إمبراطورية السوق السوداء.. كيف يثري القادة الحوثيون على حساب جوع المواطن؟
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
تعد ظاهرة السوق السوداء في اليمن واحدة من أعقد الملفات الاقتصادية والإنسانية التي أفرزتها الحرب، لكنها في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيات الحوثي تحولت من مجرد "أزمة عارضة" إلى اقتصاد موازي مُنظم يدر مليارات الريالات على قيادات الصف الأول في الجماعة.
وفي وقت يعيش فيه ملايين اليمنيين تحت خط الفقر، تبرز تساؤلات ملحة حول آليات التكسب الحوثي من الأزمات المعيشية، وكيف تحولت المشتقات النفطية والغاز المنزلي والمواد الغذائية إلى أدوات للثراء الفاحش بدلًا من كونها سلعًا خدمية مدعومة.
تبدأ القصة دائمًا بـ "أزمة مفتعلة"؛ حيث تختفي المشتقات النفطية فجأة من المحطات الرسمية التابعة لشركة النفط في صنعاء، لتظهر في ذات اللحظة على أرصفة الشوارع وفي "جوالات" بلاستيكية بأسعار تضاعف السعر الرسمي بنسبة تصل إلى 300%.
وتؤكد التقارير الدولية أن هذه التجارة تدار عبر شبكات من السماسرة المرتبطين مباشرة بـ "الهامور المالي" للجماعة، حيث يتم تحويل فوارق الأسعار إلى صناديق خاصة لدعم ما يسمى "المجهود الحربي" الذي ينتهي غالبًا في حسابات استثمارية وعقارات ضخمة في الداخل والخارج.
الغاز المنزلي.. الطابور الذي لا ينتهي والأرباح التي لا تتوقفلا يختلف وضع الغاز المنزلي عن النفط، بل ربما يكون أكثر قسوة لارتباطه المباشر بكل مطبخ يمني. اعتمدت الجماعة نظام "عقال الحارات" لتوزيع الغاز، وهو نظام ظاهره التنظيم وباطنه السيطرة والابتزاز. يتم حرمان الأسر من حصصها الدورية لإجبارها على الشراء من الأسواق الموازية التي تسيطر عليها قيادات ميدانية.
إن الفارق بين سعر الأسطوانة القادمة من مأرب وسعر بيعها في صنعاء يمثل "ربحًا صافيًا" يذهب لتمويل شبكات النفوذ، مما خلق طبقة جديدة من "أثرياء الحرب" الذين لم يكن لديهم أي ثروة قبل عام 2014، والآن يمتلكون المجمعات التجارية والمستشفيات الخاصة.
تجارة المساعدات الإنسانية..سرقة اللقمة من أفواه الجوعىأخطر ما في إمبراطورية السوق السوداء الحوثية هو التلاعب بـ المساعدات الإغاثية الدولية، وتشير التقارير الاستقصائية إلى قيام الجماعة بفرض قيود صارمة على المنظمات الأممية، وإجبارها على توزيع المساعدات عبر كشوفات معدة سلفًا تضم الموالين للجماعة، أو الأسوأ من ذلك، مصادرة هذه المساعدات (من قمح وزيوت وسكر) وإعادة بيعها في المحلات التجارية تحت مسميات تجارية جديدة. هذا الاستثمار في "الجوع" لا يوفر سيولة مالية ضخمة فحسب، بل يُستخدم أيضًا كأداة للضغط السياسي والاجتماعي، حيث يصبح الولاء للجماعة هو السبيل الوحيد للحصول على الغذاء.
الجبايات والضرائب.. سحق القطاع الخاص المتبقيإلى جانب التجارة المباشرة، فرضت سلطات الحوثي منظومة من الجبايات والضرائب غير القانونية تحت مسميات متعددة مثل "الخمس"، "يوم الغدير"، "المولد النبوي"، و"دعم القوة الصاروخية".
هذه الإتاوات لم تترك صغار التجار أو كبار المستثمرين، مما أدى إلى إغلاق مئات الشركات وإفلاس آلاف المحلات التجارية التي لم تستطع الصمود أمام الابتزاز المالي المستمر.
هذا الضغط المالي يُجبر التجار الباقين على رفع أسعار السلع، وهو ما يتحمله المستهلك النهائي في نهاية المطاف، لتصب كل هذه المسارات في وعاء واحد: إفقار الشعب وإثراء النخبة الحوثية.
غسيل الأموال والاستثمارات العقارية في صنعاءأين تذهب كل هذه الأموال؟ المتتبع لحركة العقارات في صنعاء يلاحظ طفرة عمرانية هائلة في أحياء محددة، حيث تُباع الأراضي بأسعار خيالية تُدفع نقدًا بالعملة الصعبة، هذه العمليات هي في جوهرها غسيل أموال لمتحصلات السوق السوداء. القيادات الحوثية باتت تسيطر على القطاع العقاري بشكل كامل، محولةً الأموال المنهوبة من قطاعات الصحة والتعليم والوقود إلى أصول ثابتة، مما يغير الديموغرافيا الاقتصادية للعاصمة ويخلق فجوة طبقية مرعبة بين "سادة الحرب" وعامة الشعب الذين يبحثون عن رغيف الخبز في صناديق القمامة.
