محافظ أسيوط: استكمال الرحلات السياحية لطلاب المدارس يرسخ الوعي بمسار العائلة المقدسة
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
قال اللواء دكتور هشام أبو النصر محافظ أسيوط، إن المحافظة تواصل استكمال وتنفيذ برنامج الرحلات السياحية والتثقيفية، في إطار رؤية شاملة تستهدف ترسيخ الوعي الديني والتاريخي لدى طلاب المدارس، وإبراز ما تمتلكه أسيوط من كنوز روحية وأثرية تمثل جزءًا أصيلًا من مسار رحلة العائلة المقدسة، أحد أهم المسارات الدينية في العالم.
وأوضح محافظ أسيوط أن هذه الرحلات تأتي ضمن استراتيجية متكاملة تنفذها المحافظة، من خلال رحلة جوية منتظمة تربط القاهرة بأسيوط لدعم السياحة الداخلية، وبناء وعي حقيقي لدى الأجيال الجديدة بقيمة المواقع التاريخية والدينية، مؤكدًا أن الاستثمار في الإنسان يبدأ من تعريفه بتاريخ بلاده وربطه بجذوره الحضارية والروحية.
وأشار اللواء دكتور هشام أبو النصر إلى أن المحافظة استقبلت وفدًا طلابيًا من إحدى المدرس في إطار الرحلات السياحية المنظمة، والتي تم إعداد برنامجها بعناية ليتضمن مجموعة من أبرز المعالم الدينية ذات القيمة التاريخية، بما يحقق التكامل بين البعد التعليمي والثقافي والروحي.
وأضاف المحافظ أن الوفد استهل جولته بزيارة دير ريفا الأثري بمركز أسيوط، والذي يعد من المواقع التاريخية المهمة، حيث تعرف الطلاب على تاريخ الدير ودوره الديني عبر العصور، وما يحمله من دلالات روحية ومعمارية تعكس عمق الحضارة المصرية.
كما شملت الزيارة دير السيدة العذراء بدرنكة بالجبل الغربي لأسيوط، أحد أهم محطات مسار رحلة العائلة المقدسة على مستوى العالم، حيث استمع الطلاب إلى شرح وافي حول مكانة الدير التاريخية والدينية، وأهمية الموقع باعتباره شاهدًا حيًا على مرحلة مفصلية في التاريخ المسيحي، وسط اهتمام بالغ من الطلاب وتفاعلهم مع ما قدمه الآباء والرهبان من معلومات تاريخية وروحية.
وفي محطة أخرى بالغة الأهمية، واصل الوفد رحلته إلى دير الأمير تادرس الشطبي بمركز منفلوط، حيث تعرف الطلاب على سيرة القديس الأمير تادرس، وأهمية الدير كأحد الرموز الدينية البارزة في صعيد مصر، وما يمثله من قيمة روحية وثقافية في وجدان المجتمع المحلي.
وأكد محافظ أسيوط أن هذه الزيارات الميدانية تمثل تجربة تعليمية متكاملة، تسهم في تحويل التاريخ من مادة نظرية إلى واقع ملموس، وتزرع في نفوس الطلاب قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية، مشددًا على أن أسيوط تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون مركزًا محوريًا للسياحة الدينية والثقافية في مصر.
وأضاف اللواء دكتور هشام أبو النصر أن المحافظة تعمل باستمرار على تطوير البنية التحتية للمواقع السياحية والدينية، وتحسين الخدمات المقدمة للزائرين، بما يليق بقيمتها التاريخية، ويدعم توجه الدولة نحو تنشيط السياحة المستدامة، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية ورؤية مصر 2030.
واختتم محافظ أسيوط تصريحاته بالتأكيد على استمرار تنظيم مثل هذه الرحلات على مدار العام، إيمانًا بدورها في بناء وعي الأجيال الجديدة، وتنشيط الحركة السياحية، وتعزيز مكانة أسيوط كوجهة دينية وتاريخية ذات طابع عالمي، قادرة على الجمع بين أصالة التاريخ وروح المستقبل.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: أسيوط الرحلات السياحية كنوز أثرية المسارات الدينية مسار رحلة العائلة المقدسة الرحلات السیاحیة العائلة المقدسة محافظ أسیوط
إقرأ أيضاً:
عيد دخول العائلة المقدسة أرض مصر: سر الاختيار الإلهي وعبقرية المكان والضمير
تحتفل مصر والكنيسة القبطية والعالم أجمع في الأول من يونيو بذكرى غالية على قلب التاريخ الإنساني والروحي، وهي ذكرى «دخول العائلة المقدسة إلى أرض مصر»، هذا الحدث ليس مجرد لجوء تاريخي هربا من بطش هيرودس، بل هو جزء أصيل من خطة إلهية محكمة صِيغت خيوطها منذ الأزل.
وهنا يطرح السؤال اللاهوتي والتاريخي نفسه بقوة: لماذا اختار الله في خطته الإلهية مصر لتكون البلد الوحيد، خارج فلسطين، التي يزورها ويعيش فيها السيد المسيح طفلاً مع أمه العذراء والقديس يوسف النجار؟
إن نفس هذا السؤال ينطبق تماماً على حدث تاريخي آخر سبق تجسد السيد المسيح بقرون، وهو دخول بني إسرائيل، يعقوب وبنيه، إلى أرض مصر، حيث مكثوا فيها قرابة 430 سنة، فما هو السر الكامن وراء هذه المركزية المصرية في التدبير الإلهي؟
الإجابة عن السؤالين واحدة وتكشف عن عمق التنسيق بين السماء والأرض، فعندما اختار الله شعب إسرائيل في العهد القديم ليستأمنه على حمل ونقل الإيمان بالتوحيد والوحي إلى الأمم، كان هذا الشعب بحاجة إلى بيئة تحتضن هذا الغرس وتشكله.
