نتنياهو يستدعي إسبرطة في مواجهة الضغوط الدولية على الاحتلال
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
لجأ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى استحضار نموذج مدينة إسبرطة الإغريقية القديمة، في محاولة لتبرير توجهات أكثر عسكرة واعتمادًا على الذات، وذلك مع تصاعد الضغوط الدولية على الاحتلال الإسرائيلي بسبب الحرب على غزة وما خلّفته من تداعيات إنسانية واسعة.
ونشرت صحيفة واشنطن بوست مقالا للصحفي إيشان ثارور قال فيه إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفي مواجهة الضغوط المتزايدة من معظم دول العالم بسبب قصف إسرائيل لغزة والكارثة الإنسانية الهائلة التي نتجت عنه، استحضر رؤية مدينة يونانية قديمة اندثرت.
وأضاف المقال أنه مع تقييد بعض الحكومات الغربية لنقل الأسلحة إلى إسرائيل، يجب على البلاد تبني عقلية "إسبرطة الخارقة" في مواجهة العزلة المتزايدة، واستحضار الاعتماد على الذات والعزيمة العسكرية التي اشتهرت بها إسبرطة القديمة لتعزيز صناعة الأسلحة الإسرائيلية والتحصّن، كما قال نتنياهو في خطاب ألقاه في أيلول/ سبتمبر.
وأشار كاتب المقال إلي أن هذه لم تكن الرؤية الكاملة التي طرحها: "سنكون مزيجا من أثينا وإسبرطة الخارقة"، كما قال، غير راغب في التخلي تماما عن الأسطورة الأكثر نصاعة وديمقراطية لمنافسة إسبرطة التاريخية.
وتابع أن عبارة "إسبرطة الخارقة" قد رسخت في الأخبار وأثارت ردود فعل غاضبة. كان نتنياهو يطرح رؤية لمجتمع أكثر عسكرة، على غرار إسبرطة، سيكون أكثر انغلاقا على العالم الخارجي. وقد شعر معارضوه الإسرائيليون باليأس مما سيترتب على ذلك.
وأضاف أنه حتى لو كان اكتفاء إسبرطة الذاتي - أي عدم اعتمادها على التجارة والروابط الاقتصادية مع الآخرين - هو أساس سمعتها القوية، فإن ذلك لا يُعدّ ميزة في عصر العولمة، كما جادل النقاد في إسرائيل. بل اعتبروه وصفة للانحدار. إن اعتراضهم، مثل سعي نتنياهو نفسه وراء إرث إسبرطة، له جذور تاريخية عميقة.
وأردف أنه في مقال نُشر في أوراق الفيدراليست عام 1787، بينما كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة يناقشون شكل نظامهم السياسي الجديد في ضوء سوابق العصور الكلاسيكية القديمة، سخر ألكسندر هاميلتون من مثال إسبرطة ووصفه بأنه "ليس أفضل حالا من معسكر مُنظّم جيدا"، مدمن على الحرب ويفتقر إلى الحيوية الاقتصادية اللازمة لجمهورية ناجحة ذات سيادة.
وتابع المقال أنه مع اقتراب عام 2026، لا يزال للإشارة إلى إسبرطة دلالة قوية. ففي العديد من البلدان، ترافق التقدم المطرد للسياسات القومية اليمينية غير الليبرالية مع بناء جدران حدودية وميزانيات عسكرية ضخمة. ويقول بعض المحللين إن تراجع النظام القائم على القواعد الذي ساد بعد الحرب، والانحسار الواضح للعولمة - والذي تسارع جزئيا بفعل الحروب التجارية التي شنها الرئيس دونالد ترامب - أعادنا إلى ما يشبه لحظة "إسبرطية".
وأشار المقال إلى كتاب المؤرخ الاقتصادي السويدي يوهان نوربيرغ الجديد، "ذروة الإنسانية: ما يمكننا تعلمه من صعود وسقوط العصور الذهبية"، إلى الصدام الأزلي بين المثل الإسبرطية والأثينية.
