كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الاثنين 22 ديسمبر/كانون الأول عن خطط لبناء فئة جديدة من سفن حربية ضخمة تابعة للبحرية الأميركية، أطلق عليها اسم "فئة ترامب"، لتكون محور ما أسماه "الأسطول الذهبي" المجدد، جاء الإعلان من منتجعه مارالاغو، وصرح ترامب خلاله بأن هذه السفن ستكون "الأسرع والأكبر والأقوى بمئة ضعف من أي سفينة حربية بُنيت على الإطلاق".

سيطلق على السفينة الأولى اسم "يو إس إس ديفاينت"، ويقدم تصميمها كخليفة روحية لسفن الحرب ذات المدافع الضخمة في القرن العشرين، وإن كانت مُجهزة بصواريخ متطورة وأسلحة طاقة موجهة بدلا من المدافع البحرية العملاقة.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2"أسطول الظل" بعد حملة الكاريبي.. حرب عالمية بوتائر متباينةlist 2 of 2ما هو سلاح الوهم وكيف يغيّر معادلة الحرب الحديثة؟end of list

يمثل هذا الإعلان لحظة مفصلية تتجاوز مجرد الإعلان عن برنامج تسليح جديد. فهو حدث يعكس تحولا جذريا في العقيدة العسكرية، والسياسة الصناعية، والرسائل الجيوسياسية للولايات المتحدة، فلأول مرة، كان المشهد إعلانا عن شخصنة القوة العسكرية الأميركية لترتبط بهوية الرئيس المثير للجدل. فقد جاء الإعلان من مقر إقامة ترامب الخاص في منتجع الغولف في ولاية فلوريدا الساحلية، لا من مقر وزارة الحرب (البنتاغون) في واشنطن العاصمة، ربما في تأكيد جديد على مركزية ترامب في المعادلة وتجاوزه للأنظمة المتبعة والبيروقراطية الحكومية والعسكرية.

البارجة المقترحة، والتي تحمل اسم يو إس إس ديفاينت (USS Defiant)، ويمكن ترجمتها باسم "العصيّة"، ستأتي بوزن يقترب من 35-40 ألف طن، وهي في هذا تمثل عودة للسفن العملاقة التي اندثرت بعد الحرب العالمية الثانية، لكنّ الأهم أنها تمثل انقلابا على عقيدة "الشبح" أو التخفي التي هيمنت على البحرية الأميركية لعقود، واستبدالها بعقيدة "الجماليات المرعبة" أو ما وصفه ترامب بـ"إثارة الخوف" عبر الحضور الطاغي والقوة النارية الظاهرة.

ترامب نفسه أبدى اهتماما بتفاصيل التصميم، مصرحا بأنه سيشارك "بشكل مباشر" لأنه "شخص يهتم بالجماليات". يشير هذا إلى أن مظهر السفينة وتصميمها يحظيان باهتمام بالغ على أعلى المستويات السياسية، مع أن العمل التصميمي العملي سيقوده مهندسو البحرية والقطاع الصناعي.

إعلان

بيد أن التحليل المعمق يكشف أن هذا "الأسطول الذهبي" قد يكون سرابا يخفي تحته أزمات هيكلية عميقة، فما تلك "السفينة العاصية"؟ وما الذي يميزها عن غيرها من سفن الحرب الكبيرة؟ وهل أصلا هذا المشروع ممكن التحقق؟

الأكبر في كل شيء

عند الغوص في التفاصيل التقنية للبارجة المعلن عنها، نجد أن المصطلح المستخدم "بارجة" أو سفينة حربية (Battleship) هو مصطلح محمل بالحنين التاريخي أكثر منه وصفا دقيقا وفق التصنيفات البحرية الحديثة. فالسفينة المقترحة، التي ستُعرف تقنيا باسم "بي بي جي" (BBG) أي "بارجة صواريخ موجهة"، تحاول دمج تقنيات متناقضة وغير ناضجة في هيكل واحد، مما يجعلها مشروعا عالي المخاطر، إن لم يكن مستحيلا من الناحية الهندسية في الإطار الزمني المطروح.

في الواقع، يتراوح طول السفينة الحربية الجديدة بين 256-268  مترا، وهو ما يماثل في الطول بارجة من فئة أيوا من الحرب العالمية الثانية، ولكنْ بوزن إزاحة كبير نسبيا، قد يصل إلى 40 ألف طن كما أسلفنا.

وزن الإزاحة في السفن هو ببساطة "وزن السفينة الحقيقي" وهي طافية في الماء، أي وزن الماء الذي تُزيحه السفينة من تحتها، هذا الرقم يتناسب طرديا مع حجم وقدرة السفينة في القيمة، فيلمّح لمقدار المساحة الداخلية، والتحمل في البحر، ومدى الاستقرار، وكمّ الوقود والذخائر والمؤن التي يمكن حملها، بل وحتى متطلبات الميناء وكلفة التشغيل، والرقم سالف الذكر يشير إلى أننا أمام سفينة "كبيرة جدا" مقارنة بالمدمّرات والفرقاطات، لكنها لا تزال أصغر من حاملات الطائرات العملاقة.

