صفاء الزين

مع دخول العام الجديد، وبينما يتجه العالم نحو آفاق اقتصادية ورياضية جديدة، يجد السودانيون أنفسهم عند لحظة مغايرة تمامًا للمشهد العالمي. فبينما تتسابق الأمم نحو المستقبل، يقف هذا البلد محمّلًا بأسئلة ثقيلة: كيف يستعيد مجتمع أرهقته السنين طاقته على النهوض؟ وكيف يُصبح الغد أقرب إلى الطمأنينة منه إلى القلق؟
هذه الأسئلة ليست ابنة لحظة واحدة، إنها حصيلة مسار طويل من التعثرات التي عطّلت تشكّل مشروع وطني جامع.

ورغم تراكم الخيبات، يتبدّى في وعي الناس شيء يشبه اليقظة الداخلية، تلك التي تذكّر بأن الخراب لا يستطيع إخفاء جوهر أمة تعرف جذورها واحتياطها العميق من القوة.
عند تأمل المشهد السوداني خلال السنوات الماضية، يتضح أن الأزمة لم تتولد من المواجهات الأخيرة وحدها، بل من تاريخ اجتماعي معقد صنع علاقات هشة وترك مسافات واسعة بين المكوّنات. وقد لجأ كثير من الباحثين إلى وصف هذا الوضع بـ “الأزمة البنيوية”، غير أن الواقع الراهن يتجاوز هذا التعبير، لأنه يلامس سؤال الوجود المشترك نفسه: كيف يمكن لمجتمع متعدد الثقافات والهويات أن يبتكر صيغة تعايش تحمي تنوعه وتفتح له أفقًا جديدًا؟
في هذا السياق تبدو مقولة “هانا آرنت” — المجتمع يصبح هشًّا حين يتراجع الفعل المشترك — قريبة للغاية من التجربة السودانية. فحين غابت مساحات الاتفاق، تضخّمت الأصوات المنفردة، وضعفت الإرادة الجمعية التي كانت تاريخيًا مصدر قوة المجتمع.
ومع ذلك، فإن عناصر البناء لا تزال حاضرة بقوة. فالتجربة تُظهر أن السودانيين ينهضون بسرعة حين يتشارك الناس الإحساس بالمسؤولية، وأن قوة هذا البلد لم تكن يومًا حبيسة المؤسسات الرسمية، بل كانت دائمًا في قدرة المجتمعات المحلية على خلق شبكات تضامن، وفي استعداد الناس للوقوف مع بعضهم في أقسى الظروف.
هذا الإرث هو الركيزة الأولى لأي محاولة إصلاح. فالمكوّنات الاجتماعية — من الطرق الصوفية إلى الإدارات الأهلية والروابط المهنية والمجتمعات المدنية — لها دور عميق في تشكيل المزاج العام. وكلما توسّعت المشاركة الشعبية في الحوار، اقتربت احتمالات التعافي من أن تصبح حقيقة.
التحدي الآن هو إعادة ترتيب العلاقة بين هذه المكوّنات، وبعث مفهوم “المسؤولية المشتركة” بروح جديدة. فالأدوار التقليدية لم تعد كافية، والواقع المتحوّل يتطلب رؤى تعيد بناء المجال الاجتماعي على أساس الحكمة والاتزان واحترام التنوع والقدرة على الإصغاء. وعندما تتحرك هذه المكوّنات في اتجاه واحد، يصبح من الممكن تخفيف آثار التصدعات وفتح الطريق أمام مرحلة تشبه السودان الذي يحلم به أبناؤه.
وفي هذا التوقيت المفصلي، تبدو اللحظة مناسبة لإطلاق تفكير جماعي لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يتجاوزها نحو رؤية تمكّن المجتمع من استعادة ثقته بنفسه، وتعيد للمشروع الوطني أفقه الواسع. فالبلاد لا تحتاج معجزات، بل تحتاج إرادة اجتماعية تعرف أن المستقبل وعد لا يُمنح، وإنما بناء يبدأ بخطوة واحدة: أن تجتمع المكوّنات على هدف واحد، حفظ هذا الوطن وصون كرامة الإنسان فيه.
وإذا كانت المسؤولية المشتركة هي المدخل الأخلاقي للخلاص، فإن ترجمتها الاستراتيجية تبدأ ببناء عقد اجتماعي جديد لا يُدار من فوق، ولا يُختطف من السلاح، ولا يُرتهن للخارج، وإنما يقوم على وعي القاعدة الاجتماعية بحقها في الدولة وواجبها تجاهها. المطلوب اليوم تهدئة تتجاوز إطفاء الحرائق العاجلة نحو إعادة تعريف لمعنى السلطة، ومعنى الشرعية، ومعنى الشراكة الوطنية على أسس: العدالة، والاعتراف المتبادل، وتوازن المركز والهامش، وحرمة الدم، وقدسية الحياة المدنية. عند هذه النقطة فقط، يتحول السودان من ساحة صراع إلى مشروع أمة، ومن جغرافيا مثقلة بالجراح إلى وطن قابل للشفاء، لأن الأمم لا تنهض عبر كثرة الشعارات، وإنما عبر وضوح البوصلة، وصلابة الإرادة، واتساع دائرة الحالمين بالمستقبل.

