"شبكة المنظمات": استهداف المؤسسات الدولية يفاقم الإبادة في غزة
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
غزة - صفا
أعربت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية عن استنكارها الشديد إزاء الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة التي تستهدف تقييدا أو تعليق عمل المؤسسات الإنسانية الدولية العاملة في فلسطين، ولا سيما في قطاع غزة، في وقت يمر فيه السكان المدنيون بأزمة إنسانية وصحية غير مسبوقة.
ورأت الشبكة في بيان لها، الأربعاء، أن هذا الإجراء الإسرائيلي يندرج ضمن سياسة أوسع تهدف لاستمرار جريمة الإبادة المفتوحة من خلال إحكام الحصار الخانق وتقنين إدخال المساعدات لقطاع غزة وسط كارثة إنسانية يعيشها النازحون ومع انتشار الأمراض والأوبئة والنقص الحاد في الأغذية والمستلزمات الطبية.
وأضافت أن هذه المساعي لا تنفصل عن ممارسات الاحتلال العدوانية في الضفة الغربية والقدس لإطباق الخناق على أبسط مقومات الحياة عبر مسلسل الإعدامات والقتل اليومي، وتصعيد وتيرة البناء الاستيطاني وحملات التطهير العرقي، واستهداف المخيمات لإعادة هندسة الوعي الجمعي والعمل على شطب حق العودة بعد التصويت على قانون قطع الإمدادات بما فيها المياه والوقود والكهرباء عن المقر الرئيس لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، واستهداف المؤسسات الأهلية الفلسطينية كما حدث مع اتحاد لجان عمل الزراعي وبنك البذور في محافظة الخليل خلال الأسابيع الماضية.
وأكدت الشبكة أن الإحتياجات الإنسانية المتزايدة تتطلب رفع وتسهيل منسوب التدخلات الإنسانية لا وضع العراقيل أمامها.
كما وأكدت الشبكة أن العمل الإنساني والصحي محمي بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، التي تُلزم قوة الاحتلال بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وضمان استمرار
الخدمات الصحية والإنسانية دون عوائق.
وأضافت أن أية إجراءات من شأنها تعطيل أو تقييد عمل المؤسسات الإنسانية والصحية تُعرّض حياة المرضى والجرحى للخطر، وتُقوّض الحق الأساسي في الصحة، وتزيد من معاناة المدنيين، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن.
وشددت الشبكة على أن المؤسسات الدولية والمؤسسات الشريكة لها تعمل وفق مبادئ الحيادية والاستقلال.
وطالبت بضمان حماية العمل الإنساني والمؤسسات الإنسانية والعاملين فيها، وعدم اتخاذ إجراءات جماعية تعيق تقديم الخدمات الإنسانية، وتمكين المؤسسات الإنسانية من أداء دورها دون تدخل أو قيود تعسفية.
وأشارت إلى أن اجراءات حكومة الاحتلال الأخيرة اثبتت كأنها لم تتخل عن مساعيها الممنهجة لإخضاع المجتمع الفلسطيني لظروف معيشية يراد بها تدميره المادي كلياً أو جزئياً.
كما وطالبت الشبكة المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والجهات المعنية إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية لضمان وصول الخدمات الصحية والإنسانية إلى جميع المدنيين دون استثناء، وإلى إنهاء منظومة السيطرة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، محاسبة المسؤولين عن هذه الإنتهاكات الفظيعة للقانون الإنساني والقانون الإنساني الدولي.
المصدر
المصدر: وكالة الصحافة الفلسطينية
كلمات دلالية: غزة المؤسسات الإنسانیة
إقرأ أيضاً:
تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.
الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني