل في الخذلان الذي جاء من حيث كان يُنتظر السند.

وتبقى القصة حيّة في الوجدان الإنساني؛ تذكّرنا أن الخذلان أشد إيلامًا حين يأتي من القريب، وأن أثر الصمت قد يوازي وقع الفعل نفسه.

وهكذا تُظهر التجارب أن العداوة لا تُفاجئ أحدًا بوضوحها، أما الخذلان فغالبًا ما يتسلّل من أبواب القربى، وعندما نقرأ القصة اليوم، يصعب تجاهل ما تعكسه من صورٍ تتكرّر في الواقع؛ عندما يتقدّم الصمت على النصرة، ويعلو التردّد على الموقف، رغم ما يُرفع من شعارات الأُخوّة والمصير المشترك.

فماذا تبقى من الأُخوّة عندما يحين وقت الموقف؟ وماذا يبقى من المصير المشترك عندما تُترك دولة تواجه التهديد وحدها؟

ليست التهديدات على درجة واحدة، فهناك تهديد يُوجَّه إلى دولة حديثة التكوين فيُقرأ في سياقه السياسي المباشر، وهناك تهديد يمس دولة ضاربة الجذور في التاريخ فيحمل دلالة أوسع.

وعُمان ليست دولة طارئة على الجغرافيا حتى تُقرأ بهذه الخفة، إنها اسمٌ عرفته طرق التجارة القديمة، وحضارةٌ تركت أثرها على سواحل البحار والمحيطات، ودولةٌ حافظت على سيادتها وهويتها عبر قرون من التحولات وتبدّل موازين القوى.

لذلك فإن أي مساس بسيادتها لا يُنظر إليه بوصفه خلافًا ثانويًا؛ بل باعتباره مساسًا بدولة اختارت عبر تاريخها أن تُمسك بقرارها الوطني باستقلال.

أما عن التهديد وما بعد التهديد، فقد يختلف الناس في تفسير التصريحات السياسية أو في تقدير حدودها، لكن ما لا خلاف عليه أن سيادة الدول ليست موضوعًا قابلًا للتأويل أو التجاهل، والأخطر من التهديد نفسه ليس صدوره، بل طريقة تلقّيه والتعامل معه وكأنه لا يستحق الوقوف عنده.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: إذا كانت عُمان دولة عضوًا في مجلس التعاون الخليجي فأين هو الموقف الجماعي؟ وإذا كانت عضوًا في جامعة الدول العربية، فأين هو الموقف العربي؟

هذه ليست دعوة إلى التصعيد، ولا مطالبة بخطابات انفعالية، بل دعوة إلى الحد الأدنى من الاتساق مع المبادئ التي تأسست عليها تلك الأطر.

المفارقة أن سلطنة عُمان لم تُعرف يومًا بسياسة العدوان أو التدخل في شؤون الآخرين، فقد اختارت الحوار في الملفات المعقدة، ورأت أن كلفة الحوار أقل من كلفة الصدام، وتجنّبت الانخراط في صراعات إقليمية من موقع قراءة سياسية خاصة بها، وقناعة بأن الاستقرار لا يُبنى على التوتر.

وقد يختلف البعض مع هذه المقاربات أو يتفق معها، لكن الاختلاف السياسي لا يبرّر الصمت حين تُمسّ سيادة دولة.

فهل أصبح استقلال القرار السياسي محلّ اتهام؟ وهل صار خيار التهدئة سببًا للتشكيك؟ وهل يُطلب من الدول أن تتطابق في سياساتها حتى تستحق التضامن؟

وإن كان الأمر كذلك، فالمشكلة ليست في عُمان.

والحديث هنا لا يقتصر على عُمان، بل يتجاوزها إلى معنى التضامن ذاته، فكثير من المؤسسات ترفع شعارات عن وحدة المصير والأمن المشترك والتعاون بين الأشقاء، لكن قيمة هذه الشعارات لا تظهر في لحظات الاستقرار، بل عند اختبارها الحقيقي.

وهنا يبرز السؤال المباشر: ما قيمة التضامن إذا غاب عند الحاجة إليه؟ وما قيمة البيانات والاجتماعات إذا تُركت السيادة وحدها عند الاختبار؟

لم تطلب عُمان يومًا أن يُدار قرارها من الخارج، ولم تُبنِ سياستها على انتظار الإملاءات، ومن حقها أن تُقدّم مصالحها الوطنية، وأن تُوسّع شراكاتها مع من يحترم سيادتها ويعاملها بنديّة واضحة؛ فالدول لا تُدار بالمجاملات، ولا تُبنى على الشعارات، ولا تُحفظ قراراتها في أجواء الصمت عند الحاجة. والاحترام المتبادل بين الدول لا يُقاس في أوقات الرخاء، بل في لحظات الاختبار، خصوصًا داخل الأطر التي تعهّدت أصلًا بالتضامن وصون المصالح المشتركة.

وقد يغيب موقف أو يصمت طرف، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة ثابتة، أن عُمان سبقت كثيرًا من التحالفات وستبقى بعدها، وأن قوة الدول لا تُقاس بعدد المصفّقين، بل بقدرتها على الثبات على مبادئها حين تتبدل المواقف.

لقد اختارت عُمان عبر تاريخها أن تكون دولة قرار لا دولة إملاء، ودولة كرامة لا دولة تبعية. وقد تدفع الدول ثمن استقلالها أحيانًا، لكنها تكسب قدرتها على حماية مستقبلها حين تتمسك بسيادتها؛ لأن ما يُبنى على الاحترام يدوم، وما يُبنى على التبعية يتآكل عند أول اختبار.

وفي النهاية، تبقى الأُخوّة موقفًا قبل أن تكون شعارًا، والتضامن فعلًا قبل أن يكون بيانًا، والسيادة حقًا لا يقبل التجزئة ولا التأويل.

أما عُمان، فستبقى كما كانت؛ دولة تعرف قدر نفسها، وتحفظ حقها، وتمضي في طريقها بثبات، مستندة إلى تاريخها، ومؤمنة بأن احترام السيادة ليس منّة، بل حقٌ أصيل تكفله القوانين والأعراف، وتفرضه كرامة الدول قبل كل شيء.

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • الطيبة .. وفاء عامر تنعى سهام جلال برسالة مؤثرة
  • فرق توقيت!!
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • صلاة تذكار في لوساكا بزامبيا لراحة نفسَيِ فلورينيكا وإدوارد شامولينجي
  • الخزانة الأمريكية : نوبيتكس وفرت غطاءً مالياً للحرس الثوري وبرامج الفدية الإلكترونية
  • ليبيات: منح المرأة دورًا أكبر في مبادرات الوقاية من النزاعات يزيد من فعاليتها
  • هل تتحول تهديدات ترامب إلى عمل عسكري ضد إيران؟
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • أنت كإنسان آخر ما تحتاجه التكنولوجيا.. ثم لن تحتاجك!
  • تحرك مالي ضخم يعيد رسم «سوق العملة» في ليبيا