وقال نوربيرغ، متحدثا عن المدينة الدولة التي اشتهرت بتأسيس طرق تجارية وتجميع قوة بحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط: "تحدث المؤرخون اليونانيون عن الأثينيين الذين كانوا دائما ما يخرجون للاستكشاف، لاكتساب الجديد، وللتجارة، أما النقيض فهو المثل الإسبرطي الذي يدعو إلى البقاء في الوطن لحماية ما تملكه بالفعل". جادل بأن هذا الأخير "فكرة جذابة للغاية في أوقات الشدة، عندما يبدو العالم مكانا خطيرا".
وأضاف أنه يخيم شعور بالخطر على الخطاب السياسي في الغرب وفي أماكن أخرى. يصوّر البيت الأبيض وحلفاؤه الأيديولوجيون في أوروبا المهاجرين والمؤسسات الليبرالية المتخاذلة التي رحّبت بهم على أنهم مُسبّبو أزمة "حضارية". وتُلقي أساطير إسبرطة بظلالها على هذا الخطاب.
وتابع كاتب المقال أنه ارتدى بعض مثيري الشغب الذين اقتحموا مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني/ يناير 2021 خوذات تحمل طابع إسبرطة. كما رفعوا أعلاما تحمل العبارة الإسبرطية "مولون لابي" - وهي عبارة موجزة تعني "تعال وخذها"، شاعت عبر أجيال من أفلام هوليوود التي تروي قصة تحدّي الإسبرطيين لإمبراطور فارسي أراد منهم تسليم أسلحتهم. بعد ما يقرب من 25 قرنا من محاولة 300 جندي من جنود المشاة الإسبرطيين وحلفائهم صدّ تقدّم الفرس في معركة تيرموبيل، تضحيتهم لا تزال حدثا أساسيا في المخيلة الغربية - ومصدرا دائما للميمات بالنسبة لليمين المتطرف الغربي.
وأردف أن نشطاء حقوق حمل السلاح في الولايات المتحدة يستحضرون شعار "مولون لابي" رافضين أي شخص يخالف حقوقهم المكفولة بموجب التعديل الثاني للدستور الأمريكي. أما مارتن سيلنر، الفاشي الجديد النمساوي الذي ساهم في نشر مفهوم "إلغاء الهجرة" - أي الإزالة الجماعية أو الترحيل القسري للمهاجرين غير البيض، بغض النظر عن وضعهم القانوني، وهو المفهوم الذي ردده ترامب وغيره من قادة اليمين المتطرف - فقد اتخذ "الدرع الإسبرطي" شعارا لحركته.
وتابع أنه وفي عام 2022، حمل دون بولدوك، المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية نيو هامبشاير، نسخة مماثلة من الدرع (مُثقبة بالسهام، لمزيد من التأثير الدرامي) خلال حملته الانتخابية الفاشلة.
وأضاف كاتب المقال أن في اليونان نفسها، خلال العقد الماضي، نظم حزب الفجر الذهبي الفاشي الجديد مسيرات سنوية في موقع تيرموبيل التاريخي. وكانوا يحملون المشاعل ويحيطون بتمثال الملك الإسبرطي الأسطوري ليونيداس، وهم يهتفون "اليونان لليونانيين!".
وقال إن حظر حزب الفجر الذهبي كحزب سياسي عام 2020 لارتكابه جرائم جنائية، لكن خلفه موجة من الفصائل اليمينية المتطرفة ذات النفوذ التي دخلت البرلمان اليوناني بعد انتخابات عام 2023. ومن بين الأحزاب الأكثر إثارة للجدل في هذه المجموعة حزب الإسبرطيين.
وأردف أنه لطالما كانت الأفكار الإسبرطية حاضرة في صلب القومية الحديثة، كتب عالم اللغة الفرنسي إرنست رينان، في القرن التاسع عشر، في أطروحته الرائدة حول فكرة الأمة: "إن الهتاف الإسبرطي، 'نحن ما كنتم عليه، وسنكون ما أنتم عليه'، هو، في بساطته، النشيد المختصر لكل وطن"، وقد شكّلت سمعة الإسبرطيين في الانضباط الصارم والطاعة واحترام التسلسل الهرمي روح مدارس الكاديت العسكرية في بروسيا منتصف القرن التاسع عشر.
