تناول الأطعمة الموسمية الطازجة يغنيك عن اتباع الحميات الغذائية
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
سيمون فيلدهاوس، طبيب ذو خبرة تمتد ثلاثين عاما، يرأس الجمعية السويسرية لطب مكافحة الشيخوخة والوقاية منها؛ ويتبنى نهجا مخالفا لتيار الحميات الغذائية السائد منذ عقود، والقائم على تقليل أو تجنب فئات كاملة من الأغذية، ولا يلتزم بنظام غذائي صارم، لاعتقاده أنه "لا يوجد نظام غذائي صحي مثالي".
يقول فيلدهاوس لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية "لا أفضل الحميات الغذائية، ولا آكل إلا الفواكه والخضراوات الموسمية؛ فالآن نحن في الخريف أو على مشارف الشتاء، ولا توجد فراولة، فلماذا آكلها؟.
قبل اختراع التبريد والاستيراد العالمي، كان الناس يتناولون الأطعمة في مواسمها، واليوم تعود هذه الممارسة الصحية لإعادة الانسجام ما بين نظامنا الغذائي وإيقاع الطبيعة، ودعم احتياجات الجسم المتغيرة على مدار العام بشكل طبيعي؛ إذ توفر الأطعمة الموسمية أقصى قيمة غذائية في وقتها.
تناول الطعام في مواسمه ليس صيحةوفقا لمعهد أبحاث التغذية بجامعة نورث كارولينا، فإن تناول الطعام الموسمي يشجع على "تنويع النظام الغذائي"، مما يدعم صحة الأمعاء ويُقلل من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة؛ إذ تتغير الفصول بشكل طبيعي لتُقدم مجموعات جديدة من العناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم.
فثمار التوت الصيفية توفر الأنثوسيانين الذي "يدعم صحة الدماغ والقلب"، بينما تُقدم الخضراوات الخريفية "الألياف والكربوهيدرات بطيئة الهضم التي تُشعرك بالشبع والنشاط".
فتناول الطعام وفقا للمواسم -بحسب جامعة نورث كارولينا- يعتبر "تغذية ذكية" وممارسة قائمة على أسس علمية، وفرصة لتغذية جسمك بمنتجات طازجة يتم حصادها في أوج نضجها، "للحصول على أفضل نكهة وقيمة غذائية"، وذلك لأن الفواكه والخضراوات "تبدأ بفقدان العناصر الغذائية بمجرد حصادها"، وشراء المنتجات الموسمية يعني "فترات نقل وتخزين أقل، وفيتامينات ومضادات أكسدة أكثر".
إعلانوعلى سبيل المثال تحتفظ الخضراوات الورقية المقطوفة حديثا بكمية أكبر من حمض الفوليك (الأساسي للتمثيل الغذائي وصحة الخلايا)، "مقارنة بتلك التي يمر الكثير من الوقت على حصادها".
وقد أكدت هذه النتائج اختصاصية التغذية المعتمدة الحاصلة على ماجستير في الصحة العامة شيري غراي بقولها "إذا أمكنك شراء منتجات طازجة، فستكون النكهات أفضل بالتأكيد، وستكون القيمة الغذائية أعلى من المنتجات المشحونة والمنقولة؛ فعندما تُنقل الفواكه والخضراوات لمسافات طويلة، قد تؤدي عوامل كدرجة الحرارة وفترات التخزين إلى فقدان الفيتامينات والمعادن".
وأوضحت غراي أن الأطعمة الموسمية "تساعد الجسم على التكيف مع تغير الطقس"؛ فالفواكه الصيفية المنعشة كالبطيخ تُساعد على ترطيب الجسم بينما تُوفر الخيارات الشتوية الغنية، كالبنجر والبطاطا الحلوة، سعرات حرارية أكثر للأيام الباردة.
من جهتها تؤكد أخصائية التغذية المعتمدة لدى جمعية القلب الأميركية ويندي لوبيز، أنه "كلما طالت الفترة بين قطف المحاصيل واستهلاكها، زاد احتمال انخفاض قيمتها الغذائية، وتضيف موضحة أن "الفيتامينات، وخاصة فيتامين (سي)، تتدهور أثناء التخزين، بمعنى أن التفاح المخزن لعدة أشهر قد يحتوي على عناصر غذائية أقل، مقارنة بالتفاح الطازج".
تحقيق أقصى استفادة من الوجبات
تناول الأطعمة في موسمها يحقق التناغم مع احتياجات جسمك، "فالربيع يُنظف الجسم والصيف يُرطبه والخريف يُقويه والشتاء يُغذيه"؛ ومن خلال تنويع نظامك الغذائي على مدار العام، "تُحسّن امتصاص العناصر الغذائية وتُقلل الالتهابات وتُعزز الوقاية من الأمراض على المدى الطويل"، كما تقول الصحفية المتخصصة في الرعاية الصحية أميلي غوجون، في تقريرها بمجلة "لايف ويل" الأمريكية.