تداعيات الكارثة: شعب يغرق في المجاعةإن استمرار هذه "الإمبراطورية السوداء" يعني استدامة الحرب؛ فالمستفيدون من هذه الفوضى ليس لديهم مصلحة في أي تسوية سياسية تعيد الدولة ومؤسساتها الرقابية، كما أن التضخم الجامح وانهيار القدرة الشرائية للريال اليمني في مناطق السيطرة الحوثية، جعل من العيش الكريم ضربًا من الخيال. التقارير الأممية تحذر من أن اليمن يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم، لكنها نادرًا ما تشير بصراحة إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الأزمة "مُصنع" بأيدي النخبة الحاكمة في صنعاء التي تقتات على جراح المواطنين.
كسر حلقة الاستغلالإن مواجهة إمبراطورية السوق السوداء الحوثية تتطلب موقفًا دوليًا حازمًا يتجاوز مجرد الإدانات الإنشائية، ويجب تفعيل آليات رقابة صارمة على تدفق الأموال والسلع، ودعم المؤسسات الوطنية الشرعية لاستعادة دورها في تنظيم السوق وتوفير الخدمات الأساسية. دون تجفيف منابع ثراء الحرب، سيبقى المواطن اليمني رهينة لسياسات التجويع الممنهج، وستبقى الأسواق السوداء هي النافذة الوحيدة التي يطل منها القادة الحوثيون على ثرواتهم المتراكمة من عرق ودموع الفقراء.
الانشقاقات في صفوف الحوثيين تكشف عن أزمة ثقة عميقة: صلاح الصلاحي نموذجًا كيف يؤثر احتجاز الحوثيين للرهائن على العملية الإنسانية والسياسية في اليمن؟
المصدر
المصدر: بوابة الفجر
كلمات دلالية: السوق السوداء في اليمن فساد الحوثيين الازمة الانسانية في اليمن اقتصاد الحرب الجبايات الحوثية غسيل الأموال السوق السوداء فی صنعاء
إقرأ أيضاً:
في التأمينات.. المهلة انتهت والحقوق مؤجلة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
انتهت المهلة الثانية التي طلبها رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي. انتهت الأيام والأسابيع التي قيل إنها كافية لإصلاح الأعطال وتجاوز المشكلات الفنية واستعادة انتظام الخدمات، انتهت المهلة ولم تنته الأزمة، انتهت الوعود ولم تصل الحقوق إلى أصحابها، انتهت التطمينات وبقي المواطن واقفا في الطابور ينتظر ما لا يأتي.
قبل شهور خرجت التصريحات الرسمية تتحدث بثقة عن نظام جديد سيحدث نقلة نوعية في خدمات التأمينات الاجتماعية، قيل إن أربعين خدمة ستعمل فور التشغيل ثم يرتفع العدد إلى خمس وتسعين خدمة خلال ستة أشهر. بدا الأمر وكأنه بداية عصر جديد من الكفاءة والسرعة والرقمنة، لكن ما جرى على الأرض كان شيئا آخر تماما.
في الرابع والعشرين من فبراير 2026 بدأ التشغيل الفعلي للنظام الجديد، في اليوم نفسه تقريبا توقفت مزايا وخدمات كان النظام القديم يؤديها رغم عيوبه، وبعد أربعة أشهر كاملة ما زالت الخدمات الموعودة غائبة أو متعثرة بينما يشكو المواطنون والعاملون من بطء الإجراءات وتعطل المعاملات وغياب الحلول.
الأخطر أن رئيس الهيئة طلب مهلة أولى ثم طلب مهلة ثانية، انتهت الأولى دون نتائج تذكر، وانتهت الثانية دون أن يشعر المواطن بأي انفراجة حقيقية، وكأن المشكلة ليست في برنامج إلكتروني بل في غياب رؤية واضحة للمحاسبة وإدارة الأزمة.
أنا واحد من هؤلاء الذين دفعتهم هذه الأزمة إلى حافة اليأس، رجل على المعاش أفنيت سنوات عمري في العمل وسداد الاشتراكات، كنت أظن أنني حين أصل إلى هذه المرحلة سأجد مؤسسة تحترم ما دفعته طوال عقود، لكنني فوجئت بأنني لا أستطيع الحصول على مليم واحد من حقوقي المستحقة، أقف أمام الشاشات المغلقة والأنظمة المتعثرة والوعود المؤجلة وكأنني أطلب صدقة لا حقا قانونيا كفله الدستور والقانون.
