الضفة الغربية - ترجمة صفا

مع مرور أكثر من عامين على حرب الإبادة في غزة، تتعمّق تداعيات قرار الحكومة الإسرائيلية إلغاء تصاريح العمل للفلسطينيين، لا سيما في قطاع البناء، لتتحول الأزمة من إجراء أمني مؤقت إلى زلزال اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.

وقال تقرير لمجلة "نيو لاينز" إن غياب العمال الفلسطينيين، الذين شكّلوا لعقود العمود الفقري لقطاعات حيوية في "إسرائيل"، أدى إلى خسائر فادحة في الاقتصاد الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه إلى انهيار واسع في اقتصاد الضفة الغربية وارتفاع حاد في البطالة والفقر.

فمنذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، اعتمدت "إسرائيل" بشكل منهجي على العمالة الفلسطينية الرخيصة، خصوصاً في أعمال البناء والزراعة والخدمات. وعلى الرغم من الخطاب الصهيوني التقليدي الذي مجّد “العمل العبري”، ظلّ الواقع الاقتصادي قائماً على قوة عمل فلسطينية ماهرة ومتاحة. ومع فرض نظام الإغلاقات وبناء الجدار الفاصل في منتصف التسعينيات، انتقل هذا الاعتماد إلى إطار تصاريح عمل معقّد وفاسد في كثير من الأحيان، لكنه استمر بوصفه ركيزة أساسية للاقتصاد الإسرائيلي.

وعشية هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان نحو 120 ألف فلسطيني من الضفة الغربية يعملون داخل "إسرائيل" بتصاريح رسمية، إضافة إلى 40 ألفاً في المستوطنات، فضلاً عن عشرات الآلاف الذين كانوا يتسللون يومياً للعمل دون تصاريح. شكّل دخول هؤلاء ما يقارب ثلث الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية، ومصدر العيش الأساسي لمئات آلاف الأسر.

غير أن قرار وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلغاء التصاريح أحدث صدمة فورية. فقد انكمش اقتصاد الضفة الغربية بنحو 30%، وانخفض متوسط دخل الفرد بأكثر من 20%، ووجد نحو 300 ألف شخص أنفسهم بلا عمل بين ليلة وضحاها.

ومع ضعف موارد السلطة الفلسطينية وحجب "إسرائيل" لعائدات الضرائب، تراجعت رواتب الموظفين وتأخرت، ما دفع آلاف العائلات إلى استنزاف مدخراتها وبيع ممتلكاتها والدخول في دوامة ديون خانقة.

ففد وصفت تقارير للبنك الدولي ومنظمة العمل الدولية هذا الانهيار بأنه “كارثي” و”غير مسبوق”.

في المقابل، انعكست الأزمة بقوة على إسرائيل نفسها. فقد شُلّ قطاع البناء، وتوقفت أو تباطأت آلاف المشاريع السكنية والبنى التحتية، من "تل أبيب" إلى باقي المدن. وبحسب معطيات رسمية، خسر قطاع البناء في عام 2024 وحده نحو 98 مليار شيكل، أي قرابة 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغت الخسائر الإجمالية منذ أكتوبر 2023 حتى أكتوبر 2025 نحو 131 مليار شيكل.

وقال تقرير المجلة إن أزمة السكن في مدن الكيان تفاقمت وارتفعت كلفة البناء، وأفلس مقاولون، فيما تعثرت مشاريع كبرى مثل القطار الخفيف في "تل أبيب".

وحاولت الحكومة الإسرائيلية سدّ النقص عبر استقدام عمال من آسيا وإفريقيا، إلا أن هذه الجهود اصطدمت ببطء بيروقراطي ونقص الخبرة وصعوبات لغوية، ما جعلها غير قادرة على تعويض العمال الفلسطينيين. حتى عمال القد، الذين طُرحوا كبديل، طالبوا بأجور مرتفعة لا يستطيع المقاولون تحمّلها. ويقرّ مسؤولون في قطاع البناء بأن "إسرائيل" لا تستطيع الاستغناء عملياً عن العمالة الفلسطينية.

في المقابل؛ فإن السلطة الفلسطينية لم تكتفَ بخفض رواتب موظفيها مرة أخرى، بل بدأت أيضاً بتأخير صرفها لأسابيع. في غضون أشهر، تحولت أسر كانت تعيش حياة كريمة براتب عامل بناء إلى أسر معدمة؛ فقد أنفقوا مدخراتهم أولاً، ثم باعوا مجوهراتهم الذهبية، وفي غضون أشهر قليلة تراكمت عليهم الديون.