الوسومصفاء الزين

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: صفاء الزين المکو نات

إقرأ أيضاً:

خالد الجندي: عصر التزييف الرقمي يفرض علينا حسن الظن.. وسوء الظن يهدم المجتمعات

حذر الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، من تصاعد ما وصفه بـ“عصر الفتن الرقمية” مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الواقع أصبح ممتزجًا بالمحتوى المزيّف، ما يجعل التمييز بين الحق والباطل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

التمسك بقيم أخلاقية راسخة

وأوضح  الجندي، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الثلاثاء، أن هذا الواقع الجديد يفرض على المجتمعات ضرورة التمسك بقيم أخلاقية راسخة، في مقدمتها “حسن الظن” و”التماس الأعذار”، مشيرًا إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، معتبرًا أن سوء الظن المتكرر يؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وانهيار الثقة بين الناس.

ثقافة حسن الظن

وأشار إلى أن المجتمعات في السابق، رغم غياب وسائل الإعلام الحديثة، كانت أكثر تماسكًا بفضل انتشار ثقافة حسن الظن، والتعامل بروح العذر والرحمة بين الناس، مؤكدًا أن هذه القيم كانت عنصرًا أساسيًا في حفظ استقرار المجتمع.

ما حكم انشغال القادم من الحج باستقبال الضيوف وترك صلاة الجماعة بالمسجد؟ما حكم صلاة المرأة كاشفة شعرها فى بيتها؟.. الإفتاء تجيب

واستشهد بما نُقل عن بعض السلف الصالح، ومنهم ما رُوي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال”، في إشارة إلى ضرورة عدم الانسياق وراء الشائعات أو الروايات غير الموثوقة.

التزكية والأخلاق

وأشار إلى ما ورد عن العلماء في تراث التزكية والأخلاق، ومنه قول سعيد بن المسيب رحمه الله: “ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك”، موضحًا أن الأصل في التعامل بين الناس هو حمل أفعال الآخرين على الخير ما أمكن.

وأكد أن النصوص القرآنية والسنة النبوية دعت إلى هذا المعنى، مستشهدًا بقوله تعالى في سورة الحجرات، داعيًا إلى تجنب الظنون السيئة التي تزرع القطيعة بين الناس.

التسرع في الحكم على الآخرين

وشدد الجندي على أن التسرع في الحكم على الآخرين، أو الانسياق وراء محتوى مجهول المصدر عبر وسائل التواصل، يؤدي إلى فقدان الثقة وتفكك العلاقات، مؤكدًا أن “حسن الظن” ليس سذاجة، بل هو وعي أخلاقي يحمي المجتمع من الانهيار النفسي والاجتماعي.

ونبه على أن التماس الأعذار والبحث عن التفسير الإيجابي لسلوك الآخرين يخفف من التوتر الاجتماعي، ويحفظ المودة بين الناس، ويمنع تراكم الضغائن التي تهدد استقرار الأسر والمجتمعات.

طباعة شارك خالد الجندي التزييف الرقمي حسن الظن الظن سوء الظن الشيخ خالد الجندي

مقالات مشابهة

  • المتحدث باسم الصليب الأحمر الدولي لـ «الاتحاد»: 33 مليون سوداني بحاجة إلى مساعدات في مجالات الرعاية والحماية
  • صبري عبد المنعم: سهام جلال كانت تبحث عن عمل
  • حسني بي: الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقدا لا إلى المهرب سعرًا
  • أذكار المساء اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026.. «رددها الآن»
  • خالد الجندي: عصر التزييف الرقمي يفرض علينا حسن الظن.. وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • الصحة ووقاية المجتمع تنتهي من تنفيذ حملة حج صحي وآمن بالتعاون مع الجهات الاتحادية والمحلية
  • الدفاع المدني اللبناني: انتشال 6 جثث من تحت أنقاض مبنى استُهدف جنوب لبنان
  • سامر أبو طالب يهاجم رامي صبري: مش بيرد على الرسايل
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"
  • محافظ القاهرة: تبادل الخبرات بين المدن العربية ضرورة لمواجهة التحديات المشتركة