د. آية النهداوي تكتب: تغير المناخ .. التهديد الصامت الذي يعيد رسم خرائط النزاعات
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
تتصاعد التحذيرات العالمية حول تأثيرات التغير المناخي على الأمن والاستقرار السياسي لتتحول قضية بيئية بحتة إلى عامل رئيسي في النزاعات الدولية.
لم تعد المياه والغذاء والأراضي الزراعية والطاقة مجرد موارد طبيعية، بل أصبحت ساحة صراع محتملة بين الدول والشعوب.
وتشير التقارير الدولية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف المتكرر يهدد الأمن الغذائي في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، ويخلق نقص المياه صراعات محلية بين المجتمعات، بينما تدفع التحولات المناخية الكبيرة الدول إلى إعادة رسم سياساتها الداخلية والخارجية لضمان بقائها.
ولم تعد الأزمات المناخية مجرد تهديد مستقبلي، بل بدأت تظهر تأثيراتها على النزاعات الحالية. فمثلاً، أزمة المياه بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة تظهر كيف يمكن للتغير المناخي أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي ودبلوماسي.
كما تواجه مناطق الساحل الأفريقي صراعات مسلحة متصاعدة بسبب شح الأراضي الزراعية والمياه، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي الإقليمي.
إن تأثير التغير المناخي لا يقتصر على النزاعات المباشرة حول الموارد، بل يمتد ليشمل الإستقرار الإجتماعي والسياسي للدول. هذا بالإضافة إلي المجاعات والجفاف والهجرة القسرية تخلق ضغوطًا داخلية على الحكومات مما يزيد من احتمالات الإحتجاجات الشعبية واضطراب المجتمعات المحلية.
وفي هذا السياق، تتحول الحكومات إلى جهات فاعلة مضطرة للسيطرة على الأزمات من خلال سياسات أمنية صارمة أو خطط توزيع موارد جديدة، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على العلاقات الدولية.
بالإضافة إلى ذلك، يشكل تغير المناخ تحديًا استراتيجيًا للدول الكبرى، إذ أصبح التأثير البيئي جزءًا من حسابات السياسة الخارجية والدبلوماسية الدولية.
الدول التي تسيطر على المياه أو الأراضي الزراعية الخصبة أو الطاقة المتجددة قد تستخدم هذه الموارد كأداة ضغط سياسي، مما يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي. وفي الوقت نفسه، تواجه الدول الأكثر ضعفًا خطرًا أكبر من فقدان سيادتها أو الانجرار إلى صراعات مسلحة بسبب الضغوط البيئية والإقتصادية.
وتتصاعد المخاوف من أن تصبح الكوارث الطبيعية سببًا مباشرًا للنزاعات بين الدول الكبرى، خصوصًا مع ارتفاع موجات الهجرة القسرية والفقر والمجاعات.
وتدفع التحولات المناخية الحكومات إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الدفاعية، إذ أصبح تأثيرها على الإستقرار السياسي الداخلي والخارجي واضحًا .وللتعامل مع هذا التحدي بدأت بعض الدول بدمج السياسات البيئية ضمن خطط الأمن القومي، وتهيئة البنى التحتية لمواجهة الأزمات المستقبلية فيما يبقى التعاون الدولي والتقنيات الحديثة لإدارة الموارد ضرورة عاجلة لتجنب اندلاع نزاعات جديدة .
أما على صعيد الأمن الإقليمي، يمكن أن يصبح تغير المناخ عاملًا مهيمنًا في النزاعات المستقبلية، خاصة في مناطق تتقاطع فيها الأزمات البيئية مع التوترات السياسية التقليدية.
فقد أظهرت الدراسات أن مناطق الساحل الأفريقي والشرق الأوسط وجنوب آسيا تعد أكثر عرضة للصراعات المتزايدة نتيجة لندرة الموارد وتأثر المجتمعات بالفيضانات والجفاف .
هذا الوضع يضع المنظمات الدولية تحت ضغط دائم للتدخل وإيجاد حلول عاجلة قبل أن تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات إنسانية وسياسية كبرى.