أما الآن، فقد عجز عمال البناء العاطلون عن العمل عن سداد أقساط قروضهم، وهو ما يُشكّل بالطبع مشكلةً للبنوك أيضاً.

في ظل هذا الواقع، لجأ آلاف الفلسطينيين العاطلين إلى التسلل مجدداً للعمل داخل الكيان، رغم المخاطر المتزايدة من الاستغلال والاعتقال وحتى القتل، بعد أوامر رسمية بإطلاق النار على المتسللين.

ويعيش كثير أولئك في ظروف قاسية، مختبئين في مواقع مهجورة أو محميات طبيعية، بلا دخل منتظم ولا حماية.

سياسياً، يُرجع كثير من الإسرائيليين استمرار الحظر إلى حسابات الائتلاف الحاكم، إذ يتجنب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الصدام مع بن غفير، رغم إدراكه الكلفة الاقتصادية والأمنية للقرار. ومع أن بعض الأصوات في الإعلام العبري بدأت تحذّر من أن منع العمال الفلسطينيين يضرّ ب"إسرائيل" نفسها، لا تزال الحكومة متمسكة بسياسة الإغلاق، في سابقة لم يشهدها تاريخ الإغلاقات السابقة.

في عام 2024، خسر قطاع البناء في الكيان 98 مليار شيكل (حوالي 31 مليار دولار بسعر الصرف، ويمثل هذا حوالي 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي للكيان، ونحو 45% من إنتاج القطاع في ذلك العام. وبالمجمل، من أكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2025، خسر قطاع البناء الإسرائيلي ما مجموعه 131 مليار شيكل. في غضون ذلك، يعاني عشرات الآلاف من الفلسطينيين في الضفة الغربية ممن يحملون تصاريح عمل وسنوات من الخبرة، على الجانب الآخر من الجدار، عاطلين عن العمل.

في المحصلة، تكشف أزمة العمالة الفلسطينية أن السياسات العقابية، حتى عندما تُسوَّق تحت عنوان “الأمن”، يمكن أن ترتدّ بأضرار جسيمة على من يفرضها.

المصدر

المصدر: وكالة الصحافة الفلسطينية

كلمات دلالية: عمال الضفة العمال الفلسطینیین الضفة الغربیة قطاع البناء ملیار شیکل

إقرأ أيضاً:

NYT: الأردن يتمسك بوجود القوات الأمريكية رغم تحول المملكة إلى هدف لإيران

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرًا لمراسلتها رجا عبد الرحيم من العاصمة الأردنية عمّان، قالت فيه إن الأردن شكّل، على مدى ثلاثة عقود تقريبًا، قاعدة مهمة للعمليات العسكرية الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط.

والآن، يدفع الأردن الثمن؛ فقد كثفت إيران في الأيام الأخيرة ضرباتها الجوية ضد المملكة، مستهدفة القوات العسكرية الأمريكية الموجودة هناك.

ومع ذلك، ورغم دوي صافرات الإنذار في الأجواء الأردنية، فقد أحجمت المملكة عن تقييد الوجود الأمريكي. ويقول محللون إن اعتماد البلاد الاستثنائي على الولايات المتحدة حال دون تقليص تلك الأنشطة العسكرية.

لقد أصبح الأردن يعتمد على الولايات المتحدة في الحصول على مليارات الدولارات كمساعدات اقتصادية وعسكرية -وهي مساعدات قُدمت على مدار عقود من العلاقات المشتركة- فضلًا عن اعتماده عليها لتوفير الحماية في منطقة محفوفة بالمخاطر.

وعلى عكس بعض جيرانه من دول الخليج العربية التي تتمتع بوفرة النفط والموارد الطبيعية الأخرى، يُعد الأردن دولة فقيرة الموارد ويعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية. ففي العام الماضي، قدمت الولايات المتحدة للمملكة 1.65 مليار دولار كمساعدات اقتصادية وعسكرية، وفقًا لمسؤولين أردنيين.

وفي حين قيّد بعض حلفاء أمريكا الآخرين في المنطقة قدرة واشنطن على نشر قوات على أراضيها أو تحليق الطائرات في أجوائها خلال الحرب مع إيران، يقول مسؤولون أمريكيون إن الأردن ليس في وضع يسمح له بفرض مثل هذه القيود.

يقول شون يوم، أستاذ العلوم السياسية في جامعة "تمبل" ومؤلف كتاب "الأردن: السياسة في بوتقة تشكلت بالصدفة": "الأردن دولة ضعيفة في الشرق الأوسط؛ فهي صغيرة نسبيًا ومحاطة بتهديدات إقليمية. وهي بحاجة إلى نوع من القوى العظمى الراعية أو الحامي الخارجي، وقد لعبت الولايات المتحدة هذا الدور على مدى عدة أجيال حتى الآن".

وأضاف يوم أن المساعدات التي يتلقاها الأردن من الولايات المتحدة، والتي تعود جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي، ضخمة للغاية لدرجة يصعب على أي طرف آخر توفيرها.


ومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران في أواخر شباط/ فبراير، ردت إيران جزئيًا من خلال شن ضربات استهدفت حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط.

وخلال الأشهر الأولى من الحرب، استهدفت إيران في المقام الأول إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج، لكنها وجهت أيضًا مئات المسيّرات والصواريخ نحو الأردن.

وسرعان ما ألحق الصراع الضرر بقطاع السياحة في الأردن -الذي يساهم بما يصل إلى 18% من إيرادات البلاد- وذلك بالتزامن مع بدء ذروة الموسم السياحي. ورغم اعتراض معظم الصواريخ والمسيّرات، فإن شركات الطيران ألغت رحلاتها، كما ألغى الزوار المحتملون حجوزاتهم الفندقية.

والآن، ومع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، كثف الجانبان هجماتهما، ووسعت إيران نطاق أهدافها في الأسابيع الأخيرة. فقد أعلن الجيش الأردني أن الدفاعات الجوية أسقطت يوم الأحد ثلاثة صواريخ إيرانية، في حين سقط صاروخ رابع في منطقة غير مأهولة بالسكان.

وقال حسن المومني، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية -وهو مركز أبحاث يقدم المشورة للحكومة الأردنية بشأن الأمن القومي-: "إن هذه الاستراتيجية الإيرانية القائمة على التصعيد العمودي ضد الجيران تهدف إلى ممارسة الضغط على هؤلاء الجيران، وكذلك على الولايات المتحدة".

وكانت إيران قد صرحت مؤخرًا بأن بعض ضرباتها الموجهة إلى الأردن استهدفت خزانات وقود في قاعدة "موفق السلطي" الجوية في الأزرق -وهي مركز عمليات للقوات الجوية الأمريكية- وحظائر طائرات في قواعد أخرى، وذلك وفقًا لما أوردته وكالة أنباء "فارس"، وهي وسيلة إعلام إيرانية شبه رسمية. وكانت إيران قد أعلنت في وقت سابق أنها استهدفت أنظمة رادار واتصالات تستخدمها القوات الأمريكية.

قُتل جنديان أمريكيان وفُقد أثر ثالث يوم الجمعة في هجوم إيراني استهدف قاعدة "موفق السلطي". كما أدت ثلاث هجمات أخرى استهدفت القوات الأمريكية في الأردن في وقت سابق من الأسبوع نفسه إلى إصابة العشرات من الجنود الأمريكيين وإلحاق أضرار بعدد من مروحيات "بلاك هوك".

لطالما عملت القوات الأمريكية انطلاقًا من القواعد الجوية الأردنية، حيث شكلت المملكة قاعدة لأنشطة عسكرية أمريكية شملت الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، وتدريب مقاتلي المعارضة خلال الحرب الأهلية السورية، وغزو العراق. ويوجد حاليًا ما يقرب من 4,000 عسكري أمريكي في البلاد، وفقًا لتقرير صادر عن الكونغرس.

وقد جرت تهيئة قاعدة "موفق السلطي" وغيرها من القواعد لاستيعاب وجود أمريكي دائم.

وفي هذا السياق، قال غرانت روملي، المستشار السابق لشؤون الشرق الأوسط في البنتاغون والباحث البارز حاليًا في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى": "لقد كانت البنية التحتية في الأردن قوية ومتينة للغاية من منظور أمريكي لفترة طويلة"، مشبّهًا إياها بـ"حاملة طائرات برية".