ستكون فئة ترامب أكبر بكثير من مدمرات البحرية العاملة. على سبيل المثال، تبلغ إزاحة مدمرة من فئة أرلي بيرك حوالي 9 آلاف طن وتحمل 96 خلية إطلاق صواريخ عمودية، على النقيض من ذلك، فإن سفن فئة ترامب ستحمل أكثر من 100 صاروخ، كما أنها أكبر من طرادات فئة تيكونديروجا المتقاعدة، التي بلغ وزنها حوالي 10 آلاف طن وتحمل 122 صاروخا.

لكنّ الأمر ليس بهذه البساطة، فبينما تسعى السفينة الجديدة لتكون "الأقوى في التاريخ"، فإن طاقمها المقلص (650-850 فردا) يشير إلى اعتماد كثيف على الأتمتة والذكاء الاصطناعي. هذا الاعتماد يفتح بابا واسعا للمخاطر السيبرانية، خاصة في ظل الحروب الهجينة الحديثة حيث يمكن لهجمة إلكترونية أن تشل سفينة عملاقة بتكلفة معدومة تقريبا مقارنة بتكلفة بنائها.

وباستثناء حاملات الطائرات وسفن الإنزال البرمائي، ستكون سفينة فئة ترامب أكبر سفينة حربية سطحية أميركية منذ أجيال، منافسة بذلك الطرادات الثقيلة أو طرادات المعركة التي كانت سائدة في حقبة الحرب الباردة من حيث الحجم.

مع ذلك، وعلى عكس حاملات الطائرات العملاقة التي تبلغ حمولتها 100 ألف طن والتي تستخدم عشرات الطائرات لنشر قوتها، فإن سفينة فئة ترامب هي في الأساس سفينة حربية صاروخية، تعتمد على قوة نيران صواريخها المحمولة على متنها بدلا من جناح جوي.

يعني ذلك أن السفن من فئة ترامب ستظل تعمل إلى جانب حاملات الطائرات والمدمرات. فعلى سبيل المثال، بينما قد تطلق حاملة طائرات مقاتلة لمهاجمة هدف بعيد، يمكن لسفينة من فئة ترامب إطلاق صواريخ بعيدة المدى مباشرة لضرب أهداف على بعد مئات أو حتى آلاف الأميال لا تستطيع سفن الأسطول الحالية الوصول إليها.

إعلان

من الناحية الدفاعية، قد تحمل سفينة واحدة من فئة ترامب حمولة صواريخ تعادل عدة مدمرات، مما يعزز دفاعات الأسطول الجوية والصاروخية في المناطق عالية الخطورة.

ولتحقيق سرعة أعلى واستيعاب المزيد من التقنيات، من غير المتوقع أن تمتلك فئة ترامب حزاما درعيا سميكا مثل البوارج الحربية في الحرب العالمية الثانية، وبدلا من الدروع السلبية، ستعتمد على دفاعات فعّالة مثل الصواريخ الاعتراضية، والليزر، والحرب الإلكترونية، للحماية من الهجمات، وهو نهج مختلف تماما عن عقيدة "الدروع والأسلحة الثقيلة" القديمة.

تنضم السفينة الأميركية الجديدة لفئة يمكنها إطلاق الصواريخ من قواعد خلايا إطلاقٍ عمودي (الأوروبية)صواريخ خاصة جدا

عمليا، ستختلف فئة ترامب عن البوارج القديمة في جوانب رئيسية، فبدلا من صفوف المدافع الكبيرة، ستكون بطاريتها الرئيسية عبارة عن مجموعة من منصات إطلاق الصواريخ.

الآن ربما تسأل: ما أنواع الأسلحة والأنظمة التي ستجعل فئة "ترامب" بهذه القوة؟ على الرغم من أن التصميم لم يُعتمد نهائيا بعد، إلا أن الإعلان والصور التوضيحية تعطي لمحة عن ترسانتها المخطط لها.

صُممت منظومة التسليح في "يو إس إس ديفايانت" لتوفير حجم نيران غير مسبوق في الأسطول الحالي. يعتمد القلب الهجومي للسفينة على قدرة إطلاق عمودي هائلة. يشتمل التصميم على 128 خلية إطلاق عمودي مما يوفر مخزنا عميقا لمزيج من صواريخ توماهوك كروز، وصواريخ "إس م 6" (SM-6) الاعتراضية، وصواريخ "إيفولفد سي سبارو" (Evolved SeaSparrow). وتتعزز هذه القدرة بقاذفة متخصصة لـ12 صاروخا فرط صوتي من نوع "الضربة السريعة التقليدية" "س بي إس" (CPS)، والمصممة لضرب أهداف عالية القيمة في عمق أراضي العدو على بُعد آلاف الكيلومترات في غضون دقائق.