وكانت مصر هي الحضارة الوحيدة في العالم القديم التي لا تحمل الإيمان كفكرة مجردة، بل تطبقه وتحميه حرفياً في ثقافتها الشعبية، ودستورها الاجتماعي، والقانوني، والسياسي.
لقد عاش قدماء المصريين بمنظومة أخلاقية وقانونية صارمة عُرفت باسم «قوانين ماعت»، وهي مفهوم الحق والعدل والنظام الكوني.
كانت «ماعت» تنص على الصدق، والعدل، وأمانة التعامل، ورعاية الفقير واليتيم، والامتناع عن القتل والسرقة وشهادة الزور، وهو ما يظهر في كتاب الموتى والاعتراف الإنكاري الشهير للمتوفى حين يقول: «لم أقتل، لم أسرق، لم ألوث ماء النيل، لم أظلم أحداً».
ومن هنا نلمح خيطا نورانيا يربط التاريخ بالروح عبر ثلاثة تجليات كبرى، بدأت بقوانين ماعت المصرية التي وضعت الأساس الإنساني والأخلاقي للضمير البشري قبل الأديان الإبراهيمية، مرسخة أن العدل والخير هما جوهر الكون. ثم امتدت إلى شريعة موسى على الجبل، فعندما استلم موسى النبي الوصايا العشر على جبل سيناء، جاءت الشريعة الإلهية مصبوغة بالبنية الأخلاقية التي نشأ عليها موسى في مصر، فالوصايا التي تأمر بألا تقتل ولا تسرق ولا تشهد بالزور، هي صياغة إلهية قاطعة للقيم التي نادت بها «ماعت» منذ آلاف السنين، بل إن موسى استقبل هذه الشريعة في وجدانه وباللغة المصرية القديمة، وهي اللغة التي كُتبت بها الثقافة المحيطة به، ليفهمها ويصوغ بها دستور العهد لشعبه. وصولاً إلى عظة المسيح على الجبل في العهد الجديد، حيث جاء السيد المسيح ليرتقي بهذا البنيان الأخلاقي إلى قمته الروحية في دستور الملكوت، فلم يعد المنع مجرد امتناع ظاهري عن القتل أو السرقة كما في ماعت والوصايا، بل أصبح دعوة للمحبة الكاملة والنقاء الداخلي والسلام، هذا الترابط الروحي يؤكد أن الوحي الإلهي لم ينزل في فراغ، بل نزل على أرضية أخلاقية مهدت لها الحضارة المصرية القديمة.
ولم تقف العبقرية المصرية عند الأخلاق فحسب، بل امتدت للعقيدة، فقد تسلم القدماء المصريون إيماناً فطرياً بالحياة الأبدية، وبالصراع الأزلي بين الخير والشر، مجسداً في قصة أوزوريس وإيزيس وحورس، والذي اكتمل بطرد الشر ممثلاً في «ست» على يد الملك أحمس الذي طرد الهكسوس وأسس الدولة الحديثة، في إسقاط تاريخي لانتصار النور على الظلمة.
هذا الثالوث المصري والإيمان الراسخ بالبعث والحساب والحياة الإخروية، جعل الوجدان المصري مهيأً بامتياز ليفهم ويقبل أسرار الإيمان المسيحي، فكرة الإله الذي يموت ويقوم، والأمومة الطاهرة الحانية، والابن الخلاصي المنتصر على الشر.
لقد جاء بنو إسرائيل إلى مصر كمجموعة من الرعاة، وربما تهجنوا جنسياً وثقافياً واجتماعياً بالحياة المصرية العريقة، فكان المكث في مصر بمثابة الحاضنة والرحم التي شكلت وعيهم الإنساني والحضاري، فتعلموا النظام، والعمارة، والإدارة، والأخلاق، ليتم إعدادهم إيمانياً وإنسانياً لنقل الإيمان للأمم. هذا الأمر أكده العهد القديم بوضوح في سفر أعمال الرسل بقوله: «فتأدب موسى بكل حكمة المصريين»، وحيث إن رأس الحكمة هي مخافة الله، فإن الحكمة المصرية التي تشرّبها موسى كانت تقود بالضرورة إلى مخافة الله والعدل، هذا الإيمان الحي هو ما حمله بنو إسرائيل من مصر ليقدموه للعالم، بعد أن تشرعن بالوصايا التي تلقاها موسى من الله باللغة والثقافة التي صهرت وعيه.
بناءً على هذا العمق التاريخي، لم يكن مجيء السيد المسيح إلى مصر مجرد مصادفة جغرافية أو هروباً عابراً، بل لأنها أرض الله المختارة منذ قديم الأزل ليكون فيها الإيمان بالإنسانية والضمير.
جاء المسيح إلى مصر لكي يترعرع ثقافياً في بيئة تملك أقدم وعي بالتوحيد والعدالة الكونية، ومستندة إلى لغة الشريعة التي نزلت على موسى في جبل سيناء، ولكي ينمو صحياً وجسدياً في أرض الخير، واحة العالم القديم التي يغذيها نيلها العظيم، فكانت مصر الملجأ الآمن الذي يحمي الحياة ويبعث الدفء. إن عيد دخول العائلة المقدسة مصر هو شهادة أبدية على أن هذه الأرض لم تكن مجرد بقعة على الخريطة، بل كانت - وستظل - الضمير الحي للخط الإلهي، والملاذ الآمن لكل ما هو مقدس ونبيل في تاريخ البشرية، فمباركة هي مصر وشعبها، ومبارك هو التاريخ الذي خطته خطى المسيح على ترابها.
اقرأ أيضاًهل انهزمت أمريكا؟
ندعم الأشقاء في دول الخليج