نزار قبيلات يكتب: الغناء والفلسفة
تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT
ثمّة تقاطعاتٌ كبيرةٌ بين الفلسفة والموسيقى، فالموسيقى عند الفلاسفة القدماء هي محاولة للتماسّ مع القلق الوجودي والإحلال مكانه، فهي - أي الموسيقى - محاولة لحيازة الفرح والعيش الكريم وإرادة الحياة، وهو ما يتقاطع مع الغاية من ابتداع المفاهيم والمصطلحات الفلسفية، فكما أن الفلسفة تحاول أن تجد ما يملأ الفراغ غير الحسيّ حولنا، فإن الموسيقى تحاول ملأه وأخذَه نحو معانٍ رقيقة وطربية صحية، فالموسيقى - كما الفلسفة - تبحث في التجلية والغوص وتجاوز السائد والعقيم، بل إن كلاً منهما يرى أن السمو يكمن في ملامسة الماورائيات، وليس في عكس الواقعيات وترديدها، وهو بالضبط ما يجتهد فيه الفلاسفة والملحّنون في آن، ذلك لأن كلاً منهما يمارس التفكير والتدبر والغوص في العميق، فالموسيقى حيلة طربية، في حين أن الفلسفة ليست تحايلاً دائماً، إلا إذا استخدم فيها الفيلسوف مبدأ السفسطة من خلال صنع حجاج مغالط يبرّر الوسيلة فقط.
الموسيقى عند الفلاسفة اليونان تشدّ من أزر المقاتلين الأشداء، وتبعث على الطمأنينة والعزيمة، فقد تم ربطها بالقيمي والأخلاقي والجمالي الذي بدوره يهذّب النّفس ويسمو بها عن الآلام والأضرار، فكما أن الغناء بحدّ ذاته قيمة وتصفية للنفس، فإن الفلسفة تعمل على التخلّص من كل ما هو شرير وغير أخلاقي في الإنسان، وفي مدينته الفاضلة المفترضة، فقد ذكر «سعيد ناشيد» في كتابه المشهور «التداوي بالفلسفة» أن فلاسفة كباراً، أمثال «نيتشه» و«شوبنهاور»، كانوا قد أنزلوا الفلسفة من برجها العاجي، محولين إياها إلى أداة عملية لمواجهة صعوبات الحياة اليومية، فالفلسفة ليست غموضاً وتوهماً، بل هي الحلُّ للتخلص من الأوهام وتعزيز صمود النفس وتخليصها من براثن القلق والاضطراب والشك، ذلك لأن مفاهيم الفلسفة ونصوصها إنما تساعد على فهم الحياة، وهو تماماً ما تفعله بنا الموسيقى حين تعرّج بنا نحو مستويات غير محسوسة أو غير مرئية، بيد أنها مدركة بفعل أحجار الموسيقى وأوتارها وأعوادها، فالفلسفة ومفاهيمها ونظرياتها وإيقاعات الموسيقى الجرسية وكلماتها المغناة، كلها تحاول تخليصنا من الآلام والغموض والظرف القاسي، وذلك في محاولة لتحويل كل ذلك إلى فرصة جديدة للحياة، فكل منهما يمنح الإنسان قوة نفسية ولذّة لا تعني المجون أو الإسراف كما يذكر ناشيد، نقلاً عن الفيلسوف «أبيقور»، والذي قصد باللذة هنا السكينة أو خلوَّ الجسد من الألم والاضطراب. أخبار ذات صلة
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: نزار قبيلات
إقرأ أيضاً:
منير أديب يكتب: حين تُرك باب المندب رهينةً للحوثي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
لم يكن الحوثي يومًا مجرد جماعة يمنية تحمل السلاح داخل حدود دولتها، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب إقليمي يمتلك القدرة على التأثير في أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وبينما كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة تنطلق نحو السفن العابرة في البحر الأحمر وباب المندب، بدا أنّ الولايات المتحدة والقوى الغربية تكتفي بإدارة الأزمة أكثر من سعيها إلى إنهائها.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي، لماذا استمرت سياسة الصبر على الحوثي طوال هذه الفترة، رغم أنّ تهديده لم يعد يقتصر على اليمن، وإنما امتد إلى أمن المنطقة والاقتصاد العالمي؟
قد يذهب البعض إلى تفسير هذا السلوك بأنّه تراجع في الإرادة الأمريكية، لكن القراءة الأقرب إلى الواقع أنّ واشنطن كانت تنظر إلى الحوثي باعتباره جزءًا من معادلة أكبر ترتبط بإيران، وليس مجرد تنظيم محلي.
لذلك فضلت لفترة طويلة عدم الانخراط في مواجهة واسعة قد تُؤدي إلى توسيع الحرب في الشرق الأوسط، خصوصًا مع انشغالها بملفات أخرى مثل أوكرانيا، والتنافس مع الصين، ومحاولة تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة تستنزف الموارد والقدرات.
كما أنّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة راهنت على أنّ الضغوط الاقتصادية والعقوبات، إلى جانب الضربات المحدودة، قد تكون كافيةً لردع الحوثيين دون الحاجة إلى دعم عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق التي يسيطرون عليها.