وتوضح غوجون أن الأطعمة الموسمية توفر أقصى قيمة غذائية في وقت حصادها، وفقا للتسلسل الآتي:
الربيعوهو فصل إعادة التوازن بعد تخلص الجسم من خمول الشتاء، وفيه نستفيد من الخضراوات الورقية للتخلص من السموم وتجديد النشاط، وتساهم أطعمته الخفيفة في دعم الكبد والكلى والجهاز الهضمي وتجديد الخلايا، مما يجعله فترة أساسية لجهود الوقاية من السرطان؛ ومن أهم أطعمته:
الهليون: الغني بحمض الفوليك ومضادات الأكسدة التي تساعد على طرد السموم. الخرشوف: الداعم لوظائف الكبد. السبانخ والخضراوات الورقية: الغنية بالكلوروفيل لتعزيز مسارات إزالة السموم. الفراولة والمشمش والتوت والكرز: الغنية بفيتامين "سي" لدعم المناعة وصحة الجلد.كما يُقدم الربيع وفرة من الخضراوات الطازجة المثالية للسلطات أو الطهي السريع؛ تشمل: الشمندر والبروكلي والجزر والقرنبيط والكرنب والخس والفطر والبازلاء.
وفيه تساعد الفواكه والأطعمة الغنية بالماء ومضادات الأكسدة والسكريات الخفيفة في توفير ما يحتاجه الجسم من ترطيب وطاقة وحماية من الأشعة فوق البنفسجية، لمواجهة طول ساعات النهار وارتفاع درجات الحرارة؛ ومن أهم أطعمته:
البطيخ: الغني بالماء والليكوبين لحماية الجلد. الطماطم: الغنية بالليكوبين المفيد لصحة القلب. الخيار: مرطب الجسم الذي يمده بالمعادن مثل البوتاسيوم. التوت الأزرق: الغني بمحسنات وظائف الدماغ. الفلفل: الغني بفيتامين "سي" الداعم لجهاز المناعة. البامية: وهي من الخضار الغنية بالألياف ومضادات الأكسدة ومفيدة للأمعاء. إعلانإلى جانب ما يفيض به الصيف من فواكه مثل الخوخ والبرقوق والكرز والعنب والتين والبطيخ بأنواعه والفراولة والتوت الأسود والأزرق. كما تتميز خضراوات الصيف بوفرتها وتنوعها، وتشمل الفاصوليا والباذنجان والثوم والذرة والكوسة.
وهو فصل يتميز بمزيج من محاصيل الصيف المتبقية، والخضراوات والفواكه التي تزدهر في درجات الحرارة المنخفضة؛ وفيه تصبح الأطعمة أكثر غنى بالبيتاكاروتين والألياف والمركبات الداعمة للمناعة، ولتكيف الجهاز الهضمي مع نظام غذائي أبطأ وأكثر دفئا؛ ومن أهم أطعمته:
البطاطا الحلوة: الغنية بالبيتاكاروتين والألياف لصحة الأمعاء. اليقطين: الغني بفيتامين "إيه" والزنك المفيد للبشرة والمناعة. الكرنب: الذي يساعد في إزالة السموم من الخلايا. التفاح: الغني بالألياف القابلة للذوبان المغذية لبكتيريا الأمعاء.كما تُعدّ الكمثرى والتين والكاكا والرمان والعنب والتوت من أبرز فواكه الخريف. ومن الخضراوات يُقدم الخريف البنجر والجزر واللفت؛ وتبلغ خضراوات مثل البروكلي والكرنب والقرنبيط ذروة نضجها، إلى جانب الخضراوات الورقية كالسبانخ والسلق.
الشتاءوهو فصل يتطلب الدفء وكثافة السعرات الحرارية وقوة المناعة، مما يجعله الوقت المناسب لتناول الخضراوات الجذرية والحبوب والأطعمة التي تدعم الصحة والنشاط؛ مثل:
الجزر: الغني بفيتامين "إيه"، والمهم لصحة العين. الشمندر: المُحسّن للدورة الدموية. الكرنب: المُفيد لصحة الخلايا. الشوفان: المفيد لدعم صحة القلب والمناعة.إضافة إلى الفواكه الغنية بفيتامين "سي"، الذي يُعزز المناعة في موسم الإنفلونزا، مثل التفاح والبرتقال والغريب فروت واليوسفي والليمون والرمان والكمثرى والكيوي. والخضراوات مثل السبانخ والسلق والبطاطا الحلوة والقرنبيط والبروكلي والكرفس والفطر والقرع بأنواعه.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الخضراوات الورقیة الأطعمة الموسمیة التی ت
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.