ليبيا.. حين يصبح الاستقلال مناسبة بلا معنى
تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT
كل عام نكرر الجملة ذاتها، نسمع الخطابات نفسها، نرفع العلم ونصدح بالنشيد، بينما الواقع لا يتغير. تحولت ذكرى الاستقلال إلى طقس مكرّر، منزوع المعنى والقدسية، يُحتفل به لمجرد الاحتفال، حتى صار أشبه بمن يحتفل بالفوز في سباق لم يشارك فيه أصلا.
جاء استقلال ليبيا، تلك اللحظة الرومانسية، بعد سنوات طويلة من الكفاح ضد الاحتلال الإيطالي، شملت المقاومة الشعبية وحرب العصابات التي قادتها الحركة السنوسية، إلى جانب العمل السياسي والمفاوضات والتحالفات الدولية.
في ذلك اليوم، يوم ولادة دولة هشة منذ بدايتها، ألقى الملك إدريس السنوسي خطاب الاستقلال من شرفة قصر المنار في بنغازي، ورددت كلماته جملة أصبحت لاحقا أشبه بحكمة معلّقة في الذاكرة الليبية: "الحفاظ على الاستقلال أصعب من نيله".
جملة تكررت كثيرا، لكنها نادرا ما قُرئت بعمق أو أُخذت على محمل الجد. بعد أربعة وسبعين عاما على إعلان الاستقلال، يحق لنا أن نسأل بوضوح: أين نحن من هذه المقولة؟ وهل حافظنا فعلا على الاستقلال، أم اكتفينا باستقلال شكلي واحتفالات خاوية من معناها؟
منذ الإطاحة بالنظام الملكي في انقلاب الأول من أيلول/ سبتمبر 1969، الذي قاده الملازم معمر القذافي، كان ملف "الاستقلال والسيادة" أحد أبرز الأوراق التي مكّنته من كسب شعبية واسعة. إجلاء القواعد العسكرية الأجنبية وطرد المستوطنين كانا إنجازين حقيقيين، ويشهد بذلك حتى خصوم القذافي قبل أنصاره. هذه حقيقة لا يمكن القفز فوقها، مهما اختلفنا مع نظامه وأفكاره.
لكن واقع ليبيا اليوم، وهي تحتفل بذكرى استقلالها، يبدو مستباحا بالكامل؛ قواعد عسكرية روسية وإماراتية وتركية وإيطالية وفرنسية، أجواء مفتوحة للطيران الأجنبي، وأجهزة استخبارات إقليمية ودولية تتحرك بحرية شبه مطلقة. تحولت البلاد إلى منطقة حرة للمرتزقة، والمياه الإقليمية إلى فضاء بلا سيادة، وسقط ما كان يُعرف بخط الموت. السواحل أصبحت مكبّا كبيرا لنفايات الآخرين، والحدود مشرعة أمام تجار البشر والمجموعات والفصائل المسلحة.
المشكلة لم تعد فقط في وجود الأجنبي أو سيطرته على مراكز اتخاذ القرار، بل فيمن يوقّع، ومن يمرّر، ومن يصمت. فالسيادة لا تُنتهك دائما بالدبابات؛ أحيانا يُفرّط فيها بخطاب، أو تُباع بتبرير، أو تُسلَب بصمت طويل. ولهذا لا يمكن اختزال الاستقلال في طرد محتل أو رفع علم أو ترديد نشيد؛ الاستقلال مسار طويل واختبار متجدد. ما نلناه قبل سبعة عقود ونصف كان لحظة تاريخية، أما الحفاظ عليه فكان مسؤولية فشلنا فيها.
سلطات الأمر الواقع التي تحكم ليبيا شرقا وغربا لا تتحرك بإرادة مستقلة، بل تدور في فلك القوى الإمبريالية أو وكلائها الإقليميين. في الشرق، يقف خليفة حفتر، ابن وكالة المخابرات الأمريكية، الذي قضى قرابة ثلاثة عقود من حياته في شقة على الضفة الأخرى من النهر مقابل مقر وكالة الاستخبارات الأمريكية في فرجينيا؛ رجل لا يتردد في تقديم التنازلات لأي طرف مقابل البقاء في المشهد والطمع في الوصول إلى السلطة، هو وأبناؤه وعائلته. تارة يتقرب من روسيا، وتارة يبيع ذمته للإمارات، ويتخابر سرا مع الكيان الصهيوني، ويرسل نجله لزيارة تل أبيب، ولا يجد حرجا في أن يصرّح علنا بأن مصلحة مصر فوق مصلحة ليبيا. هو من حوّل الشرق والجنوب إلى منطقة نفوذ مصرية، وبوابة روسية إلى أفريقيا، وحديقة مفتوحة للموساد.
وفي الغرب، لا يبدو المشهد أفضل حالا؛ عبد الحميد الدبيبة منبطح بالكامل لتركيا، يبرر وجودها العسكري ويشرعن قواعدها، ولا يتردد في تقديم التنازلات، وآخرها ترسيم الحدود البحرية، مقابل بقائه. الأمر نفسه ينطبق على إيطاليا، التي لم تعد تخفي حضورها العسكري ونفوذها السياسي والأمني، حتى إن طرابلس أصبحت الوجهة الأكثر زيارة لرئيسة وزرائها، وكأنها ما زالت ترى فيها "الشاطئ الرابع" لبقايا إمبراطورية منهارة. وهذه أمثلة بسيطة فقط على الاحتلال بشكله الحديث، فحجم التغلغل والسيطرة على مفاصل القرار الليبي، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، أعمق بكثير مما تحتمله هذه السطور.
وهنا لا يمكن إعفاء الشارع والأغلبية الصامتة من مسؤوليتها أيضا. فهذا الواقع لم يكن ليستمر وحده، بل يتغذى على الخوف والصمت، وعلى تبرير الظلم باسم الاستقرار، وعلى قبول العقل الجمعي بالأمر الواقع بحجة الأمن.
أمام هذا المشهد، يصبح الاستقلال مجرد ذكرى ومناسبة شكلية، لم نحافظ عليه كما أوصى الملك المؤسس، فتحولت ليبيا المفككة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، تُدار بأيدٍ ليبية ارتهنت لقوى الاستعمار الجديد.
الاستقلال الذي ناله الأجداد بالكفاح والسياسة، نضيّعه اليوم بالخوف والانقسام. ما نحتاجه فعلا هو استقلال ثانٍ، لا مجرد احتفالات، استقلال حقيقي، لا تُرفع فيه الأعلام والشعارات فقط، بل تُستعاد فيه الإرادة الحرة قبل السيادة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الاستقلال ليبيا حفتر الدبيبة ليبيا استقلال حفتر الدبيبة قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة رياضة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026