ما الذي يحدث في اليمن وما دور السعودية والإمارات في النزاع القائم منذ أكثر من عقد بالبلاد؟
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن الثلاثاء إن البلاد في حالة الطوارئ وألغى الاتفاق الأمني مع دولة الإمارات، إثر سيطرة انفصاليين تدعمهم أبوظبي وفق قوله، على مساحات شاسعة في جنوب البلاد والمتاخمة للأراضي السعودية. كما منح مجلس القيادة، الذي يمثل السلطات اليمنية المعترف بها دوليا، مهلة 24 ساعة لـ"القوات الإماراتية ومنسوبيها" لمغادرة الأراضي اليمنية، الأمر الذي سارعت السعودية لتأييده.
في بيان صدر الثلاثاء، قرر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني المدعوم من السعودية رشاد العليمي، "إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة"، وأعلن حالة الطوارئ "لمدة 90 يوما قابلة للتمديد" كما فرض "حظرا جويا وبحريا وبريا على كافة الموانئ والمنافذ لمدة 72 ساعة".
وأعرب رئيس مجلس القيادة اليمني عن أسفه الشديد قائلا: "تأكد بشكل قاطع ثبوت قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بالضغط وتوجيه المجلس الانتقالي بتقويض سلطة الدولة والخروج عليها من خلال التصعيد العسكري".
يأتي ذلك بعدما سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تدعمه الإمارات العربية المتحدة على مساحات واسعة من الأراضي في جنوب اليمن، على غرار محافظتي حضرموت والمُهرة المتاخمتين لكل من المملكة السعودية وسلطنة عُمان، خلال هجوم خاطف مطلع شهر ديسمبر/كانون الأول الجاري.
وأعلنت الرياض دعمها لقرار مجلس القيادة، وطالبت الإمارات بتنفيذ طلب السلطات اليمنية "بخروج قواتها العسكرية من الجمهورية اليمنية خلال أربع وعشرين ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن".
كما أسف البيان لـ"دفع" الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن "للقيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية (..) معتبرا ذلك "تهديدا للأمن الوطني" السعودي. ما يعد أقوى لهجة تتبناها السعودية ضد الإمارات.
من جهتها، عبّرت الإمارات عن "خيبة أملها" إزاء البيان السعودي، ونفت "الادعاءات" الموجهة إليها، مؤكدة على وجوب التعامل مع "التطورات الأخيرة بمسؤولية وعدم تصعيدها".
"أمن المملكة الوطني خط أحمر"
وقد تبلور تصاعد التوتر بين الجارتين الخليجيتين، حينما شن التحالف الذي تقوده السعودية هجوما على ما وصفه بالدعم العسكري الخارجي للانفصاليين الجنوبيين المدعومين من الإمارات، فيما حدد رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن مهلة نهائية للقوات الإماراتية.
وقالت السعودية إن أمنها الوطني "خط أحمر"، وأيدت دعوة انسحاب القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة، وذلك بعد وقت قصير من شن التحالف الذي تقوده المملكة غارة جوية على ميناء المكلا جنوب اليمن.
وكان قد شن التحالف غارة جوية محدودة استهدفت "دعما عسكريا خارجيا" في ميناء المكلا، وذلك بعد أيام من تحذيره للمجلس الانتقالي الجنوبي (الجماعة الانفصالية الرئيسية في جنوب اليمن) المدعومة من الإمارات، من تنفيذ تحركات عسكرية في محافظة حضرموت.
وأوضح المتحدث باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي أن سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة بالإمارات دخلتا ميناء المكلا يومي السبت والأحد "بدون الحصول على التصاريح الرسمية من قيادة القوات المشتركة للتحالف، حيث قام طاقم السفينتين بتعطيل أنظمة التتبع الخاصة بالسفينتين وإنزال كمية كبيرة من الأسلحة والعربات القتالية لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي".
وكشف التحالف قائلا إن "طاقم السفينتين قام بتعطيل أنظمة التتبع الخاصة بالسفينتين وإنزال كمية كبيرة من الأسلحة والعربات القتالية لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي".
ولم تسفر الغارة عن سقوط قتلى أو مصابين أو أضرار جانبية، بحسب الإعلام الرسمي السعودي.
وفي العام 2019، شرعت الإمارات في سحب قواتها من البلاد لكنها بقيت ملتزمة تجاه الحكومة المعترف بها دوليا والمدعومة من السعودية.
وقد أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية الثلاثاء 30 ديسمبر/كانون الأول، إنهاء "ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن بمحض إرادتها في إطار تقييم شامل لمتطلبات المرحلة".
وأسفرت تحركات نفذها الانفصاليون الجنوبيون (المجلس الانتقالي الجنوبي) المدعومون من الإمارات، عن مواجهة مباشرة مع قوات الحكومة اليمنية التي تدعمها الرياض. ما جعل الحليفين أقرب من أي وقت مضى من الدخول في "نزاع شامل" باليمن الغارق في حرب أهلية دامية منذ العام 2014.
ويذكر أن السعودية كانت قد حذرت الجماعة الانفصالية الجنوبية الرئيسية من تحركاتها العسكرية في محافظة حضرموت الشرقية وطالبتها بسحب قواتها بعد أن أعلنت توسيع سيطرتها بالجنوب، لكن رفض المجلس الانتقالي الجنوبي الدعوة السعودية.
في البداية وعلى غرار الإمارات، كان المجلس الانتقالي الجنوبي جزءا من التحالف الذي تقوده السعودية وحارب إلى جانبها في 2015 ضد الحوثيين المتحالفين مع إيران.
