د. أمل منصور تكتب: كانت السند فصارت المستبدَلة.. عن الخذلان الذي يأتي من أقرب الدوائر
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
ليست كل النساء قويات لأنهن لا يتألمن، بعضهن قويات لأنهن تعلمن كيف يخفين الألم خلف واجبات لا تنتظر، ومسؤوليات لا تؤجل، وبيوت إن انهارت سقط فوق رؤوس أطفال لا ذنب لهم. هي المرأة التي تبدأ يومها قبل الجميع، وتنهيه بعد الجميع، تحمل تفاصيل البيت كما لو كانت جزءًا من جسدها، وتتعامل مع مشاق الحياة باعتبارها قدَرًا لا خيار فيه، لا بطولة تنتظر ثمنها، ولا شكرًا يُقال في آخر الليل.
هي التي تعرف مزاج زوجها من صوت خطواته، وتعرف ضيق الرزق قبل أن يُقال، وتتحمل قسوته حين يضيق صدره، وتلتمس له الأعذار حين يقصر، وتؤجل أحلامها الصغيرة لأن استقرار البيت يبدو أهم، وتُربّي نفسها على الصبر لا لأن الصبر سهل، بل لأن البديل مخيف. تبني بيتها كما تُبنى الجدران الحاملة: صامتة، ثابتة، لا يراها أحد لكنها إن انكسرت انهار كل شيء.
تمر السنوات، وتعتقد – بسذاجة النية لا بضعف العقل – أن ما تزرعه سيعود أمانًا، وأن التحمل سيُثمر تقديرًا، وأن الوفاء لا يمكن أن يُقابل إلا بوفاء. لا تدري أن بعض القلوب لا ترى ما أمامها لأنها اعتادت وجوده، وأن الاعتياد أخطر أعداء الحب، لأنه يجعل العطاء مشهدًا عاديًا، لا يُلتفت إليه إلا عند فقده.
ثم تأتي الخيانة لا كصفعة واحدة، بل كزحف بطيء. إعجاب يُستهان به، كلمات تُبرر على أنها “عادية”، حدود تُمسح تحت مسمى الثقة، وامرأة أخرى ليست غريبة، بل أقرب مما ينبغي. صديقة. امرأة دخلت البيت كمساحة أمان، جلست على الأريكة، شربت القهوة، سمعت الشكوى، عرفت التفاصيل، لمحت مواطن الضعف، وربما رأت في هذا الرجل ما لم تعد زوجته قادرة على إظهاره من شدة الإرهاق.
وهنا تتضاعف الخسارة. فالخذلان لا يأتي فقط من الزوج الذي انصرف قلبه، بل من الصديقة التي خانت معنى الصداقة قبل أن تخون امرأة. خيانة مركبة، قاسية، لأنها لا تسقط الثقة في شخص واحد، بل في دائرة كاملة كانت تُحسب آمنة. أن تُطعَن من الخلف مؤلم، لكن أن تأتي الطعنة من يد تعرف أين تؤلم، فهو وجع مختلف، أعمق، وأطول أثرًا.
يحاول البعض تبرير ما حدث بعبارات ملساء: القلوب لا تُجبر، النصيب، المشاعر أقوى من الجميع. تُقال هذه الجمل بسهولة شديدة على حساب امرأة دفعت عمرها، وصبرها، وهدوءها، وصحتها النفسية ثمنًا لبيت ظنّت أنه محصّن بالتضحيات. لا أحد يسألها كيف نامت ليلتها الأولى بعد الصدمة، ولا كيف واجهت المرآة، ولا كيف أعادت تفسير سنوات كاملة من حياتها وهي تحاول فهم متى تحوّلت من سند إلى عبء، ومن زوجة إلى خيار ثانٍ.
الأخطر أن الخيانة هنا لا تُواجه باعتراف صريح، بل تُغلّف أحيانًا بثوب “الحلال”. زواج يُعلن بعد علاقة بدأت في الظل، وكأن العقد الجديد يمحو كل ما سبقه من تجاوزات. وكأن الألم يُلغى بورقة، والخذلان يُغفر بتوقيع. يُطلب من المرأة أن تكون متفهمة، ناضجة، قوية، وأن تتقبل الأمر كواقع، بينما لم يُطلب من أحد أن يكون أمينًا من البداية.
تمر الزوجة بمرحلة قاسية من الهجر النفسي قبل الانفصال الفعلي. تشعر بأن الرجل الذي شاركته تفاصيل حياته أصبح غريبًا، حاضرًا جسدًا، غائبًا روحًا. تراقب تغيّره، صمته المختلف، شروده، اهتمامه المفاجئ بنفسه، وبروده غير المبرر. تشك، ثم تُقنع نفسها أن الشك خيانة، فتعود للصمت، حتى تنفجر الحقيقة دفعة واحدة.