ولعل الجانب الأكثر إثارة للجدل في تسليح السفينة هو إعادة إدخال الأسلحة النووية إلى الأسطول البحري فوق سطح البحر. فمن المقرر أن تحمل فئة ترامب صاروخ كروز النووي الذي يطلق من البحر. تحوّل هذه الإضافة البارجة إلى منصة نووية إستراتيجية، مما يعقد سلم التصعيد ويجعل السفينة هدفا أوليا في أي صراع، حيث تنتقل من كونها منصة تكتيكية إلى رادع إستراتيجي متنقل.

كانت إدارة بايدن اقترحت إلغاء هذا الصاروخ بعد مراجعة الوضع النووي لعام 2022، معتبرة أن الصاروخ لم يعد ضروريا وأن كلفته مرتفعة، لكنّ الكونغرس واصل التمويل، وألزم قانون تفويض الدفاع لعام 2024 وزارة الدفاع بإطلاقه كبرنامج اقتناء رئيسي، والبدء بتهيئة رأس حربي ليتوافق معه، وضمان تحقيق القدرة التشغيلية الأولية في موعد أقصاه 30 سبتمبر/أيلول 2034.

واستكمالا لبطارياتها الصاروخية، من المقرر أن تحمل السفينة أسلحة حركية وطاقة موجهة تدفع بالتكنولوجيا الحالية إلى حدود الممكن. لقد وعدت الإدارة الأميركية بدمج المدافع الكهرومغناطيسية وأشعة الليزر عالية الطاقة في تسليح البارجة. ستمنح أبراج الليزر هذه، التي يرجح تركيبها على السطح، السفينة وسيلة لتدمير أو تعطيل التهديدات القادمة بسرعة الضوء.

على سبيل المثال، يمكن إطلاق شعاع ليزر بشكل متواصل على طائرة مسيرة قادمة أو حتى صاروخ مضاد للسفن، مما يؤدي إلى تسخينه حتى تتلف إلكترونياته أو تشتعل فيه النار، كل ذلك في جزء من الثانية، دون أي تكلفة للذخيرة.

ستمتلك السفينة كذلك ليزرات منخفضة الطاقة لا تُستخدم لتدمير الأهداف، بل لإبهار وتشويش أجهزة استشعار طائرات العدو المسيرة أو الأسلحة الموجهة، مما يقلل من فعاليتها. وفي السنوات الأخيرة، اختبرت البحرية الأميركية ونشرت بعض أسلحة الطاقة الموجهة، مثل أجهزة ليزر تجريبية مثبتة على هيكل عدد قليل من السفن، لكنها ذات طاقة منخفضة نسبيا (تتراوح بين 10 و60 كيلوواط).

إعلان

وبحسب التصريحات الأولية، من المحتمل أن تمتلك السفينة أيضا مدافع ليزر بقدرات أعلى، تصل إلى 600 كيلوواط، هذا يؤهلها لضرب الأهداف، ولكنْ هنا تكمن معضلة التقنية. فقد أوقفت البحرية الأميركية رسميا برنامج المدفع الكهرومغناطيسي في عام 2021 بعد إنفاق أكثر من 15 عاما و500 مليون دولار، وذلك بسبب مشاكل تقنية مستعصية تتعلق بتآكل ماسورة الإطلاق بعد عدد قليل من الطلقات، ومشاكل توليد الطاقة الهائلة المطلوبة. إن محاولة دمج تقنية ميتة أو غير ذات جدوى حتى الآن في سفينة القيادة الجديدة يعكس انفصالا بين رغبة ترامب السياسية والواقع الهندسي والعسكري.

لتشغيل مدفع كهرومغناطيسي وليزر في آن واحد، تحتاج السفينة إلى نظام طاقة متكامل يتفوق بمراحل عما هو موجود في الفئات الموجودة والتي عانت أصلا من مشاكل كارثية في نظام طاقتها. إن توليد وتخزين وتفريغ هذه الكميات من الطاقة في ثوانٍ معدودة يتطلب تكنولوجيا مكثفات ومولدات قد لا تكون ناضجة قبل عقد من الزمان، لكنْ في هذا السياق يجدر بنا توضيح أن السفينة ضخمة فعلا، وأحد أسباب ضخامتها هو أن تتحمل أجهزة بهذه القوة واستهلاك الطاقة.

باختصار، ستتكون منظومة الدفاع الخاصة بالسفينة من عدة طبقات: بعيدة المدى (صواريخ قياسية)، ومتوسطة المدى (ليزر وصواريخ اعتراضية)، وقريبة المدى تستخدم فيها صواريخ ومدافع عادية وأجهزة التشويش الليزري.

في هذا السياق من المرجح أن تحتوي السفينة على رادار متطور ذي مصفوفة طورية، للكشف عن الطائرات والصواريخ من مسافات بعيدة. سيُمكّن هذا الرادار الضخم، المثبت على البنية الفوقية للسفينة، السفينة ديفاينت من تتبع مئات الأهداف وتوجيه صواريخها الاعتراضية بدقة.