وبينما أصبح الحوثيون يسيطرون على الجزء الشمالي من البلاد، بما يشمل العاصمة صنعاء، بعد أن أجبروا الحكومة المدعومة من السعودية على البقاء جنوبا، منذ عام 2022، بات الانفصاليون (المجلس الانتقالي الجنوبي) جزءا من تحالف يسيطر على المناطق الجنوبية الخارجة عن سيطرة الحوثيين، علما أن مبادرة تقاسم السلطة تدعمها الرياض.
إلى ذلك، أصبحت بحوزة القوات المدعومة من الإمارات مساحات شاسعة من الأراضي في الجنوب بما فيها محافظة حضرموت ذات الأهمية الاستراتيجي والغنية بحقول النفط. فانقلب موقف المجلس الانتقالي وبات يسعى إلى الحصول على حكم ذاتي، بل إلى دولة في الجنوب.
لكن، حضرموت تقع على الحدود مع السعودية وتربطهما علاقات ثقافية وتاريخية، فالعديد من الشخصيات السعودية البارزة تعود أصولها إلى المنطقة.
نحو إعادة تأسيس دولة جنوب اليمن؟
لقد سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي على مساحات شاسعة من الأراضي في الأسابيع الأخيرة، وأعلن رغبته في إعادة تأسيس دولة جنوب اليمن السابقة، التي كانت مستقلة من العام 1967 إلى العام 1990.
وشهدت مدينة عدن، تظاهر عشرات من رجال القبائل اليمنية السبت لمطالبة قادة المجلس الانتقالي بإعلان دولة الجنوب، حسب ما أوردت قناة عدن المستقلة التابعة للانفصاليين اليمنيين.
وبثت هذه القناة مقاطع لعشرات السيارات تقل أشخاصا يلوحون بأعلام دولة الجنوب وعلم الإمارات الداعمة للمجلس الانفصالي.
وفي هذا السياق المتوتر، طلبت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا من التحالف الذي تقوده حليفتها الرياض، يوم الجمعة، اتخاذ "إجراءات عسكرية" لدعم قواتها و"حماية المدنيين".
وكان المجلس الانتقالي قد اتهم الجمعة التحالف بشنّ غارات على مواقع له في حضرموت.
ومن جانبه أكّد التحالف السبت "التعامل المباشر" مع "أي تحركات عسكرية" للمجلس الانتقالي المناهض للحكومة اليمنية المعترف بها، بعد ساعات من مطالبة الأخيرة إياه بالتدخل دعما له.
المجلس الانتقالي قد تجاوز "الخطوط الحمراء" للرياض، هكذا وصف الباحث المتخصص في شؤون اليمن والخليج لدى "معهد تشاتام هاوس" في لندن فارع المسلمي الوضع في اليمن، محذّرا من أنه قد يتفاقم بسرعة.
وصرح الباحث قائلا: "من السيء إهانة السعودية، ولكن الأسوأ من ذلك بكثير هو إهانتها علنا. وهذا ما فعلوه بالضبط". (المجلس الانتقالي الجنوبي) ورغم القصف الذي لم يخلف خسائر بشرية، أكد المجلس أن ذلك لن يثني الجنوبيين عن استعادة "كامل حقوقهم"، مبديا انفتاحه على "ترتيبات" أمنية.
ورأى في بيان الجمعة أن القصف "لن يخدم أي مسار تفاهم ولن يثني شعب الجنوب عن المضي نحو استعادة كامل حقوقه".
دعوة إلى "ضبط النفس"
من جانبها حثت الولايات المتحدة الأمريكية على لسان وزير خارجيتها ماركو روبيو الجمعة، على "ضبط النفس". فيما تجنب الانحياز لأي طرف بين السعودية والإمارات، وهما شريكان رئيسيان لواشنطن.
وفي بيان، قال روبيو "نحض على ضبط النفس ومواصلة الجهود الدبلوماسية بما يفضي للتوصل إلى حل دائم"، مضيفا: "نحن ممتنون لشركائنا، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، على قيادتهم الدبلوماسية".
ويذكر أن لخميس، عقب اشتباكات بين الانفصاليين وزعيم قبلي مقرب من المملكة السعودية، أدانت الرياض المكاسب الإقليمية "الأحادية"، مستنكرة "التصعيد غير المبرر". كما أعربت عن أملها في "انسحاب عاجل لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي " من محافظتي المهرة وحضرموت.
اليمن غارق في حرب أهلية منذ عام 2014
وفي مؤشر آخر على تصاعد التوتر، تم حشد أكثر من 15 ألف مقاتل يمني مدعومين من السعودية في مناطق استراتيجية على طول الحدود بين البلدين، وفقًا لمسؤول عسكري يمني.
وقد صرح هذا المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، قائلا إن الرياض قد تدرس اللجوء إلى العمل العسكري ضد الانفصاليين في حال فشل المفاوضات. إلا أنه أوضح أن المقاتلين لم يتلقوا بعد "أي تعليمات عسكرية تأمرهم بالتقدم".
وقد تؤدي هذه التوترات الجديدة إلى مزيد من زعزعة استقرار أفقر دولة في شبه الجزيرة العربية.
فمنذ العام 2014، يشهد اليمن صراعا مدمرا بين الحوثيين، المدعومين من إيران، وحكومة مؤلفة من قوى متباينة، على الرغم من أن وقف إطلاق النار في العام 2022 ساهم في تخفيف حدة التوتر.
وقد أدى هذا الصراع إلى انقسام البلاد ومقتل وتشريد مئات الآلاف من الأشخاص، كما تسبب في إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
المصدر
المصدر: الموقع بوست
كلمات دلالية: مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي السعودية الإمارات العربیة المتحدة المجلس الانتقالی الجنوبی رئیس مجلس القیادة من السعودیة من الإمارات المعترف بها الذی تقوده جنوب الیمن فی الیمن
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.