ليست هذه قصة فرد واحد، إنها قصة آلاف المواطنين الذين أصبحوا أسرى لمشكلة تقنية تحولت مع الوقت إلى أزمة اجتماعية حقيقية.
في المكاتب التأمينية تتكرر الشكاوى نفسها، خدمات السائقين والسيارات والمقاولات تواجه صعوبات كبيرة، حالات المعاشات ما زالت عالقة، مواطنون يتنقلون بين النوافذ والأقسام بحثا عن إجابة فلا يجدون إلا عبارة واحدة تتكرر: السيستم لا يعمل.
ولا يقتصر الأمر على التعطيل فقط، هناك خسائر اقتصادية واجتماعية ونفسية تتراكم كل يوم، صاحب المعاش الذي ينتظر مستحقاته لديه أسرة وفواتير وعلاج والتزامات.. المؤمن عليه الذي يحتاج إلى مستند أو خطاب تأميني قد تتعطل مصالحه وأعماله.. المقاول الذي ينتظر إنهاء إجراء معين قد تتعطل مشروعاته.. السائق الذي يحتاج إلى تسوية موقفه التأميني قد يفقد فرصة عمله.
هنا يصبح السؤال مشروعًا وملحًا: من يحاسب المسؤول عن هذا المشهد؟.
إذا كانت الدولة قد أنفقت أموالًا طائلة على مشروع التطوير فمن حق المواطنين أن يعرفوا ماذا حدث، وإذا كانت هناك أخطاء فنية فمن حق الرأي العام أن يعرف أسبابها، وإذا كانت هناك تقصيرات إدارية فمن الواجب محاسبة المسؤولين عنها.
ولهذا فإن الأمر لم يعد شأنا إداريا داخليا يخص هيئة التأمينات وحدها، ما يحدث الآن يستدعي تدخلا عاجلا من الجهات الرقابية المختصة لمراجعة المشروع بالكامل، مراجعة العقود والتنفيذ والتشغيل ومراحل الاختبار والتسليم، مراجعة حجم الإنفاق والعائد الفعلي، مراجعة المسؤوليات بدقة حتى يعرف المواطن أين ذهبت الوعود التي سمعها من قادة الهيئة طوال الشهور الماضية.
كما أن القضية تستوجب اهتمام الجهات المعنية بالأمن المجتمعي، فالتأخر في صرف المعاشات أو تعطيل الحقوق التأمينية ليس مجرد عطل تقني عابر، نحن نتحدث عن دخول أسر كاملة تعتمد على هذه الأموال في حياتها اليومية، نتحدث عن كبار سن ومرضى وأرامل ومواطنين لا يملكون مصادر دخل أخرى، وعندما تتعطل حقوق هؤلاء أو تتأخر فإن آثار ذلك تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي نفسه.
الدول تقاس بقدرتها على حماية المواطن البسيط وضمان حصوله على حقه في موعده، والمعاش ليس منحة من أحد، إنه مال صاحبه، اقتطع من دخله سنوات طويلة حتى يعود إليه عندما يحتاجه.
المطلوب ليس بيانات جديدة ولا وعودا إضافية ولا مهلا ثالثة ورابعة وخامسة، المطلوب كشف الحقيقة كاملة أمام الناس، المطلوب تقييم فني مستقل ومحايد، المطلوب الاستماع إلى العاملين في الميدان الذين يعرفون تفاصيل الأزمة أكثر من أي مسؤول يجلس في مكتب مكيف، المطلوب جدول زمني معلن للحل، المطلوب ضمان عدم ضياع حقوق المواطنين خلال فترة الإصلاح، والمطلوب قبل كل شيء محاسبة كل من يثبت تقصيره أيا كان موقعه.
لقد نفد صبر الناس. ولم يعد مقبولا أن يظل أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم رهائن لأعطال لا تنتهي، فمن يدفع الثمن اليوم ليس البرنامج الإلكتروني ولا الشركة المنفذة ولا المسؤول صاحب التصريح، لكن من يدفع الثمن هو المواطن الذي يقف في نهاية الطابور حاملا أوراقه وأحلامه وحقوقه الضائعة.
انتهت المهلة الثانية، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، أما الحقوق فما زالت معلقة، والسؤال الذي ينتظر الإجابة الآن ليس متى تعمل المنظومة الجديدة، بل من سيحاسب عن الشهور التي ضاعت وعن الحقوق التي تعطلت وعن الثقة التي تآكلت بين المواطن ومؤسسة يفترض أنها وجدت لحمايته لا لتعذيبه.
إنها صرخة غضب قبل أن تكون مقالا، ونداء استغاثة قبل أن تكون شكوى، لأن أصحاب المعاشات لا يملكون رفاهية الانتظار أكثر، ولأن الحقوق المؤجلة تتحول مع الوقت إلى ظلم، ولأن الدولة القوية هي التي تسمع صوت مواطنيها قبل أن يتحول الألم إلى أزمة أكبر من مجرد عطل في نظام إلكتروني.