وأضاف كاتب المقال أن قبل خمس سنوات، أشاد المخططون العسكريون الأمريكيون بدولة الإمارات العربية المتحدة ووصفوها بـ"إسبرطة الصغيرة"، اعترافا بقدرة المملكة الصغيرة على تحقيق نفوذ يفوق حجمها في الشرق الأوسط (وليس، كما يُتصور، بسبب نظامها الاجتماعي الهرمي الذي يفصل المواطنين الإماراتيين والوافدين الأثرياء عن طبقة واسعة من العمال الأجانب).
وتابع أنه وزير الدفاع بيت هيغسيث ويظهر بوضوح تبنيه لقيم إسبرطة المزعومة عندما يُشيد بـ"روح المحارب" الجديدة لإدارة ترامب، ويُشدد معايير البنتاغون فيما يتعلق بالمظهر واللياقة البدنية، ويربط مهمة الجيش الأمريكي بشكل أوثق بالأجندة السياسية للبيت الأبيض.
وحذر بريت ديفيرو، مؤرخ الجيوش القديمة، من أن نهج هيغسيث يُهدد تقليدا مدنيا عسكريا أكثر ديمقراطية. كتب ديفيرو: "إن جيش هيغسيث المثالي أقرب بكثير إلى جيوش روسيا أو بيلاروسيا: يركز على استعراض اللياقة البدنية، ويميل إلى ارتكاب الفظائع، وفي نهاية المطاف، هو أداة لسلطة رجل واحد لا درعا لدولة حرة".
ووصف نوربيرغ، بشكل منفصل، مجتمعات مثل روسيا وبيلاروسيا بأنها معادية للابتكار وخاضعة للثكنات العسكرية - "إسبرطة كلها، لا أثينا".
يرى أنصار النزعة الإسبرطية الجديدة عالما "يكون فيه حالك أفضل إذا بقيت في المنزل، ولم تنخرط كثيرا مع الآخرين"، كما قال نوربيرغ لصحيفة نيويورك تايمز. "هناك عقلية إسبرطية سائدة - أن العالم لعبة محصلتها صفر، وإذا استفاد شخص آخر، فأنت في وضع أسوأ. ويبدو أن هذه هي النظرة العالمية لترامب أيضا، ولهذا السبب تُعد إسبرطة مثالا يُحتذى به لأنصار اليمين المؤيد لترامب".
لكن الأمر لا يقتصر على اليمين فقط. في ظلّ حالة عدم اليقين بشأن قوة التزامات الولايات المتحدة، تستعدّ الحكومات الأوروبية، بمختلف توجهاتها السياسية، لاحتمال نشوب صراعات، وتستثمر في قدراتها الدفاعية.
في تشرين الثاني/ نوفمبر، أعلن الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب أن "عقد الجيش على وشك البدء". وقال المستشار الألماني فريدريش ميرز هذا الشهر: "لقد ولّت عقود "السلام الأمريكي" بالنسبة لنا في أوروبا، وكذلك بالنسبة لنا في ألمانيا. لم يعد هذا السلام موجودا كما عرفناه، ولن يغيّر الحنين إلى الماضي هذه الحقيقة... يسعى الأمريكيون الآن، وبلا هوادة، إلى تحقيق مصالحهم الذاتية". وأشار ميرز إلى أن الوقت قد حان لكي تحذو أوروبا حذو أمريكا.
يُعارض المؤرخون الكلاسيكيون هذه التشبيهات المباشرة. فالماضي دائما أكثر تعقيدا مما يُذكر.
وأضاف كاتب المقال أنه بعيدا عن كونها الحصن الحضاري الذي يتصوره البعض في اليمين الغربي، كانت إسبرطة "تعتمد على الدعم البحري من الإمبراطورية الفارسية" في حروبها الأخيرة ضد أثينا، كما أشار باري شتراوس، الأستاذ الفخري في جامعة كورنيل والباحث البارز في معهد هوفر. "لذا، فإن الصورة التي لدينا عن إسبرطة ليست تماما كما تبدو لنا، تلك المدينة المكتفية ذاتيا".