وحين تقع الصدمة، لا تخسر زوجًا فقط، بل تخسر صورة نفسها كما كانت. تسأل: هل لم أكن كافية؟ هل أخطأت حين تحمّلت أكثر مما ينبغي؟ هل كان يجب أن أكون أقل طيبة، أقل صبرًا، أقل وفاءً؟ تبدأ في محاكمة ذاتها بدل أن تُدان الخيانة، لأن المجتمع درّب النساء على جلد أنفسهن أولًا، وعلى البحث عن الخطأ في المرآة لا في الفعل.
الأطفال، في كل هذا، يقفون في المنتصف. يرون البيت يتغير، الأم تنكسر وتحاول التماسك، الأب يعيد تشكيل حياته وكأن شيئًا لم يكن. تتبدل المفاهيم في عقولهم: الأمان، الأسرة، الثقة. يدفعون ثمن اختيارات لم يكونوا طرفًا فيها، ويُطلب منهم التكيّف سريعًا لأن “الكبار قرروا”.
والمجتمع؟ غالبًا لا يرحم. يطرح أسئلته القاسية على المرأة: لماذا لم تحافظي عليه؟ لماذا أدخلتِ صديقتك بيتك؟ ماذا ينقصك؟ أسئلة لا تُطرح بنفس الحدة على الرجل، ولا على الصديقة، وكأن المرأة مطالبة بحراسة الجميع، وإن خان أحدهم، فهي المسؤولة لأنها وثقت.
لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون مواجهتها، أن بعض الرجال لا ينجرفون لأن زوجاتهم قصرن، بل لأنهم لم يتعلموا كيف يحافظون على ما هو ثابت. يفتنون بالجديد لأنه جديد، لا لأنه أفضل. يهربون من عمق العلاقة إلى سطح الإعجاب، ومن مسؤولية الشراكة إلى نشوة الاختيار.
تبقى المرأة، بعد كل هذا، أمام مفترق طرق قاسٍ: إما أن تغرق في دور الضحية، أو أن تعيد بناء نفسها من تحت الركام. وليس في إعادة البناء خيانة للبيت أو للأبناء، بل محاولة نجاة. أن تفهم أن التضحية التي لا تُقابل بالاحترام ليست فضيلة، وأن الصبر الذي يُكافأ بالخذلان ليس قدرًا مقدسًا.
أن تدرك أن كونها كانت سندًا لا يعني أن تُدفن تحت أنقاض ما انهار، وأن الاستبدال لا ينتقص من قيمتها، بل يكشف ضيق أفق من استبدل. فبعض الخسارات، رغم قسوتها، تفتح بابًا لوعي جديد، ولحدود أكثر وضوحًا، ولنفس تُقدَّر أخيرًا لأنها تعلمت أن تحمي نفسها.
هي لم تخسر لأنها أحبت، ولم تُهزم لأنها صبرت، لكنها دفعت ثمن الوفاء في عالم لا يجيد رد الجميل. ومع ذلك، تظل الحقيقة الأهم: من كان سندًا مرة، يستطيع أن يكون سندًا لنفسه، وأن ينهض، لا لينسى، بل ليتجاوز، لا لينتقم، بل ليعيش حياة تليق بما قدمه يومًا دون مقابل.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الألم النساء المرأة
إقرأ أيضاً:
نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
في قلب حواري المطرية، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتثقل الوجوه بملامح الاحتياج، تظهر أحيانًا شخصيات تفرض حضورها بقوة داخل مجتمعات مهمشة تبحث عن طوق نجاة. ومن بين هذه النماذج، برز اسم "أم صلاح" كحالة استثنائية، جمعت بين العطاء الواسع، والغموض العميق.
في ظاهرها، تبدو سيدة بسيطة، بملابس عادية، تقيم في منطقة الخارجة بالمطرية، لا توحي بأي مظهر من مظاهر النفوذ أو الثراء. لكن ما يحدث خارج هذا الإطار البسيط، يطرح تساؤلات أكبر من الصورة الظاهرة.
ففي منطقة أخرى، وتحديدًا داخل حارة ضيقة بكورنيش مسطرد، وعلى مسافة بعيدة نسبيًا من محل سكنها، استأجرت "أم صلاح" شقة تحولت مع الوقت إلى مقر دائم لنشاط واسع النطاق. هذه الشقة، التي تقع أمام سور تابع لمعسكر قوات مسلحة، وعلى مقربة من إحدى بواباته، لم تعد مجرد وحدة سكنية، بل أصبحت مركزًا لإدارة شبكة توزيع منظمة.