وأضاف روملي أن قاعدة "موفق السلطي" تتميز أيضًا بموقعها النائي نسبيًا، مما يتيح للقوات الأمريكية العمل دون لفت انتباه غير مرغوب فيه. ونظرًا لأن الأردن يقع على مسافة أبعد من إيران مقارنة بدول الخليج، فإن القوات الأمريكية المتمركزة فيه تحظى بوقت أطول للاستجابة للهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات.

وذكر مسؤولون أمريكيون أنه في الفترة التي سبقت الحرب مع إيران وفي أيامها الأولى، نقل الجيش الأمريكي بعض قواته من عدة دول عربية خليجية إلى مواقع أكثر أمانًا نسبيًا في الأردن وإسرائيل المجاورة.

وقال المومني: "لقد كشفت الحرب مع إيران عن مدى أهمية الأردن بالنسبة للولايات المتحدة". وأشار إلى أن واشنطن زادت مساعداتها العسكرية للأردن بمقدار نصف مليار دولار خلال هذا العام.

وكثيرًا ما يشدد المسؤولون الأردنيون على الأهمية الاستراتيجية لعلاقة بلادهم بالولايات المتحدة. ففي مكالمة هاتفية مع الرئيس ترامب في شهر نيسان/ أبريل، أكد الملك عبد الله الثاني الدور المحوري الذي تلعبه واشنطن في الشرق الأوسط، وتحديدًا فيما يتعلق بآفاق خفض التصعيد في الصراع مع إيران.

وناقش قائد الجيش الأردني، اللواء يوسف الحنيطي، ومساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي، دانيال زيمرمان، في وقت سابق من هذا الشهر، سبل توسيع التعاون العسكري بشكل أكبر، وذلك وفقًا لما ذكرته وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا).

ونادرًا ما تتحدث الحكومة الأردنية علنًا عن الوجود العسكري الأمريكي المكثف في البلاد. كما لم يوجه الأردن انتقادات علنية للولايات المتحدة بشأن الضربات الجوية التي شنتها ضد إيران أو بشأن خوض الحرب جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، رغم أن محللين يشيرون إلى أن الحكومة كانت تعارض الصراع بشدة منذ بدايته.

وقد أدان مسؤولون أردنيون مرارًا وتكرارًا الهجمات الإيرانية التي استهدفت الأراضي الأردنية؛ وفي الأسبوع الماضي، صرح وزير الخارجية أيمن الصفدي بأن المبرر الإيراني لتلك الضربات -القائل بوجود قواعد أمريكية- هو ادعاء باطل.

وقال الصفدي خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن "منتدى أسبن للأمن": "لا توجد قواعد أمريكية في الأردن. لدينا قوات أمريكية تتواجد في المملكة في إطار تعاوننا العسكري طويل الأمد، ويخضع وجودها لاتفاقية دفاعية تحترم سيادتنا بشكل كامل".

وأكد المومني أن الأردن لن يفكر في إعادة تقييم تحالفه مع الولايات المتحدة رغم تلك الهجمات، مشددًا على أنه "لا يمكن للأردن، تحت أي ظرف من الظروف، تغيير شراكته الاستراتيجية".

كما أشار يوم إلى عدم وجود أي مطالبة فعلية أو ذات شأن في الأردن تدعو إلى التخلي عن الاعتماد على الولايات المتحدة.

مقالات مشابهة

  • الخارجية البريطانية: على إسرائيل تمكين دخول المساعدات والسلع إلى غزة بالكميات المطلوبة ‏
  • 3.12 مليار دولار مساعدات الإمارات إلى غزة منذ عام 2023
  • اليوم.. غلق كلي بمحور الفريق كمال عامر لرفع كمرة مونوريل 6 أكتوبر.. وهذه التحويلات المرورية
  • 24 عملًا مقاومًا في الضفة الغربية خلال 48 ساعة
  • الأمم المتحدة: “إسرائيل” عززت سيطرتها على غزة والمدنيون ما زالوا يُقتلون رغم إعلان وقف النار
  • اتحاد العمال والمقاولون يعززون منصة بناء الإنشائية
  • 5 دروس من النصف الأول لعام 2026 ستحدد ملامح قطاع البناء في الإمارات خلال النصف الثاني من العام
  • NYT: الأردن يتمسك بوجود القوات الأمريكية رغم تحول المملكة إلى هدف لإيران
  • حصار وملاعب مدمرة.. كرة القدم الفلسطينية تتحدى العدوان وتعود للحياة
  • اليونان تقرر شراء درع أخيل من إسرائيل بقيمة 2.8 مليار يورو