وكان الاعتقاد أنّ احتواء التهديد أقل كلفة من الدخول في حرب مفتوحة قد يصعب التحكم في نتائجها، غير أنّ هذه المقاربة حملت في داخلها خطأً إستراتيجيًا، فالتهديدات التي لا تواجه بحسم غالبًا ما تتطور، والميليشيات التي تنجح في اختبار حدود الردع تزداد جرأةً مع مرور الوقت.
هكذا انتقل الحوثي من استهداف الداخل اليمني إلى استهداف الممرات البحرية الدولية، ثم إلى فرض نفسه طرفًا قادرًا على التأثير في حركة التجارة العالمية، ولعل تهديدة لباب المندب يأتي متوافقًا مع الرؤية الإيرانية.
لقد تحولت الهجمات على السفن إلى رسالة سياسية بقدر ما هي عملية عسكرية، فالهدف لم يعد مجرد إلحاق الضرر بسفينة أو تعطيل رحلة تجارية، وإنما إثبات أنّ ميلشيا تستطيع التأثير في الاقتصاد العالمي، وإجبار شركات الملاحة على تغيير مساراتها، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وإرباك سلاسل الإمداد الدولية.
ومن هنا بدأت الكلفة الحقيقية للتردد، فكل سفينة تضطر إلى تجنب البحر الأحمر والمرور عبر رأس الرجاء الصالح تُعني آلاف الأميال الإضافية، وأيامًا أطول للوصول، واستهلاكًا أكبر للوقود، وارتفاعًا في أقساط التأمين، وانعكاسًا مباشرًا على أسعار السلع.
ولم يعد المتضرر هو الدول المطلة على البحر الأحمر وحدها، بل الاقتصاد العالمي بأكمله، لأنّ هذا الممر يُمثل أحد أهم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.
أما على المستوى الإقليمي، فقد منح هذا الواقع إيران ورقة ضغط إضافية، فوجود جماعة مسلحة قادرة على تهديد باب المندب يُعني امتلاك وسيلة للتأثير في معادلات الأمن البحري كلما تصاعد التوتر في المنطقة.
ولذلك لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر تجاري، بل أصبح جزءًا من معادلة الردع الإقليمية، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية.
وكان لغياب الدعم الحاسم للقوى اليمنية المؤيدة للحكومة الشرعية أثر واضح، فبدلًا من تمكين الدولة من استعادة السيطرة على الساحل والموانئ والمناطق الإستراتيجية، استمرت حالة الجمود العسكري، وهو ما أتاح للحوثيين الاحتفاظ بقدراتهم، وإعادة تطوير منظوماتهم الصاروخية والمسيّرة، وتوسيع دائرة عملياتهم.
اليوم يبدو أنّ المجتمع الدولي يدفع ثمن سياسة الاكتفاء بردود الفعل، فالضربات المحدودة قد تعطل بعض القدرات، لكنها لا تنهي التهديد ما دام الهيكل العسكري قائمًا، وما دامت خطوط الإمداد والتجنيد والتمويل مستمرة، ولهذا فإنّ الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة تقليص القدرة العسكرية للحوثيين أصبح مطروحًا بصورة أكثر جديةً في عدد من دوائر القرار الغربية والإقليمية.
غير أنّ إنهاء هذا الخطر لا يمكن أنّ يعتمد على القوة العسكرية وحدها، فالمعركة لها أبعاد أمنية وسياسية واقتصادية في آنٍ واحد، ويتطلب الأمر تعزيز قدرات الحكومة اليمنية، وتأمين الممرات البحرية عبر تعاون دولي مستدام، وتجفيف مصادر التسليح والتمويل، والحد من تدفق التقنيات التي تسمح للحوثيين بتطوير قدراتهم الهجومية.
كما أنّ نجاح أي إستراتيجية طويلة المدى يرتبط بإعادة بناء الدولة اليمنية نفسها، فالميليشيات تنمو حيث تضعف الدولة، وتتمدد حيث تغيب المؤسسات، وتكتسب شرعيةً بحكم الأمر الواقع كلما طال أمد الصراع، ومن دون معالجة جذور الأزمة اليمنية، سيظل البحر الأحمر عرضةً لموجات جديدة من التوتر مهما تعددت العمليات العسكرية.
إنّ أخطر ما كشفت عنه السنوات الماضية ليس قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، وإنما أنّ التردد في مواجهة الأخطار الصغيرة قد يسمح لها بأن تتحول إلى تهديدات دولية، فالسياسات التي راهنت على إدارة الأزمة بدلًا من إنهائها منحت الحوثي وقتًا كافيًا لتغيير قواعد اللعبة، حتى أصبح أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم مرتبطًا بقرارات جماعة مسلحة لا تمثل دولة، لكنها نجحت في فرض نفسها على معادلات الأمن الإقليمي.
ولعل الدرس الأهم أنّ حماية الملاحة الدولية لا تبدأ عند مرافقة السفن في البحر، وإنما تبدأ بمنع تحوّل الميليشيات إلى جيوش موازية، وبإعادة الاعتبار للدولة الوطنية، لأنّ الفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تملؤه دائمًا قوى تمتلك السلاح، وتبحث عن النفوذ، وتستخدم التجارة العالمية ورقة لتحقيق أهدافها السياسية.