تُعَدّ الطرق التي يستخدمها الباحثون اليوم لدراسة التفاعلات الكيميائية الحيوية داخل الجسم والخلايا الحية طرقًا بطيئة، ومعقدة، وغالبًا ما تتطلب أخذ عينات من الأنسجة أو إتلاف الخلايا لاستخراج بروتيناتها وفحصها في المختبر.

الأمر أشبه برغبتك في حساب العملات الموجودة داخل حصّالة بدقة لمعرفة الفئات المختلفة، ولا سبيل لذلك إلا بكسر تلك الحصّالة لرؤية ما بداخلها.

لكن ماذا لو أمكننا مراقبة تلك العمليات مباشرة من داخل الخلايا، وهي حيّة، وفي كائن كامل وحيّ، وبشكل مستمر، دون أي تدخل جراحي أو كيميائي أو إتلاف؟

هذا هو التحدي الذي حاول فريق بحثي التغلب عليه، ونشروا نجاح محاولتهم في دراسة حديثة في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز". إذ أعلن الفريق عن نجاحه في تطوير خلايا قادرة على تصنيع مكون جديد داخلها ذاتيا. هذه الخلايا المعدلة تستطيع استخدام ذلك المكون لرصد نشاط إنزيمات معينة مسؤولة عن تنظيم البروتينات داخل الجسم.

يقول هان شياو، أستاذ الكيمياء والبيولوجيا والهندسة الحيوية ومدير مركز "سينث إكس" بجامعة رايس، والباحث المراسل في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "في الحيوانات، يُتيح نهج التخليق الحيوي المستقل للمركب الجديد الاستغناء عن الحقن المتكرر، متجاوزا بذلك قيود حركة الأحماض الأمينية غير الطبيعية [داخل الخلايا]. كما يفتح هذا التطور الباب أمام تطبيق تقنيات توسيع الشفرة الوراثية مباشرةً في الحيوانات الحية".

أجرى الباحثون تجاربهم على الفئران (غيتي)تحولات خلوية

تعمل "المصانع الجزيئية" داخل كل خلية من خلايا أجسامنا بلا توقف لإنتاج البروتينات، وهي الجزيئات الرئيسية التي تنفّذ تقريبًا كل الوظائف الحيوية، من بناء الأنسجة، إلى إرسال الإشارات بين الخلايا، وحتى التحكم في شكل الجينوم نفسه.

ويجري تصنيع هذه البروتينات وفق "وصفة" دقيقة محفوظة داخل حمضنا النووي، حيث يُترجم تسلسل الجينات إلى سلاسل من الأحماض الأمينية في ما يشبه "الجُمل الطويلة" والمكونة مما لا يزيد عن 20 حرفا، حيث تُطوى لاحقًا لتأخذ شكلها النهائي الوظيفي كأنها تتحول من جملة واحدة طويلة إلى فقرة مقروءة ذات معنى وسياق.

إعلان

لكن إنتاج البروتين لا يعني وصوله إلى حالته النهائية الفعّالة الجاهزة للطي أو الوظيفة، بل غالبًا ما يحتاج إلى تعديلات كيميائية إضافية بعد اكتمال تصنيعه، تشبه ما يحدث في مرحلة "التغليف" في الصناعة. هذه التعديلات هي التي تمنح البروتين القدرة على التبديل بين حالة نشطة وأخرى خاملة، أو على الارتباط بجزيئات معينة دون غيرها، وبالتالي التحكم في سلوك الخلية ووظائفها.

من أهم تلك التعديلات التي تخضع لها البروتينات ما يعرف باسم "الأستلة"، التي تتحكم فيها مجموعتان من الإنزيمات. الأولى تعرف باسم الكتبة، وهي إنزيمات تكتب أو تضيف مجموعة كيميائية تسمى "الأسيتيل" للبروتينات، والمجموعة الثانية تعرف باسم الماحين، أي الذين يمحون مجموعة الأسيتيل، مثل إنزيم يسمى "إس آي آر تي 1".

هذه العمليات ديناميكية وسريعة للغاية ومهمة للباحثين، لكن أدوات التحليل التي نملكها حاليا، تتطلب فتح الخلية وتفكيك أغشيتها وإيقاف كل التفاعلات الحيوية داخلها لفهم هذه العمليات، أي إتلاف الخلية لاستخراج محتوياتها البروتينية لرصد الأستلة، وبالتالي لا يمكننا التقاط الأستلة وقت حدوثها الفعلي، ولا يمكننا رصد التغيرات بعدها بسبب إتلاف للخلية وإيقاف التفاعل.

