من يفتقد الشرعية لا يملك حق منحها.. نشطاء ينتقدون اعتراف إسرائيل بأرض الصومال
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
تفاعل مغردون مع الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الذي أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية– عبر مقطع فيديو نشره على منصة إكس.
وبحسب مراقبين فإن هذا الاعتراف يمثل خطوة إسرائيلية لتعزيز نفوذها في منطقة القرن الأفريقي واكتساب موطئ قدم إستراتيجي عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويعتبر إقليم أرض الصومال -الذي أعلن انفصاله عام 1991 ويدير نفسه بشكل مستقل منذ ذلك الحين- جزءا من الدولة الصومالية وفق الدستور الصومالي، كما أنه لا يحظى باعتراف المجتمع الدولي باستقلاله، وتبلغ مساحة الإقليم 177 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانه 6 ملايين نسمة يعتمدون على الزراعة والتجارة والرعي، ولديه شرطة وجيش خاص وانتخابات رئاسية.
وتكمن المصلحة الإسرائيلية في هذا الاعتراف -وفق محللين- في الموقع الجغرافي الحساس للإقليم عند مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وسيمنح هذا الموقع إسرائيل نفوذا عسكريا وأمنيا واستخباراتيا في منطقة إستراتيجية بالغة الأهمية للملاحة الدولية.
مآرب إسرائيلية
وأشار رئيس الصومال حسن شيخ محمود إلى مآرب إسرائيلية في تهجير الفلسطينيين من غزة إلى الإقليم، وحذر من استخدام أرض الصومال لإقامة قواعد عسكرية إسرائيلية لشن هجمات على دول أخرى، في إشارة واضحة إلى المخاوف الإقليمية من التداعيات الأمنية لهذا الاعتراف.
من جانبها، استنكرت وزارة الخارجية الفلسطينية هذا الاعتراف بشدة، ورد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على البيان الفلسطيني ساخرا بالقول إن "وزارة خارجية دولة افتراضية تدين الاعتراف بدولة موجودة فعليا منذ أكثر من 34 عاما"، مرفقا تعليقه بإيموجي ضحك.
ورد الحساب الرسمي لبعثة فلسطين في الأمم المتحدة على هذا المنشور بصورة مقارنة توضح أن 159 دولة تعترف بفلسطين، في حين أن دولة واحدة فقط تعترف بأرض الصومال، وأرفق المنشور بإيموجي ضحك في رد ساخر على السخرية الإسرائيلية السابقة.
لا قيمة للاعتراف
وانقسمت آراء النشطاء حول هذا الاعتراف وفقا لحلقة (2025/12/28) من برنامج "شبكات" بين رافض له يرى فيه افتقادا للشرعية القانونية والأخلاقية، ومؤيد يعتبره حقا مشروعا لشعب الإقليم في تقرير مصيره.
إعلانوانتقد المغرد سلطان الموقف الإسرائيلي الفاقد للشرعية ذات نفسه قائلا:
الاحتلال الإسرائيلي يمزق نفسه بنفسه، فالقانون الدولي يصنفه كقوة احتلال، ما يسلبه الأهلية الأخلاقية والقانونية للاعتراف بالدول أو إنكارها، من يفتقد الشرعية لا يملك حق منحها
وبالمثل، يرى المغرد سداد أن الاعتراف الإسرائيلي يفتقر للقيمة الحقيقية، وكتب معلقا:
على الاحتلال أن يهتم بنفسه واعترافه لا يساوي الحبر على الورق، يعترف بالآخرين ليرفع معنوياته كإنه دولة ويعترف بالآخرين، والعالم لا يعترف به إلا ككيان، ما عدا الدول الذي صنعوه ووضعوه في أرض فلسطين
وفي المقابل، دافع المغرد محمد عن حق الإقليم في الاستقلال قائلا:
موضوع استقلال أرض الصومال يقرره ويحدده فقط شعب الإقليم، وقد حدد ذلك منذ 34 عاما حين عاد وانفصل عن الصومال، وأعاد استقلاله، مبروك لأرض الصومال حكومة وشعبا
ومن زاوية مختلفة، حذر المغرد رضوان من مخططات تهجير الفلسطينيين، وكتب يقول:
عندما وضع ترامب خطة هجرة طوعية لسكان غزة، ذكرت أرض الصومال كإحدى المناطق التي سيتوجه إليها سكان غزة الراغبون في مغادرة القطاع، وتم التخلي عن خطة ترامب سريعا ونحن "جمهورية أرض الصومال" نعترف بدولة فلسطين ونقف بجانبها دوما
وفي إطار ردود الفعل الدولية، رفضت 21 دولة عربية وإسلامية هذا الاعتراف في بيان مشترك، إضافة إلى رفض الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي لهذه الخطوة الأحادية.
وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لصحيفة "نيويورك بوست" أنه لا يعتزم الاعتراف بإقليم أرض الصومال في الوقت الحالي ولن يحذو حذو نتنياهو بالاعتراف سريعا باستقلال الإقليم.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات هذا الاعتراف أرض الصومال
إقرأ أيضاً:
الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
سُلطان بن خلفان اليحيائي
في سورة يوسف عليه السلام درسٌ يتجاوز حدود الزمان والمكان؛ إذ إن يوسف لم يبدأ رحلته مع الأذى من عدوٍ غريب، بل من إخوته الذين جمعته بهم رابطة الدم والبيت الواحد.
ولم يكن الجُبّ أعمق ما في القصة، بل اليد التي أوصلته إليه. ولم يكن الألم في البعد وحده، بل في الخذلان الذي جاء من حيث كان يُنتظر السند.
وتبقى القصة حيّة في الوجدان الإنساني؛ تذكّرنا أن الخذلان أشد إيلامًا حين يأتي من القريب، وأن أثر الصمت قد يوازي وقع الفعل نفسه.
وهكذا تُظهر التجارب أن العداوة لا تُفاجئ أحدًا بوضوحها، أما الخذلان فغالبًا ما يتسلّل من أبواب القربى، وعندما نقرأ القصة اليوم، يصعب تجاهل ما تعكسه من صورٍ تتكرّر في الواقع؛ عندما يتقدّم الصمت على النصرة، ويعلو التردّد على الموقف، رغم ما يُرفع من شعارات الأُخوّة والمصير المشترك.
فماذا تبقى من الأُخوّة عندما يحين وقت الموقف؟ وماذا يبقى من المصير المشترك عندما تُترك دولة تواجه التهديد وحدها؟
ليست التهديدات على درجة واحدة، فهناك تهديد يُوجَّه إلى دولة حديثة التكوين فيُقرأ في سياقه السياسي المباشر، وهناك تهديد يمس دولة ضاربة الجذور في التاريخ فيحمل دلالة أوسع.
وعُمان ليست دولة طارئة على الجغرافيا حتى تُقرأ بهذه الخفة، إنها اسمٌ عرفته طرق التجارة القديمة، وحضارةٌ تركت أثرها على سواحل البحار والمحيطات، ودولةٌ حافظت على سيادتها وهويتها عبر قرون من التحولات وتبدّل موازين القوى.
لذلك فإن أي مساس بسيادتها لا يُنظر إليه بوصفه خلافًا ثانويًا؛ بل باعتباره مساسًا بدولة اختارت عبر تاريخها أن تُمسك بقرارها الوطني باستقلال.
أما عن التهديد وما بعد التهديد، فقد يختلف الناس في تفسير التصريحات السياسية أو في تقدير حدودها، لكن ما لا خلاف عليه أن سيادة الدول ليست موضوعًا قابلًا للتأويل أو التجاهل، والأخطر من التهديد نفسه ليس صدوره، بل طريقة تلقّيه والتعامل معه وكأنه لا يستحق الوقوف عنده.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: إذا كانت عُمان دولة عضوًا في مجلس التعاون الخليجي فأين هو الموقف الجماعي؟ وإذا كانت عضوًا في جامعة الدول العربية، فأين هو الموقف العربي؟
هذه ليست دعوة إلى التصعيد، ولا مطالبة بخطابات انفعالية، بل دعوة إلى الحد الأدنى من الاتساق مع المبادئ التي تأسست عليها تلك الأطر.