في ضوء هذه التحديات، يصبح التعاون الدولي أكثر من مجرد خيار؛ فهو ضرورة ملحة للحفاظ على الأمن العالمي. منظمات مثل الأمم المتحدة تحث على تبني استراتيجيات مشتركة لإدارة الموارد المائية والزراعية ومواجهة الكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى تشجيع الإبتكار التكنولوجي والتكيف المستدام. فغياب التعاون قد يؤدي إلى صراعات متصاعدة بين الدول، وربما نزاعات جديدة لم تعرفها الساحة الدولية من قبل.
إن تغير المناخ ليس تهديدًا بيئيًا فحسب، بل يمثل عاملًا سياسيًا صامتًا يعيد رسم خرائط النزاعات العالمية. والوقت المتاح للتكيف والعمل محدود والتقصير في مواجهة هذه التحديات قد يرفع كلفة الأمن والإستقرار السياسي إلى مستويات غير مسبوقة.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: التغير المناخي النزاعات الدولية الطاقة تغیر المناخ
إقرأ أيضاً:
تعرف على موضوع خطبة الجمعة غدا بمساجد الأوقاف
نشرت وزارة الأوقاف نص موضوع خطبة الجمعة اليوم الموافق 10 صفر ١٤٤٨هـ/ ٢٤ يوليو - ٢٠٢٦م والتي حددت موضوعها بعنوان: «الماء حياة ونماء».
وقالت الوزارة أن الهدف المراد توصيله: الوعي بأن المحافظة على المياه والموارد العامة مسئولية دينية ووطنية أما الخطبة الثانية: «الموارد ليست ملكا خاصا».
وشددت الوزارة على جميع الأئمة الالتزام بموضوع الخطبة ووقتها المحدد لها.
الحمدُ للهِ الذي جعلَ منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ، ويسَّرَ بهِ أرزاقَ العبادِ في كلِّ وادٍ وحيٍّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، منبعُ الجودِ والعطاءِ، ومُسدي نعمِ الأرضِ والسماءِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أصدقَ الناسِ شكرًا للنعماءِ، وأحفظَهُم لمواردِ العيشِ والهناءِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأبرارِ، صلاةً دائمةً ما انهمرَ غيثٌ وتدفقتْ أنهارٌ، أما بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١- كنْ شاكرًا لربِّكَ على نعمةِ الماءِ فهي أصلُ الحياةِ، ومصدرُ النماءِ والبهجةِ الروحيةِ والبدنيةِ، فحقيقةُ بقائِكَ تقومُ على تدفقِ سرِّ الحياةِ الثمينِ، وتكتملُ بهِ عمارةُ الأرضِ للمستخلَفينَ، فطريقُ الشكرِ لخالقِكَ يحتاجُ إلى صيانةِ هذهِ المِنَّةِ العظيمةِ، التي بها قيامُ المخلوقاتِ، لتغدوَ قيمُ الترشيدِ والحفاظِ جزءًا من سلوكِكَ، وعنصرًا أساسيًّا في سموِّ شؤونِكَ، وتتبّعْ أثرَ الأنبياءِ في استشعارِ هذا العطاءِ المديدِ، فقد جعلَ اللهُ الماءَ آيةً كبرى للتثبيتِ والتأييدِ، فنجَّى نوحًا بماءٍ انهمرَ وفاضَ، وجعلَهُ لموسى رضيعًا وشابًّا طريقًا للنجاةِ والخلاصِ، ونصرَ بهِ الحبيبَ المصطفى ﷺ يومَ بدرٍ بالطهورِ والتثبيتِ، وكانَ سرُّ التفوقِ في معركةِ العاشرِ من رمضانَ، فأطلِقْ في مجالاتِ حياتِكَ نداءَ التدبرِ والامتنانِ، واجعلْ نيتَكَ صيانةَ هذا الفيضِ الربانيِّ منَ النقصانِ، لتسعدَ في دنياكَ وآخرتِكَ ببركةِ العيشِ الرغيدِ، تقديرًا لهذهِ النعمةِ العظيمةِ، في إطارِ قولِ اللهِ جلَّ وعلَا: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾.