يشرح شياو نهجه الجديد: "يتيح مستشعرنا مراقبة مستمرة وغير جراحية، وفي الوقت الفعلي، لنشاط ما يسمى "إنزيم أستلة البروتين في الكائنات الحية".

الفريق لم يبتكر حمضا أمينيا جديدا من الصفر وإنما استخدم حمضا أمينيا موجودا بشكل طبيعي في الخلايا (جامعة أكسفورد)الحرف الأميني الـ21

لتحقيق النهج الجديد، أدرج الفريق ما يمكن وصفه بـ"الحرف الـ21″ في لغة بناء البروتينات المكونة في الأصل من 20 حرفا أو بالمعنى الأدق 20 حمضا أمينيا طبيعيا موجودين داخل الجسم، وهذا الحمض الأميني المعدل الجديد يدعى "أسيتيل ليسين"، داخل إنزيم متوهج.

المقصود بـ"إنزيم متوهّج" هنا إنزيم يُصدر ضوءًا (إشارة ضوئية) عند حدوث تفاعل كيميائي معين، بحيث يمكن للباحثين "قراءة" ما يجري داخل الخلية عبر تغيّر شدة هذا الضوء.

الفريق لم يبتكر حمضا أمينيا جديدا من الصفر، وإنما استخدم حمضا أمينيا موجودا بشكل طبيعي في الخلايا وهو حمض الليسين، ثم اعتمدوا على تعديل كيميائي لإنتاج شكل معدَّل منه والمعروف باسم الأسيتيل ليسين. الجديد ليس في شكل الحمض الأميني نفسه، بل في قدرة الخلية على تصنيعه واستخدامه بشكل ذاتي ومستمر دون إضافة خارجية.

عندما يكون الأسيتيل لايسين في موقع محدد ضمن إنزيم التوهج، يمنع تفاعله مع المادة المضيئة، فيطفئ توهجه. أما عند إزالة مجموعة الأسيتيل بواسطة إنزيم "إس آي آر تي 1" الماحي، يعود الوهج. وبذلك أصبح الضوء إشارة مباشرة على نشاط الإنزيمات المنظمة للأستلة داخل الخلية.

استخدم الفريق هذا النهج كخلايا مستشعرة لاختبار دواء يثبط إنزيم "إس آي آر تي 1" في نموذج لفئران تحمل أوراما سرطانية. ووجدوا أن الدواء نجح في تثبيط الإنزيم بالفعل، لكن الورم لم يتقلص.

يعلّق شياو: "باستخدام مستشعرنا الحيوي، لاحظنا أن حجب ‘الإس آي آر تي 1’ لا يثبط نمو الورم دائما. يتيح لنا هذا النظام تصور تأثيرات الأدوية مباشرة في الأنسجة الحية، مما يوفر أداة فعّالة لفحص العلاجات الجديدة بفعالية أكبر، وتوجيه التصميم العقلاني للعلاجات المركبة للسرطان".

إعلان

هذا الاكتشاف مهم لأنه يحسم جدلا علميًا مستمرا بشأن دور "إس آي آر تي 1″، هل هو مثبط للسرطان أم عامل مساعد؟ وما كشفه الباحثون هو أن الأمر يعتمد على السياق، ونوع الورم، وحالته الأيضية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • فك لغز إشارات فضائية غامضة حيّرت علماء الفلك سنوات .. ما القصة؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • محافظ الوادي الجديد: الانتهاء من تجهيز 124 لجنة لاستقبال طلاب الشهادة الإعدادية
  • قرار جديد من مانشستر سيتي بشأن عمر مرموش .. ماذا يحدث؟
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • رئيس جامعة المنوفية: نحرص على متابعة الامتحانات ميدانيًا لضمان الانضباط
  • الصين تعلن نجاح أول عملية زرع كبد وكليتي خنزير معا في جسم إنسان
  • محافظ أسوان: متابعة لحظية لجهود إصلاح كسر خط طرد الصرف الصحى بالكرور
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • ماذا يحدث عند شرب الشاي الأخضر يوميا لمدة أسبوعين؟