كما يُتوقع وجود منظومة سونار قوية للكشف عن الغواصات، ومعدات اتصالات واسعة النطاق للتواصل مع القوات الأخرى، ما يشير إلى أن هذه السفينة ستعمل كمنصة قيادة وتحكم للأنظمة المأهولة وغير المأهولة، هذا يعني أن السفينة ستعمل كمقر قيادة عائم، لتنسيق عمليات السفن الأخرى والطائرات المسيرة المحيطة بها، وبالطبع يتضمن ذلك قدرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

أعظم سفن أميركا صناعة كورية

ترتبط مبادرة "الأسطول الذهبي" ارتباطا وثيقا ببرنامج "جعل بناء السفن الأميركية عظيما مرة أخرى" (ماسغا)، الذي يسعى لمواجهة عقود من الضمور في القاعدة الصناعية البحرية الأميركية. لقد اعترفت إدارة ترامب بأن القدرة المحلية الحالية غير كافية لتلبية أهداف توسيع البحرية في وزارة "الحرب"، مما أدى إلى شراكة معقدة وغير مسبوقة مع الصناعة الكورية الجنوبية.

حجر الزاوية في هذه الإستراتيجية الصناعية هو مشاركة مجموعة "هانوا" (Hanwha Group)، وهي تكتل دفاعي كوري جنوبي عملاق. في خطوة تضعف من سردية خطاب "أميركا أولا" في مقابل العولمة الصناعية. استعانت الإدارة بتكتل هانوا للعب دور قيادي في بناء الأسطول الجديد.

استحوذت "هانوا أوشن" على حوض بناء السفن "فيلي شيب يارد" (Philly Shipyard) في فيلادلفيا مقابل 100 مليون دولار في عام 2024، وتعهدت باستثمار 5 مليارات دولار لتحديث المنشأة. يسمح هذا الاستحواذ للإدارة بادعاء أن السفن "تُبنى في الولايات المتحدة الأميركية" بأيدي عمال أميركيين، بينما تستفيد من الكفاءة ورأس المال والخبرة الفنية الكورية الجنوبية.

هذه الشراكة مدفوعة بالتفاوت الصارخ في توازن بناء السفن العالمي، حيث تنتج الولايات المتحدة حاليا أقل من 1% من الحمولة التجارية العالمية، بينما تهيمن كوريا الجنوبية والصين على السوق. ومن المتوقع أن يركز دور "هانوا" في البداية على إنتاج كتل وهياكل السفن، والتي سيتم تجميعها بعد ذلك في الأحواض الأميركية.

ومع ذلك، فإن الجدول الزمني الطموح الذي اقترحه ترامب -الذي يرغب في بناء السفن الأولى في غضون عامين ونصف- يُنظر إليه بتشكك عميق من قبل خبراء الصناعة، الذين يلاحظون أن اعتماد حوض فيلادلفيا للسفن القتالية البحرية المعقدة وإنشاء التصاريح الأمنية اللازمة سيستغرق وقتا طويلا.

يسلط الاعتماد على "هانوا" الضوء على هشاشة القاعدة الصناعية الدفاعية للولايات المتحدة رغم ادعاءات ترامب وإدارته. تواجه شركات المقاولات الدفاعية الرئيسية مثل "هنتنغتون إينغلس إندستريز" و"جنرال دايناميكس" بالفعل تراكمات وتأخيرا كبيرا في تسليم المشاريع مثل غواصات فئة "كولومبيا" وغواصات فئة "فيرجينيا" الهجومية. لذلك فمن شأن إدخال برنامج بارجة جديد بهذه الضخامة أن يهدد بتفاقم هذه الاختناقات من خلال التنافس على مجموعة محدودة من العمالة الماهرة والمواد المتخصصة.

إعلان

ربما يوفر الكوريون حلا. إذ تهدف تكنولوجيا "حوض بناء السفن الذكي" التابع لـ"هانوا"، والتي تستخدم الذكاء الاصطناعي وعمليات التصنيع الآلية المطورة في حوض "أوكبو" التابع لها في كوريا، إلى نقلها لمنشأة فيلادلفيا. يُعد نقل التكنولوجيا هذا مكونا حاسما في إستراتيجية ترامب حيث يهدف إلى تجاوز أوجه القصور التي ابتليت بها الصناعة العسكرية البحرية الأميركية.

يُتوقع أن تكون "يو إس إس ديفايانت" هي مركز القيادة حيث ستقوم بتوجيه أسراب من الطائرات المسيرة والمسيرات السطحية (رويترز)ما الدور الذي تلعبه فئة ترامب؟

مما سبق نستنتج أن السفينة من فئة ترامب قد تلعب أدوارا متعددة، يأتي على رأسها الضربات بعيدة المدى. على سبيل المثال، في نزاع بمنطقة المحيطين الهندي والهادي، وكذلك أن تكون تلك السفن تعزيزا لمجموعة حاملات الطائرات الضاربة، حيث يمكن لسفن فئة "ترامب" العمل كجزء من مجموعة حاملات الطائرات الضاربة لتعزيز القوة القتالية للأسطول ككل.