المفارقة أن سلطنة عُمان لم تُعرف يومًا بسياسة العدوان أو التدخل في شؤون الآخرين، فقد اختارت الحوار في الملفات المعقدة، ورأت أن كلفة الحوار أقل من كلفة الصدام، وتجنّبت الانخراط في صراعات إقليمية من موقع قراءة سياسية خاصة بها، وقناعة بأن الاستقرار لا يُبنى على التوتر.
وقد يختلف البعض مع هذه المقاربات أو يتفق معها، لكن الاختلاف السياسي لا يبرّر الصمت حين تُمسّ سيادة دولة.
فهل أصبح استقلال القرار السياسي محلّ اتهام؟ وهل صار خيار التهدئة سببًا للتشكيك؟ وهل يُطلب من الدول أن تتطابق في سياساتها حتى تستحق التضامن؟
وإن كان الأمر كذلك، فالمشكلة ليست في عُمان.
والحديث هنا لا يقتصر على عُمان، بل يتجاوزها إلى معنى التضامن ذاته، فكثير من المؤسسات ترفع شعارات عن وحدة المصير والأمن المشترك والتعاون بين الأشقاء، لكن قيمة هذه الشعارات لا تظهر في لحظات الاستقرار، بل عند اختبارها الحقيقي.
وهنا يبرز السؤال المباشر: ما قيمة التضامن إذا غاب عند الحاجة إليه؟ وما قيمة البيانات والاجتماعات إذا تُركت السيادة وحدها عند الاختبار؟
لم تطلب عُمان يومًا أن يُدار قرارها من الخارج، ولم تُبنِ سياستها على انتظار الإملاءات، ومن حقها أن تُقدّم مصالحها الوطنية، وأن تُوسّع شراكاتها مع من يحترم سيادتها ويعاملها بنديّة واضحة؛ فالدول لا تُدار بالمجاملات، ولا تُبنى على الشعارات، ولا تُحفظ قراراتها في أجواء الصمت عند الحاجة. والاحترام المتبادل بين الدول لا يُقاس في أوقات الرخاء، بل في لحظات الاختبار، خصوصًا داخل الأطر التي تعهّدت أصلًا بالتضامن وصون المصالح المشتركة.
وقد يغيب موقف أو يصمت طرف، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة ثابتة، أن عُمان سبقت كثيرًا من التحالفات وستبقى بعدها، وأن قوة الدول لا تُقاس بعدد المصفّقين، بل بقدرتها على الثبات على مبادئها حين تتبدل المواقف.
لقد اختارت عُمان عبر تاريخها أن تكون دولة قرار لا دولة إملاء، ودولة كرامة لا دولة تبعية. وقد تدفع الدول ثمن استقلالها أحيانًا، لكنها تكسب قدرتها على حماية مستقبلها حين تتمسك بسيادتها؛ لأن ما يُبنى على الاحترام يدوم، وما يُبنى على التبعية يتآكل عند أول اختبار.
وفي النهاية، تبقى الأُخوّة موقفًا قبل أن تكون شعارًا، والتضامن فعلًا قبل أن يكون بيانًا، والسيادة حقًا لا يقبل التجزئة ولا التأويل.
أما عُمان، فستبقى كما كانت؛ دولة تعرف قدر نفسها، وتحفظ حقها، وتمضي في طريقها بثبات، مستندة إلى تاريخها، ومؤمنة بأن احترام السيادة ليس منّة، بل حقٌ أصيل تكفله القوانين والأعراف، وتفرضه كرامة الدول قبل كل شيء.
رابط مختصر