التنمية حين تلامس الإنسان قبل المشروع
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
سالم بن حمد الساعدي
alftaalsamer@hotmail.com
في خضم الحديث المتسارع عن التنمية، كثيرًا ما تنشغل العناوين بالأرقام وتتصدر المشاريع واجهة الأخبار، بينما يظل السؤال الأهم غائبًا: هل شعر الإنسان فعلًا بأثر هذه التنمية؟
التنمية في جوهرها لا تقاس فقط بطول الطرق ولا بعدد المباني ولا بحجم الميزانيات المصروفة، بل بمدى انعكاسها الحقيقي على حياة الناس اليومية وعلى شعورهم بالعدالة والكرامة وجودة العيش.
إن التنمية ليست سباقًا في الإنجاز ولا سبورة تكتب عليها أرقام المشاريع المنجزة بقدر ما هي مسار واعٍ طويل النفس يتطلب قراءة عميقة للاحتياجات وفهماً دقيقاً للواقع الاجتماعي والاقتصادي وموازنة حكيمة بين الطموح والإمكانات؛ فالمشروع الذي لا يختصر على المواطن مُعاناة ولا يحل مشكلة قائمة ولا يضيف قيمة ملموسة إلى حياته يبقى مشروعاً ناقص الأثر مهما بلغت كلفته أو جمال تصميمه.
وحين تبنى المشاريع دون أن تبنى معها الثقة المجتمعية أو دون أن يصغى لصوت الإنسان البسيط، فإنِّها تفقد جزءا كبيرا من قيمتها حتى وإن بدت متكاملة من حيث الشكل.
فالتنمية التي تفرض من الأعلى دون مشاركة حقيقية من المجتمع، قد تنجح إدارياً لكنها تفشل إنسانيا لأنَّ الإنسان لا يشعر بأنها تعبر عنه أو تمس احتياجه الحقيقي.
إن الإنسان هو محور أي تنمية ناجحة وهو الغاية قبل أن يكون وسيلة. وحين يشعر المواطن أن المشروع جاء ليخدمه فعلياً ويخفف عنه عناء الطريق أو يقرب له خدمة أساسية أو يحسن من بيئته المعيشية، فإنِّه يتحول تلقائيا إلى شريك في حمايته واستدامته لا مجرد متلقٍ ينتظر ما يقدم له؛ فالشعور بالانتماء للمشروع هو الضامن الأول لنجاحه على المدى البعيد.
وفي المحافظات والولايات البعيدة عن المركز تتجلى الحاجة بصورة أوضح إلى تنمية متوازنة لا تقاس بالمقارنة مع غيرها؛ بل تقاس بمدى تلبيتها لاحتياجاتها الفعلية.
فالتنمية العادلة لا تعني توزيع المشاريع بالتساوي حسابيا وإنما توزيعها بعدالة واقعية تراعي الجغرافيا والكثافة السكانية وطبيعة النشاط الاقتصادي ومستوى الخدمات القائمة والفجوات التنموية القائمة منذ سنوات. كما إن نجاح أي مشروع لا يكتمل دون تكامل الأدوار بين الجهات الرسمية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي.
التنمية التشاركية لم تعد خيارًا تجميليًا؛ بل أصبحت ضرورة حتمية لأنها تُقلِّل من الهدر وتعزز كفاءة الإنفاق وتضمن أن يصل الأثر إلى مستحقيه وتخلق شعورًا عامًا بالمسؤولية المشتركة.
إننا اليوم في مرحلة تتطلب إعادة تعريف مفهوم التنمية ليس باعتبارها إنجازا يعلن في المؤتمرات؛ بل كأثر يعاش في تفاصيل الحياة اليومية.
تنمية يشعر معها الإنسان أن صوته مسموع وأن احتياجه مفهوم وأن مستقبله جزء أصيل من التخطيط لا نتيجة عرضية له.
وحين نصل إلى هذه القناعة نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح نحو تنمية تصنع الإنسان قبل أن تصنع المشروع وتبني الثقة قبل أن ترفع الخرسانة وتترك أثرًا في الوجدان قبل أن تترك بصمة في الأرض.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
«نيويورك أبوظبي»: طريقة جديدة لمكافحة الملاريا
أبوظبي (الاتحاد)
أخبار ذات صلةكشف باحثون في جامعة نيويورك أبوظبي عن نقطة ضعف جديدة في طفيلي الملاريا، بعد اكتشافهم اعتماده على نوع محدّد من الدهون التي تحتوي على حمض اللينوليك للنمو والتكاثر داخل جسم الإنسان، ما قد يفتح المجال أمام تطوير علاجات أكثر فاعلية للمرض.
ونشرت نتائج الدراسة في دورية «علم أحياء الجينوم»، واستندت إلى تحليل عينات دم لـ396 طفلاً في بوركينا فاسو قبل الإصابة بالملاريا وأثنائها، حيث أظهرت أن الطفيلي يعتمد على مصدر غذائي محدد بدلاً من الاستفادة من جميع العناصر الغذائية المتاحة، وهو ما يكشف عن هدف علاجي جديد.
وقال يوسف إدغضور، الأستاذ المشارك في علم الأحياء بجامعة نيويورك أبوظبي والمؤلف الرئيس للدراسة، إن هذا الاكتشاف يعزز فهم آلية بقاء الطفيلي داخل جسم الإنسان، ويمهد لتطوير استراتيجيات علاجية أكثر فاعلية لمكافحة الملاريا.
وجاءت النتائج متّسقة إلى حد كبير بين الأطفال المنتمين إلى ثلاث مجموعات عرقية متمايزة وراثياً وثقافياً في بوركينا فاسو، مما يشير إلى أن استراتيجية البقاء هذه تمثل سمة أساسية في الإصابة بالملاريا، ولا تقتصر على فئة بعينها. كما أكد الفريق اعتماد الطفيلي على هذه الدهون من خلال تجارب مخبرية، مما عزّز الأدلة على دورها الأساسي في نموه.
ومن خلال الجمع بين العينات السريرية والتحليلات الجينية والأيضية المتقدمة، تمكّن الباحثون من الكشف عن تفاعلات كانت خفية سابقاً بين طفيلي الملاريا وجسم الإنسان. وتوفّر الدراسة واحدة من أكثر التوصيفات تفصيلاً حتى الآن لكيفية حصول الطفيلي على العناصر الغذائية التي يحتاج إليها للنمو والازدهار أثناء الإصابة.
وأضاف إدغضور: «يتمثل هدفنا في تعميق فهمنا لدورة حياة طفيلي الملاريا حتى نتمكن من تحديد فرص جديدة للتدخل العلاجي. وتساعد دراسات من هذا النوع على الكشف عن كيفية بقاء الطفيلي داخل جسم الإنسان، كما توفّر أساساً لتطوير استراتيجيات أكثر فعالية لمكافحة الملاريا الذي استعصى على طرق العلاج التقليدية».
وبالإضافة إلى إتاحة فرص جديدة لتطوير الأدوية، تطرح النتائج أسئلة مهمة حول العلاقة بين التغذية والأمراض المعدية، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الأبحاث المستقبلية لدراسة كيفية تأثير النظام الغذائي وعمليات الأيض في أمراض أخرى.