من جهة أخرى، يمثل المفهوم العملياتي لفئة ترامب خروجا عن مفهوم "العمليات البحرية الموزعة" الذي كان عنوان خطط البحرية الأميركية وربما العالمية في السنوات الأخيرة. يركز مفهوم العمليات الموزعة على تشتيت القوة النارية عبر العديد من المنصات الشبكية الصغرى لتعقيد استهداف الخصم. لكنْ على النقيض من ذلك، يركز أسطول ترامب الذهبي قدرات هائلة في عدد قليل من الأصول عالية القيمة وشديدة الوضوح.

وبالإضافة إلى قوتها النارية الذاتية، يُتوقع أن تكون "يو إس إس ديفايانت" مركز القيادة حيث ستقوم بتوجيه أسراب من الطائرات المسيرة والمسيرات السطحية لتوسيع أفق استشعارها ونطاق اشتباكها. يدمج هذا البارجة في بنية "الأسطول الهجين" الناشئة، حيث تدير المنصات التي يديرها البشر الأسلحة والوحدات ذاتية القيادة.

وكذلك يمكن لها أن تعمل في دعم العمليات البرمائية أو القوات البرية من خلال قصف الأهداف الساحلية. هذا دور كلاسيكي لعبته البوارج في الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية، حيث كانت تبحر بالقرب من الشاطئ لقصف تحصينات العدو بنيران المدفعية البحرية.

تُدرج البحرية الأميركية "الضربة الهجومية" و"إسقاط القوة" كمهام أساسية لسفن فئة ترامب، مما يشير إلى أن وظيفة الهجوم الساحلي قد تشكل جزءا رئيسيا من المفهوم.

وبفضل رادارها المتطور وصواريخها الاعتراضية الكثيرة، يمكن لسفن فئة ترامب كذلك أن تضطلع بدور الدفاع الجوي والصاروخي في مسرح العمليات.

أما بعيدًا عن القتال، فلا يمكن تجاهل الدور السياسي والنفسي الذي يمكن أن تلعبه مثل هذه السفينة. فكما تُستخدم حاملات الطائرات لإظهار الوجود، فإن سفينة حربية ضخمة من فئة ترامب تزور ميناء أجنبيا أو تقوم بدوريات في المياه المتنازع عليها ستكون رمزا للقوة البحرية الأميركية. يمكن استخدام هذه السفن في مهام الردع في زمن السلم، كالتجول في مناطق التوتر كشكل من أشكال الدبلوماسية العسكرية، لتذكير المراقبين بالتفوق العسكري الأميركي.

طورت قوة الصواريخ في الجيش الصيني ترسانة واسعة من الصواريخ الباليستية المصممة للضربات البحرية (أسوشيتد برس)هل تحتاج الجيوش الحديثة إلى سفن ضخمة؟

لكنْ على الرغم من كل ما سبق من إيجابيات، يعود إلى الواجهة سؤال مهم عن فاعلية السفن الكبيرة من الأساس في عصر الصواريخ الفرط صوتية، والمسيرات، والغواصات الشبحية، والمسيرة.

لقد تحوّل الفكر العسكري الحديث عموما عن تركيز الكثير من القوة في منصة واحدة، تحديدا لأن السفن الكبيرة يمكن أن تصبح أهدافا كبيرة. يمكن لطوربيد واحد مصوب بدقة أو وابل من الصواريخ المضادة للسفن أن يعطل أو يغرق حتى أقوى السفن، كما أثبت التاريخ.

على سبيل المثال، في سياق الحرب الأوكرانية عام 2022، قدمت معركة جزيرة الأفعى في البحر الأسود مثالا صارخا على أن سفينة كبيرة لا تعني بالضرورة حصانة أكبر، فقد تعرضت الطرّادة الروسية موسكفا، لضربة بصواريخ مضادة للسفن تعد أصغر نسبيا مقارنة بحجمها، ثم اندلع حريق وتلت ذلك انفجارات وأضرار داخلية انتهت بغرقها في أبريل/نيسان 2022، وأعلن الأوكرانيون أن السبب هو تلك الضربة.

يكشف هذا الدرس أن تضخم حجم السفينة يرفع معها ثمن الخسارة، فكلما كبرت المنصة، تضاعفت الخسائر المحتملة عند تعطّلها أو تدميرها، من القدرة القتالية والرمزية، إلى تكلفة الاستبدال، وصولا إلى أخطار الخسائر البشرية، خصوصا إذا كانت الدفاعات القريبة والوعي الموقعي غير كافيين أمام تهديدات صاروخية حديثة.

يأتي ذلك في سياق مهم، فقد نشرت الصين وروسيا صواريخ باليستية مضادة للسفن وصواريخ كروز بعيدة المدى، مصممة خصوصا لتدمير حاملات الطائرات. ومن المؤكد أن بارجة من فئة ترامب، باعتبارها أصلا ذا قيمة عالية، ستكون هدفا لهما أيضا.

فمؤخرًا طورت قوة الصواريخ بجيش التحرير الشعبي الصيني ترسانة واسعة من الصواريخ الباليستية المصممة للضربات البحرية. صواريخ "DF-21D" وصواريخ "DF-26" بعيدة المدى، الملقبة "بقاتلة حاملات الطائرات"، قادرة على ضرب أهداف كبيرة متحركة من مسافات تبعد آلاف الكيلومترات. لذلك أوضح النقاد أن بارجة ضخمة كهذه تواجه نفس ملف الضعف الذي تواجهه حاملة الطائرات، لكنها تفتقر إلى الجناح الجوي الدفاعي والحركية التي تتمتع بها المقاتلات الصغرى.

