الحسيني الكارم يكتب: من أين جاءت الأموال الانتخابية؟ سؤال مشروع واطمئنان واجب
تاريخ النشر: 1st, January 2026 GMT
ليس ما يُطرح هنا اتهامًا ولا محاولة للتشكيك في أحد بل هو حق طبيعي لكل مواطن أن يطمئن على وطنه وأن يفهم ما يجري حين تظهر ظواهر لافتة تستحق التوقف أمامها والحقيقة أن حجم الأموال التي دارت في الموسم الانتخابي الأخير سواء تلك التي ضُخت داخل بعض الأحزاب أو التي صُرفت في شراء الأصوات أو التي استُخدمت في الدعاية المبالغ فيها أصبح ظاهرة لا يمكن تجاهلها ليس لأنها شبهة فساد فقط بل لأنها علامة اقتصادية وأمنية تستوجب الدراسة.
فالمال السياسي ظهر بكثافة غير مسبوقة لكن مصدره ما زال مجهولًا وهذا وحده كافٍ لفتح باب الأسئلة.
أول أسباب القلق أن أحدًا لا يستطيع تقديم تفسير واضح لأسئلة بسيطة من أين جاءت هذه الأموال كيف خرجت بهذا الحجم وفي هذا الوقت القصير لماذا لم تُرصد عبر النظام المصرفي وكيف استطاع بعض المرشحين ضخ ملايين بلا أثر مالي معروف هذه الأسئلة ليست هجومًا على أحد لكنها ضرورية لأي دولة تريد حماية اقتصادها وأمنها الداخلي.
وعند قراءة المشهد بهدوء لا نجد أمامنا إلا احتمالين رئيسيين الأول أن تكون هذه الأموال من مصادر غير شرعية داخلية وهذا يعني وجود اقتصاد موازٍ يعمل خارج أعين الدولة وتجارة مجهولة الحجم والطبيعة وأموال مخزنة بعيدًا عن النظام المصرفي كل هذا يشكل تهديدًا للاقتصاد الرسمي لأنه يخلق حركة مال تحتية لا يمكن ضبطها أو فهم مخاطرها.
أما الاحتمال الثاني وهو الأخطر فهو أن تكون الأموال قادمة من خارج مصر دخول أموال سياسية من الخارج يحمل محاولة للتأثير على القرار الوطني أو شراء نفوذ داخل أحزاب أو كيانات سياسية أو توجيه المجال العام من خلال المال لا من خلال الإرادة الشعبية وهذا يمثل تهديدًا واضحًا للأمن القومي في أي دولة بالعالم.
طرح هذه الأسئلة اليوم ليس لأن هناك اتهامًا بل لأن الظاهرة لم تعد خافية حجم المال السياسي أصبح أكبر من أن يُرى كحماسة انتخابية وغياب الشفافية يزيد من قلق الناس خاصة حين يشعر المواطن أن هناك مالًا يتحرك بلا ضوابط أو رقابة ومن حق المواطن أن يقلق ومن واجب الدولة أن تطمئنه.
ولحماية الاستقرار تحتاج الدولة إلى إجراءات واضحة وهي:
- إعلان قواعد شفافة للتمويل السياسي
- تتبع مصادر الأموال الكبيرة التي تظهر في المواسم الانتخابية
- دمج الأحزاب في نظام محاسبي دقيق
- معالجة الاقتصاد الموازي الذي يعمل خارج البنوك وخارج الرقابة
هذه ليست إجراءات سياسية بقدر ما هي إجراءات حماية وطنية هدفها صيانة الثقة العامة وضمان ألا يتحول المال إلى أداة تهدد سلامة المجال العام.
لا أحد يريد إثارة الشك لكن الجميع يريد الاطمئنان والوطن لا يحميه الصمت بل يحميه الوضوح إن ضخ أموال مجهولة المصدر في موسم انتخابي قصير ليس تفصيلًا عابرًا بل ظاهرة تستحق تفسيرًا صريحًا.
ولأننا نحب هذا البلد ونخاف عليه فمن حقنا أن نسأل ومن واجب الدولة أن تجيب حتى تبقى الثقة محفوظة والأمن مستقرًا والاقتصاد قويًا.
المصدر
المصدر: بوابة الفجر
كلمات دلالية: الموسم الانتخابي الاحزاب أخبار انتخابات مجلس النواب
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..