داخل هذا المكان، تتكدس المواد الغذائية بكميات كبيرة، وتتحرك منظومة توزيع تبدو أقرب إلى العمل المؤسسي، رغم غياب أي كيان رسمي أو تسجيل قانوني.
تشير التقديرات داخل الحي إلى أن ما يقرب من 200 أسرة تستفيد من هذا النشاط، حيث تحصل كل أسرة على نحو 1000 جنيه، إلى جانب السلع الغذائية. كما تقوم "أم صلاح" بدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز لبعض الأسر، وهو ما يعكس حجم إنفاق شهري ضخم، يتجاوز بكثير قدرات أي عمل فردي بسيط.
لكن التحول الأهم لم يكن في حجم العطاء… بل في طبيعته.
فمع مرور الوقت، لم يعد الدعم مقتصرًا على الأكثر احتياجًا، بل امتد في بعض الحالات إلى أشخاص لا تنطبق عليهم معايير الفقر، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل الهدف هو الإغاثة فقط… أم بناء قاعدة نفوذ أوسع؟
ومع اقتراب المواسم الكبرى، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية و البرلمانية ، بدأت ملامح هذا النفوذ تظهر بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد العطاء منفصلًا عن التوجيه، بل أصبح – وفق ما يتردد – مرتبطًا بإشارات غير مباشرة، وأحيانًا واضحة، لتوجيه الناس نحو مواقف انتخابية معينة.
وهنا يتحول الفقر من حالة إنسانية… إلى أداة تأثير.
ولتعزيز هذا الدور، لم يقتصر النشاط على الدعم المادي فقط، بل امتد إلى المجال الديني، من خلال تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن داخل نفس الشقة، وجذب الأطفال والشباب بشكل مستمر. كما تم استقطاب بعض الأشخاص من خارج المنطقة، للإقامة داخل المقر بحجة التحفيظ، ما يجعل المكان نقطة تجمع دائمة، ليس فقط لتلقي المساعدات، بل لتلقي التوجيه أيضًا.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
فقد بدأت "أم صلاح" في جمع نسخ من بطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، ووثائق الزواج والطلاق، وشهادات الوفاة، بالإضافة إلى فواتير الخدمات الخاصة بالأسر التي تتلقى الدعم. هذا الكم من البيانات الشخصية، الذي يتم جمعه خارج أي إطار رسمي أو رقابي، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة استخدامه، والهدف الحقيقي من تجميعه، خاصة و أن ظهور ام صلاح كان قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة .
ورغم كل هذا النشاط، لا توجد أي جهة معلنة تقف خلف "أم صلاح". لا جمعية مسجلة، ولا كيان خيري معروف، ولا مصدر تمويل واضح. كل ما هو موجود، هو شبكة توزيع واسعة، وتأثير متزايد، وغموض يحيط بكل التفاصيل.
ومع تكرار المشهد، تحولت "أم صلاح" في نظر البعض إلى ما يشبه "الشخصية المقدسة"، التي لا يجوز انتقادها أو التشكيك فيها، وهو ما يعكس مدى تغلغل هذا النموذج داخل المجتمع.
القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان، خاصة في المجتمعات المهمشة، حيث يصبح الاحتياج مدخلًا سهلًا للتأثير، في ظل غياب البدائل والرقابة.
إن أخطر ما في هذا النموذج، ليس في حجم ما يُقدم من مساعدات، بل في غياب الشفافية، وتحول العطاء إلى أداة نفوذ ناعم، يصعب ملاحظته، لكنه شديد التأثير.
وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:
هل نحن أمام عمل خيري خالص؟
أم أمام منظومة غير معلنة تستخدم العطاء كوسيلة للسيطرة والتوجيه؟
الإجابة قد تكون معقدة…
لكن تجاهل السؤال، هو الخطر الحقيقي.
من الناحية الاجتماعية، تكشف هذه النماذج عن طبيعة العلاقات داخل المجتمعات الهشة، حيث يتحول مقدم المساعدة إلى مركز ثقل اجتماعي، يعاد حوله تشكيل شبكات من الولاء والاعتماد. ومع الوقت، قد تتراجع مؤسسات الدولة أو تغيب في الوعي الجمعي لصالح هذا النوع من "الفاعل المحلي"، مما يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع، تقوم على الحاجة بدل الحقوق، وعلى الامتنان بدل المواطنة.
أما من الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النوع من الأنشطة خارج الأطر الرسمية يفتح الباب أمام توظيف غير مباشر للنفوذ الاجتماعي في التأثير على السلوك العام، خصوصًا في لحظات مثل الانتخابات أو الأزمات. وهنا يصبح العطاء أداة ناعمة لتشكيل الاتجاهات، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، وهو ما يجعل رصده أو قياس تأثيره أكثر صعوبة، رغم فعاليته العالية على أرض الواقع.