عمليًا، يمكن للصين تحمل تكلفة إنفاق العديد من الصواريخ غير المكلفة نسبيا لإشباع دفاعات بارجة بمليارات الدولارات. وقد تفاعلت وسائل الإعلام الحكومية الصينية مع الإعلان بتشكك، واصفة السفن الكبيرة بأنها "أهداف أسهل"، مشيرة إلى أن بكين ترى في هذه الخطوة تأكيدا لإستراتيجيتها في إبعاد السفن المعادية عن باحتها الخلفية.

كما تحولت العقيدة البحرية الروسية نحو التكنولوجيا الفرط صوتية. إن نشر صاروخ كروز "تسيركون" (Zircon) الفرط صوتي على الغواصات والسفن الروسية يخلق تهديدا يصعب اعتراضه باستخدام الأنظمة الدفاعية الأميركية الحالية. ينظر المحللون الروس إلى فئة ترامب كهدف رئيسي لهذه الأسلحة. علاوة على ذلك، من المرجح أن تؤدي إعادة إدخال صواريخ كروز النووية على السفن السطحية الأميركية إلى تصعيد متبادل من موسكو، مما قد يؤدي إلى نشر المزيد من الأسلحة النووية التكتيكية على المنصات البحرية الروسية.

وحتى أسراب الطائرات المسيرة الرخيصة أو الصواريخ التي تطلق من القوارب قد تربك دفاعات سفينة كبيرة إن لم تكن على أعلى مستوى من الكفاءة. وهذا يزيد من خطر أن الاستثمار بكثافة في عدد قليل من السفن العملاقة قد يجعلها أهدافا مغرية للأعداء الذين يمتلكون أسلحة أرخص بكثير.

فقد أظهر الصراع في أوكرانيا فعالية الطائرات المسيرة البحرية منخفضة التكلفة ضد المقاتلات السطحية التقليدية، وتشير التحليلات الدفاعية إلى أن السفن المأهولة الكبيرة والمكلفة أصبحت عرضة بشكل متزايد لأسراب من المسيرات السطحية والجوية الرخيصة.

من هذا المنظور، قد تكون بارجة فئة ترامب بمثابة "ديناصور" يظهر في عصر "أسطول الذباب. إنه استثمار ضخم يمكن تعطيله بتكلفة زهيدة بواسطة طائرات مسيرة يمكن التخلص منها. ويطرح المحللون الأتراك تساؤلا جوهريا: هل الأفضل استثمار المليارات في هيكل واحد ضخم أم في آلاف المسيرات القادرة على العمل الشبكي؟

وهذا التساؤل لم يغب عن الأميركيين. إذ يُنظر إلى امتلاك المزيد من السفن، حتى لو كانت أصغر حجما، على أنه أفضل لتعزيز الوجود البحري العالمي. فلو خصصت البحرية مواردها، على سبيل المثال، لعشر سفن حربية من فئة ترامب، لكان من الممكن توفير هذه الأموال التي كان من الممكن إنفاقها على 30 فرقاطة أصغر حجما أو سفن غير مأهولة، والتي قد تقوم بدوريات في 3 أضعاف عدد المواقع.

مع ذلك، يدفع المؤيدون بالقول إن بعض المهام تتطلب سفينة كبيرة ومجهزة تسليحا جيدا، وستُخرج البحرية الأميركية طرادات قديمة من الخدمة بحلول عام 2030، وهي تحمل عددا كبيرا من الصواريخ، كما أن 4 غواصات صواريخ موجهة من فئة أوهايو، والتي كانت مصدرا رئيسيا لصواريخ توماهوك التي تطلق من السفن، ستعمل إلى آخر هذا العقد وربما تكون هناك حاجة لاستبدالها، يؤدي هذا إلى فجوة صاروخية وشيكة، ويمكن لسفينة من فئة ترامب، تحمل على سبيل المثال حوالي 140 صاروخا، أن تساعد في تعويض فقدان هذه المنصات الغنية بالصواريخ.

هل يستطيع ترامب فعلها حقا؟

تتضافر كل هذه القدرات لتجعل من فئة ترامب، بلا شك، أحد أكثر تصاميم السفن الحربية تسليحا وتطورا تقنيا على الإطلاق، لكنْ جدير بالذكر أن العديد من هذه الأنظمة تجريبية أو لم تُستخدم بعد في الخدمة الميدانية.

فعلى سبيل المثال، لم يسبق للبحرية الأميركية نشر مدفع كهرومغناطيسي أو ليزر من فئة الميغاواط على متن سفينة، ولا يزال الصاروخ النووي الجديد مجرد اقتراح. وسيمثل دمج كل هذه التقنيات في منصة واحدة تحديا هندسيا هائلا.