وأضاف شتراوس أن المثالية اليمينية "تُبالغ في مدى عزلة إسبرطة، وتُقلل من شأن حجم مشكلة الفساد فيها."
وتابع لم تكن إسبرطة تمتلك ذلك الصرح المعماري العام الفخم الذي صمدت معالمه عبر العصور ليُشكّل ذاكرتها. لكنها فرضت نظاما اجتماعيا صارما كان مثارا للفضول حتى في عصره، ولا يزال الاهتمام به قائما: طبقة صغيرة من المواطنين لم يمارسوا الزراعة أو التجارة، تدربوا كمحاربين منذ الصغر، وكان الرجال يعيشون في ثكنات جماعية، ويعتمدون على طبقة واسعة من المزارعين المستعبدين.
وأردف أن العديد من الموارد كانت مشتركة بين نخبة المواطنين،كما لفت بول كارتليدج، المؤرخ البريطاني المتخصص في تاريخ اليونان القديمة والأستاذ الفخري بجامعة كامبريدج، كيف أن نساء إسبرطة "يكسرن إلى حد ما الصورة النمطية لقمع المرأة أو إخضاعها في اليونان القديمة".
ومع ذلك، حتى بمعايير عصرها، جادل كارتليدج بأن إسبرطة كانت سيئة السمعة بسبب وحشيتها. قال لصحيفة واشنطن بوست: "إسبرطة ليست نموذجا يُحتذى به. إنها دولة عبودية، وهي بغيضة للغاية لسكانها غير الأحرار".
وأشار كارتليدج إلى أصداء إسبرطة في أحلك فصول التاريخ الأوروبي. قال: "كان الإسبرطيون حذرين للغاية بشأن من يربون ومن يطردون"، مشيرا جزئيا إلى ممارستهم المزعومة المتمثلة في التخلي عن الأطفال غير الأصحاء. "كانوا، على الأرجح، من دعاة تحسين النسل".
تذكرهم النازيون على هذا النحو. قال أدولف هتلر ذات مرة، في إشارة إلى نظام سياسي قائم على أساس عرقي: "يجب اعتبار إسبرطة أول دولة قومية. كان التخلي عن الأطفال المرضى والضعفاء والمشوهين، باختصار، إبادتهم، أكثر إنسانية، بل وأكثر إنسانية بألف مرة من الجنون البائس في عصرنا الذي يحفظ أكثر الأفراد مرضا".
استند خطاب نتنياهو "أثينا وإسبرطة الخارقة" إلى تقليد طويل. فقد استحضر صانعو السياسة في الحرب الباردة مثل إسبرطة وأثينا فيما يتعلق بالتنافس السوفيتي الأمريكي: فالأولى، بنظامها الشيوعي ونظامها الاقتصادي المغلق، كانت أقرب إلى "إسبرطة" في طبيعتها؛ أما الأخيرة، بهيمنتها البحرية وحماستها الرأسمالية، فهي أقرب إلى "أثينا".
قام عالم السياسة بجامعة هارفارد، غراهام أليسون، بتحديث النموذج ليتناسب مع القرن الحادي والعشرين عندما طرح فكرة "فخ ثوسيديدس" على نطاق واسع، متناولا حتمية الصراع بين الولايات المتحدة والصين. في هذا التشبيه، تُشبه واشنطن إسبرطة، قوة عظمى محافظة على الوضع الراهن، مهددة بصعود أثينا الطموحة والمتزايدة الجرأة.
يُعرف أليسون بممارسته "للتاريخ التطبيقي"، حيث يُحلل السوابق التاريخية لاستخلاص دروس معاصرة. يقول أليسون إن صدى إسبرطة المعاصر "مثير للاهتمام للغاية"، لكنه أضاف أن هناك حدودا لقوة هذا التشبيه نظرا "للاختلافات الجوهرية" التي تفصلنا عن تلك المدينة الدولة.
وقال: "عندما ينتقي الناس سمة أو سمتين من التشبيه، فإن ذلك غالبا ما يكشف عن الشخص وآرائه أكثر مما يكشف عن فهم أعمق للعالم".
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة عربية الاحتلال نتنياهو نتنياهو الاحتلال اسبرطة المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المقال أنه
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.