نورمبيرغ .. محاكمة الغالب والمغلوب
تاريخ النشر: 30th, December 2025 GMT
يعرض حاليا في دور السينما فيلم ( نورمبيرغ Nuremberg) للمخرج الأمريكي جيمس فاندر بيلت (1975) الذي شارك أيضا في كتابة السيناريو. يكشف الفيلم عن مواجهة نفسية حادة بين الطبيب الأمريكي دوغلاس كيلي (1912- 1958) مثّل دوره بامتياز الممثل الأمريكي المصري رامي مالك (1981) والمارشال النازي هيرمان غورينغ (1893- 1946) قام بدوره الممثل النيوزلندي راسيل كرو (1964)، الذي اشتهر بفيلمه المصارع عام 2000.
تناول الفيلم جانبا من شخصية هيرمان غورينغ أبرز القادة النازيين، ومؤسس جهاز (الغيستابو)، والذي عمل في حكومات أدولف هتلر (1889-1945) وتولى قيادة سلاح الطيران منذ 1935م، ألقي القبض عليه في أبريل 1945م، ليقدم للمحاكمة التي أقرت حكم الإعدام، ولكن قبل يوم من تنفيذ الإعدام في 15 أكتوبر 1946م، انتحر بتجرعه للسم. في الفيلم يظهر غورينغ قبل تناوله السم بإخراج كبسولة السيانيد مرددا كلمة (ابراكادابرا) التي يرددها السحرة عند ممارسة خدعهم البصرية، والتي سمعها ذات مرة من الطبيب دوجلاس كيلي في إحدى زياراته له في الزنزانة، لكن الكبسولة وصلت إلى يد غورينغ عن طريق القائد النازي اريش فون دام باخ - زيلفسكي (1899-1972) الذي اعترف بذلك سنة 1951م. ذكرني مشهد الكبسولة في راحة يد القائد الألماني ببيت شعري للشاعر السوري محمد الماغوط (1930-2006) ورد في قصيدة « الفرح ليس مهنتي» يقول الماغوط: « مغرية كلمات الوداع.. مغرية .. مغرية كزجاجة السم في راحة القائد المنهزم».
بعد مشاهدة الفيلم تدور في البال عدة أسئلة، فإن كانت فكرة الفيلم تدلل على الإبادة الجماعية ومحاولة لتجريم النازيين وتبرئة الحلفاء، أو أن محكمة نورمبيرغ قد أسست لتمنع صعود أحزاب راديكالية عنصرية إلى السلطة، فإننا لا نصدق ذلك، والشواهد كثيرة منها أن الدول المشرفة على محكمة نورمبيرغ شريكة في الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، مثل فرنسا التي قتلت أكثر من مليون ونصف إنسان في الجزائر، وكذلك بريطانيا التي استعمرت واستعبدت شعوبا وقبائل في أفريقيا وآسيا، و ينسحب ذلك أيضا على الولايات المتحدة التي أبادت سكان مدينتي هيروشيما ونكازاكي، والأمر لا يقل بشاعة عما ارتكبه ستالين في حق شعوب الجمهوريات السوفيتية. وهذا ما عبّر عنه في الفيلم المارشال هيرمان غورينغ، حين سأله الطبيب الأمريكي عن رأيه بعد مشاهدة المادة المرئية لمراكز الاعتقالات التي أدارها النازيين، وعُرِضت في المحكمة على المتهمين.
فرد المارشال الألماني المُعتد بنفسه « هل تظن أن الرصاص والقنابل الأمريكية لا تقتل الناس؟، أنتم بخرتم 150,000 ياباني بضغطة زر، وتفترض بأن لديك الحق لتقف وتحاكمني على جرائم الحرب؟!. فقال الطبيب: « كان لدينا الحق في الدفاع عن أنفسنا» ورد غورينغ « كيف يكون دفاعا عن النفس في أرض الغير، ثم ماذا تعتقد الروس يفعلون بأسرى الحرب الألمان؟» وأضاف « أنت تنعم بحريتك وأنا سجين؛ لأنكم ربحتم ونحن خسرنا، ليس لأنكم متفوقون أخلاقيا». وهذه حقيقة لا يمكن نُكرانها لكن لا أحد يريد مناقشتها، إذ أن المنتصر هو من يفرض شرعيته ويعممها على الآخر، فهي ليست أخلاقا بقدر ما هي فرض أمر واقع على المغلوبين.
وإن كان خطاب الفيلم يجتر المحرقة اليهودية وإعادة تقديمها بشكل آخر لأجيال لا تقتنع بالشعب المختار، فإن ذلك له مردود عكسي فالشعب الذي تعرض للترحيل والإبادة يمارسها حاليا في فلسطين بأبشع أنواع القتل والتهجير القسري والإبادة الجماعية، منذ تشكيل عصابات (الهاغانه) وإلى هذه اللحظة، والحرب الأخيرة على غزة شاهد على أخلاقيات الشعب الذي يقدم نفسه ضحية للنازيين.
أما إذا تضمن الفيلم رسالة لمحاولة منع سباق التسلح الجاري حاليا في العالم، وصعود الأحزاب العنصرية في أوروبا وغيرها من المناطق فإن الرسالة قد وصلت، وهذه قيمة الفن والأدب في منع طغيان الشر، وقمع أصوات النشاز العنصرية والمتعطشة للدماء، ومحاولة أخيرة في تحقيق السلام وترسيخ قيم العدالة وروح الإنسانية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.