ومن القضايا الحاسمة الأخرى التساؤل عما إذا كان بإمكان صناعة بناء السفن الأميركية بناء فئة ترامب كما هو مُخطط لها. تشمل هذه التحديات بطء تطبيق التعديلات اللازمة على السفن، ونقص العمالة الماهرة، وتقادم البنية التحتية الصناعية، وارتفاع تكاليف المواد.

على سبيل المثال، واجه بناء سفينة "يو إس إس كونستليشن" الأميركية تأخيرات كبيرة وتجاوزات في الميزانية. كانت "يو إس إس كونستليشن" أول سفينة في فئة جديدة من الفرقاطات المتطورة (Frigate Class) تُبنى للبحرية الأميركية، وكان من المفترض أن تكون نموذجا للسرعة والكفاءة، حيث هدفت السفينة إلى حماية السفن الأكبر (مثل حاملات الطائرات)، ومكافحة الغواصات، والتصدي للهجمات الجوية أو الصاروخية، ومرافقة القوافل في البحار الخطرة.

تبدأ قصة السفينة المتعثرة عام 2020، حيث فاز حوض بناء السفن الأميركي التابع لشركة "فينكانتيري" بعقد لبنائها، كان التصميم الأساسي مأخوذا من فرقاطة إيطالية ناجحة هي الفئة "فريم"، وكان الهدف من تدشينها تقليل الوقت والتكلفة باستخدام تصميم جاهز ومجرّب.

ما حدث بعد ذلك كان يشبه الكارثة، حيث خضعت السفينة إلى تعديلات مفرطة من البحرية الأميركية، وجرت إطالة الهيكل بمسافة 24 قدما، ثم جرى تغيير المروحة لتحسين الأداء الصوتي، ثم أُعيد تصميم النظام الكهربائي والتبريد، والنتيجة كانت تغيرا واسعا في التصميم عن التصميم الإيطالي الأصلي بنسبة 85%، أدى إلى إطالة زمن التعديلات مع ازدياد التكلفة.

حاليا، وبعد مرور عامين ونصف على البداية الفعلية لبناء السفينة، لم يُنجَز إلا 10% منها، مع توقع أن ينتهي بناؤها بعد 9-10 سنوات من لحظة بداية البناء، وهي ضِعْف المدة التي تَطلَّبها بناء السفينة الإيطالية، مع تكلفة تصل إلى مليارَيْ دولار.

ويشير تقرير تحليلي لـ"وول ستريت جورنال" إلى أن الأمور باتت أعقد من ذلك، حيث تواجه صناعة بناء السفن الأميركية نقصا كبيرا في العمالة الماهرة. على سبيل المثال، شهدت شركة "نيوبورت نيوز" لبناء السفن معدل استنزاف سنوي بنسبة 20% بين عمالها العاملين بالساعة، وهو ضِعْف معدل ما قبل الجائحة.

يعوق هذا النقص إنجاز مشاريع مثل سفينة "يو إس إس كونستليشن" في الوقت المحدد، ويُسهم في تجاوز الميزانية. إلى جانب ذلك، تعمل العديد من أحواض بناء السفن الأميركية بمعدات قديمة، مما يعوق كفاءة الإنتاج. إضافة إلى ذلك، أدى ارتفاع تكاليف الصلب إلى زيادة الضغط على الميزانيات، مما يُصعّب ضبط النفقات في مشروعات بناء السفن.

إلى جانب ذلك، واجهت حاملة الطائرات الجديدة من فئة فورد مشاكل أولية حادة في أنظمة الإطلاق والاستعادة المتقدمة، مما أدى إلى سنوات من التأخير ومليارات الدولارات من التكاليف الإضافية. أما الغواصات النووية من فئة كولومبيا (التي ستحمل صواريخ باليستية) فهي قيد التطوير، وتُعد مشاريع باهظة التكلفة وذات أولوية عالية، مما يُرهق طاقة أحواض بناء السفن وميزانياتها.

أما محاولة البحرية السابقة لنشر تقنيات متطورة على السفن السطحية -مدمرات الشبح من فئة زوموالت- فقد أسفرت عن بناء 3 سفن فقط بدلا من 32، وذلك بسبب الارتفاع الهائل في تكلفة السفينة الواحدة وفشل بعض التقنيات الرئيسية (مثل ذخائر المدفعية بعيدة المدى).

يُظهر هذا السجل مدى صعوبة إدخال فئات جديدة من السفن الحربية، فما بالك بفئة ترامب، التي هي أكبر حجما وأكثر تعقيدا من أي مدمرة أو فرقاطة، وتتطلب دمج أنظمة متعددة غير مجرّبة؟ إلى جانب ذلك، قد تصل تكلفة سفينة بهذا الحجم والتعقيد ما بين 3 إلى 5 مليارات دولار أو أكثر لكل سفينة، وهو ما يُقارن بتكلفة طراد كبير أو حاملة طائرات صغيرة، وستكون تكاليف البحث والتطوير والتشغيل الأولية أعلى من ذلك.