٢- تدبرْ حقيقةَ الأمانةِ الملقاةِ على عاتقِكَ في صيانةِ نعمةِ الماءِ، فالإسلامُ جعلَ الحفاظَ على هذهِ النعمةِ مسؤوليةً دينيةً ووطنيةً على كلِّ فردٍ في مجتمعِهِ، وهي عبادةٌ يتقربُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، وواجبٌ وطنيٌّ يحمي بهِ مقدراتِ بلادِهِ وأمنَها القوميَّ، فتتبعْ سيرَ الصحبِ الأبرارِ في صونِ النعمِ، وتعلَّمْ فضلَ الاقتصادِ في العطايا، وانظرْ لعظيمِ الأجرِ في ميزانِ الرحمنِ، حينَ جعلَ اللهُ سقيَ المحتاجِ وإحياءَ النفوسِ سببًا لمغفرةِ الذنوبِ والآثامِ، وفي المقابلِ توعدَ منْ يهدرُ المياهَ أو يمنعُ فضلَها بالوعيدِ الشديدِ، فصيانةُ أمنِ وطنِكَ المائيِّ وحفظُ استقرارِهِ هو أبلغُ زادٍ للسالكينَ، وبها تتكاملُ الواجباتُ وتتحققُ المصلحةُ في الدارينِ، امتثالًا للهديِ النبويِّ الشريفِ، وتطبيقًا لمقاصدِ الشريعةِ الغرَّاءِ في حفظِ الأنفسِ والأوطانِ، حيثُ ضربَ النبيُّ ﷺ أروعَ مثلٍ للمسؤوليةِ الوطنيةِ والمجتمعيةِ في حمايةِ مقدراتِ الوطنِ فقالَ: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ اللهِ والواقِعِ فيها كمَثَلِ قَومٍ استَهَموا على سَفينةٍ، فأصابَ بَعضُهم أعلاها وبَعضُهم أسفَلَها، فكان الذينَ في أسفَلِها إذا استَقَوا مِنَ الماءِ مَرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقنا في نَصيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يَترُكوهم وما أرادوا هَلَكوا جَميعًا، وإن أخَذوا على أيديهم نَجَوا، ونَجَوا جَميعًا».
٣- احذر الإسرافَ والعبثَ بالمصادرِ المائيةِ، واجعلْ ترشيدَ الاستهلاكِ ديدنَكَ، واغرسْ هذهِ الثقافةَ في نفوسِ أبنائِكَ، وتجنب السلوكياتِ الخاطئةَ؛ فلا تترك الصنبورَ مفتوحًا دونَ استعمالٍ، وتجنب الإسرافَ في تنظيفِ السياراتِ، واحذرْ إهمالَ تسريباتِ الأنابيبِ وشبكاتِ المياهِ، كما يشتدُّ النهيُ والتحذيرُ منْ إلقاءِ القاذوراتِ في نهرِ النيلِ وما يتفرعُ منهُ، فإنَّ هذا جرمٌ كبيرٌ وأذًى عظيمٌ، واعلمْ أنَّ هدرَ المياهِ ليسَ مجردَ هدرٍ ماليٍّ، بلْ هو مخالفةٌ شرعيةٌ تحرمُكَ شكرَ المنعمِ، فأصلحْ سلوكَكَ اليوميَّ المائيَّ، لتسلكَ سبيلَ النجاةِ يومَ تُسألُ عنِ النعيمِ، مستمسكًا بهديِ نبيِّكَ ﷺ حينَ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأُ فقالَ: «ما هذا السرفُ؟ فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: نعمْ، وإنْ كنتَ على نهرٍ جارٍ».