إذا كانت البحرية الأميركية ترغب حقا في امتلاك 20 إلى 25 سفينة من هذا النوع في نهاية المطاف، فإننا نتحدث عن عشرات المليارات من الدولارات على مدى العقدين القادمين. سيتم تمويل هذه الأموال من نفس الميزانية التي تخصص أيضا لتمويل الغواصات الضرورية للردع النووي ومهام أخرى، وحاملات الطائرات، والطائرات، وجميع احتياجات البحرية الأخرى.

يعني ذلك أن القيود المفروضة على الميزانية حقيقية، وقد يجبر بناء "الأسطول الذهبي" الحكومة الأميركية على اتخاذ خيارات صعبة.

باختصار، تواجه الولايات المتحدة تحديا كبيرا لتنفيذ هذا البرنامج بسلاسة. ثمة احتمال حقيقي للتأخير وزيادة التكاليف كلما تقدم المشروع في مراحل إنتاجه، وقد لا تؤتي التقنيات الرئيسية، مثل المدفع الكهرومغناطيسي أو الصاروخ النووي الجديد، ثمارها في الجدول الزمني المتوقع، مما قد يجبر المختصين نحو الدخول في دورات من إعادة التصميم ليوائم قدرات الواقع عوضا عن الطموح الجامح، وإذا تغيّرت الأوضاع السياسية في الإدارة القادمة، فقد يتلاشى الحماس، ومن ثم التمويل، لسفن "ترامب" الحربية، تاركا البحرية بفكرة غير مكتملة.

حسابات الحلفاء والخصوم

كان الإعلان عن أسطول ترامب الذهبي بمثابة اختبار لطموحات القوى البحرية العالمية. بالنسبة للحلفاء في المحيطين الهندي والهادي، وخاصة الهند واليابان وكوريا الجنوبية، قدم الإعلان مزيجا من الطمأنينة والقلق. قد تنظر الهند، التي تعمل على توسيع وجودها البحري في المحيط الهندي لمواجهة الصين، إلى إعلان ترامب كقوة تعزز مصداقية القوة الأميركية.

إن الحجم الهائل للسفن يعمل كرمز ملموس للالتزام الأميركي بحماية شركائها. ومع ذلك، هناك أيضا قلق بشأن الطبيعة التبادلية للسياسة الخارجية لإدارة ترامب حيث يقوض غياب التنسيق المؤسسي والاعتماد على شخصية ترامب من الفائدة الإستراتيجية لهذا المشروع.

حيث تجد كوريا الجنوبية نفسها في وضع دقيق للغاية. فبينما تَعد صفقة هانوا بفوائد اقتصادية هائلة وترفع من مكانة صناعة الدفاع الكورية، فإنها تجر سول بشكل أعمق إلى التنافس الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين. إن مبادرة "جعل بناء السفن الأميركية عظيما مرة أخرى" تجعل الصناعة الكورية الجنوبية بمثابة قاعدة خلفية لوجستية للبحرية الأميركية، مما قد يدعو لانتقام اقتصادي أو سياسي من بكين.

بالنسبة للصين وروسيا، يؤكد "الأسطول الذهبي" تقييم خبرائهما بأن الولايات المتحدة تسعى لاستعادة الهيمنة العسكرية المطلقة بدلا من التوازن الإستراتيجي. إن الذكر الصريح لصواريخ كروز النووية على السفن السطحية ينهي فعليا الاتفاق الضمني لما بعد الحرب الباردة بشأن الأسلحة النووية البحرية.

لذلك، من المرجح أن يسرّع هذا من الحشد النووي الصيني ويجبر روسيا على نشر أصولها النووية بشكل أكبر. وتشير هذه الخطوة كذلك  إلى الانتقال إلى بيئة بحرية عالية التوتر حيث يحمل كل لقاء بين السفن والمقاتلات الكبرى مخاطر أعلى للتصعيد النووي.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات ميدان الحرب العالمیة الثانیة بناء السفن الأمیرکیة بناء السفن الأمیرکی للبحریة الأمیرکیة البحریة الأمیرکیة الولایات المتحدة الطائرات المسیرة حاملات الطائرات على سبیل المثال من فئة ترامب بعیدة المدى من الصواریخ سفینة حربیة عدد قلیل من على السفن سفن الحرب العدید من سفینة من إلى جانب یشیر إلى من السفن أن السفن یو إس إس توقع أن أن تکون بدلا من إلى أن مع ذلک ذلک أن من ذلک التی ت

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • تحذير من عودة الحرب.. تصعيد إيراني مزدوج.. تهديد للممرات البحرية
  • الاحتلال يعلن إصابة 4 جنود في انفجار مسيرة أطلقها حزب الله
  • ترامب يعيّن حليفا له مديرا للاستخبارات الأميركية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • شركة MSC للشحن: السفينة ساريسكا أصيبت بقذيفتين بميناء أم قصر العراقي
  • مسلح يقتل 6 من أفراد عائلته وينتحر في ولاية أيوا الأميركية
  • أوكرانيا تضع الملاحة البحرية الدولية في البحر الأسود تحت التهديد
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • قراصنة يستولون على ناقلة نفط قبالة الساحل الشمالي الشرقي للصومال