٤- تذوقْ ثمراتِ الأمنِ المائيِّ المستدامِ، واغتنمْ بركاتِ الاستقرارِ والتنميةِ على الدوامِ، فإذا أحسنتَ إدارةَ المواردِ، وحميتَ الأنهارَ منَ التلوثِ والهلاكِ، سارتْ مركبُ الأوطانِ في أمنٍ ورخاءٍ، فيتعينُ عليكَ حينئذٍ صونُ الأواصرِ والبيئةِ بتركِ الاعتداءِ، والتخلقُ بخُلُقِ الاقتصادِ في الغسلِ والوضوءِ، واحذرِ الإسرافَ فإنَّهُ ممحقٌ للنعمِ والخيراتِ، وبسببِهِ يحلُّ الفقرُ، وتتبددُ الثرواتُ، فحافظْ على شبكاتِ المياهِ، واستعملْ وسائلَ الريِّ الحديثةَ بحكمةٍ وأناةٍ، وكنْ واعيًا مصلحًا باذلًا للخيرِ في سائرِ المجالاتِ، فبالأمنِ المائيِّ تُبنى الحضاراتُ على ضفافِ الأنهارِ، وتزولُ أسبابُ النزاعِ والاضطرارِ، فتلكَ نعمةٌربانيةٌ، ومِنَّةٌ رحمانيةٌ، قالَ سبحانهُ: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَاۤؤُكُمۡ غَوۡرࣰا فَمَن یَأۡتِیكُم بِمَاۤءࣲ مَّعِینِۭ﴾ .
الخطبة الثانيةالحمدُ للهِ وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبادِهِ الذينَ اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أما بعدُ:
فإن المواردَ العامةَ ليستْ ملكًا لكَ أو لغيرك، بلْ هيَ ملكٌ للجميع، فاجعلْ تعاملَكَ معَ المواردِ العامةِ صونًا لنعمةِ ربِّكَ، وانشرْ بذورَ الترشيدِ والنظامِ في حياتِكَ، فالمواردُ العامةُ ثروةُ الأوطانِ، وبها تنتفعُ المجتمعاتُ، فالمؤمنُ الحقُّ منْ يلزمُ الاقتصادَ في أوقاتِهِ وأحوالِهِ، وينضبطُ في استخدامِ الماءِ والطاقةِ والغذاءِ، فيتحولُ إلى عنصرٍ نافعٍ يحمي بيئتَهُ، ويصونُ نعمَ ربِّهِ، بالابتعادِ عنِ التبذيرِ والإسرافِ، والتحولِ إلى استخدامِ التقنياتِ الحديثةِ، فصُنْ بالوعيِ مواردَكَ، وحصِّنْ بالمسؤوليةِ حياتَكَ، تبنِ وطنًا قويًّا في مبادئِهِ، ناجحًا في اقتصادِهِ، مستقيمًا في أحوالِهِ، محافظًا على بيئتِهِ، مهتمًّا بنظافتِها، وقد أكدَ المصطفى ﷺ على أنَّ المواردَ حقٌّ مشتركٌ لا يجوزُ احتكارُهُ أو الانفرادُ به دونَ الخلقِ، فقالَ ﷺ: «الناسُ شركاءُ في ثلاثةٍ: الماءِ والكلإِ والنارِ».
كنْ حذرًا من تبديد تلك الموارد، وتجنب السلوكياتِ السيئةَ، كالإفراطِ في استهلاكِ الغذاءِ وإلقاءِ بقاياهُ في النفاياتِ، والعبثِ بالأوراقِ والأدواتِ المكتبيةِ والحكوميةِ، والإسرافِ في استخدامِ الوقودِ وحرقِ الطاقةِ بلا طائلٍ، فتلكَ سلوكياتٌ مفسدةٌ للنعمِ، ومبددةٌ للثرواتِ، وتأملْ كيفَ جعلَ الإسلامُ المواردَ أمانةً، لتكونَ نعمُ اللهِ وسيلةَ حياةٍ، فكنْ لينًا في توجيهِ أبنائِكَ، مصلحًا في مجتمعِكَ، وتلطفْ في نشرِ ثقافةِ الترشيدِ في المدارسِ والمؤسساتِ، فالمؤمنُ الواثقُ يعلمُ أنَّ حفظَ المواردِ يبني الحضاراتِ، ويحافظُ على الطاقاتِ، وبالانضباطِ تدومُ النعمة، وتعظمُ الفائدةُ، في إطارِ الاستمساكِ بقولِهِ جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ .