رسالة من الرياض.. إعلامي يمني يعلن دعمه لوحدة السودان وجيشه
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
وجه رئيس قطاع التلفزيون الحكومي اليمني، جميل عز الدين، رسالة سياسية مطولة إلى الشعب السوداني، عبر فيها عن دعمه الكامل لوحدة السودان ولمؤسسته العسكرية، في ظل الحرب الدامية التي يشهدها البلد منذ أكثر من عام، وما رافقها من تدخلات إقليمية متشابكة.
وجاءت رسالة عز الدين، التي ألقاها من مقر القناة الرسمية في العاصمة السعودية الرياض، محملة بخطاب قومي وإنساني، أشاد فيه بما وصفه بتاريخ السودان النضالي، وصمود شعبه في مواجهة ما سماها “مجازر عرقية” ترتكبها قوات الدعم السريع، محملا أطرافا إقليمية مسؤولية تغذية الصراع.
وقال عز الدين في مستهل رسالته: “يا أبناء السودان العظيم، أيها النابتون في حدائق الكرامة عزة وشموخا، الزارعون في صحاري الحرية أسمى معاني الصمود والثبات والانتصار للحق وللوطن”، مشيدا بما اعتبره دورا تاريخيا للسودانيين في ترسيخ قيم السيادة ورفض التبعية والانقياد.
رئيس قطاع التلفزيون الحكومي اليمني يوجه رسالة للسودان من مقر القناة في الرياض:
قريباً ستنتصر جميعا وتسقط دويلة الساحل العماني pic.twitter.com/oIiU21ZoLr — سمير النمري Sameer Alnamri (@sameer_alnamri) January 1, 2026
وأضاف مخاطبا السودانيين: “منكم تعلمنا كيف نكتب حروف الأبجدية الأولى في سفر الانتماء للوطن، وكيف نقرأ تاريخنا من الصفحة الأولى للمجد، إلى آخر فصول ملاحم النضال ضد هيمنة المستعمر الأجنبي ووكلائه”.
وأكد رئيس قطاع التلفزيون اليمني أن الشعب السوداني يواجه اليوم “معركة بقاء مصيرية”، في ظل ما وصفه بجرائم واسعة النطاق ترتكبها “وكلاء الموت” الذين “باعوا أوطانهم وضمائرهم بثمن بخس”، في إشارة إلى قوات الدعم السريع، التي وصفها بالعصابات “الجنجويدية”، متهما داعميها بتمويلها من ثروات السودان المنهوبة.
وشدد عز الدين على أن ما يجري في السودان يضع البلاد أمام خيارين لا ثالث لهما، إما البقاء دولة حرة عزيزة، أو التحول إلى تابع تفرض عليه الإرادة الخارجية، معربا عن ثقته بأن الشعب السوداني وجيشه “أسود الوغى وفرسان الميادين” لن يسمحوا بتمرير هذا السيناريو.
وفي هذا السياق، دعا عز الدين السودانيين إلى الاصطفاف الكامل خلف الجيش، واصفا إياه بأنه “جيش وطني لا يؤمن سوى بالله والوطن”، لم يبع نفسه – بحسب تعبيره – لمال أو نفوذ، ولم يكن يوما أداة بيد الخارج.
وقال: “كونوا مع جيشكم صفا واحدا في معركة استعادة الأرض وصون الكرامة، والدفاع عن كل شبر من أرض السودان العظيم”، مستشهدا بأبيات للشاعرة السودانية روضة الحاج، تعبر عن التمسك بالوطن مهما بلغت التضحيات.
وتأتي هذه التصريحات في وقت أعلن فيه السودان، مطلع أيار/مايو الماضي، قطع علاقاته الدبلوماسية مع دولة الإمارات، متهما إياها بشن “عدوان” على البلاد عبر دعم قوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش السوداني.
في المقابل، نفت أبوظبي مرارا تقديم أي دعم عسكري أو لوجستي لتلك القوات، مؤكدة عدم تدخلها في الشأن الداخلي السوداني.
غير أن عز الدين ذهب أبعد من ذلك، معتبرا أن التدخل الخارجي، ولا سيما من جانب الإمارات، لعب دورا حاسما في تفكيك الدولة السودانية وتحويل المرحلة الانتقالية إلى صراع دموي يخدم أجندات إقليمية أوسع، من بينها – بحسب وصفه – مصالح استراتيجية إسرائيلية تستهدف تفتيت الدول العربية الكبرى.
وربط عز الدين بين ما يجري في السودان والتطورات في اليمن، مشيرا إلى أن الدور الإماراتي في البلدين يتقاطع عند دعم قوى انفصالية ومليشيات مسلحة، من بينها دعمها لقيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي، مثل عيدروس الزبيدي، إلى جانب شخصيات أخرى كطارق صالح، وهو ما اعتبره تقويضا مباشرا لوحدة اليمن وإطالة أمد الحرب.
وأشار إلى أن هذا الدور يسهم في إضعاف أي أفق لتسوية سياسية شاملة، عبر إبقاء البلاد في حالة صراع دائم يخدم حسابات إقليمية.
وتشهد الساحة اليمنية، منذ أيام، تصعيدا غير مسبوق عقب سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، منذ أوائل كانون الأول/ديسمبر الماضي، على محافظتي حضرموت والمهرة شرقي البلاد، اللتين تمثلان نحو نصف مساحة اليمن، وترتبطان بحدود مباشرة مع السعودية.
وفي هذا السياق، اتهمت الرياض، الثلاثاء الماضي، دولة الإمارات بـ”دفع قوات المجلس الانتقالي لتنفيذ عمليات عسكرية” على الحدود الجنوبية للمملكة، وهو ما نفته أبوظبي بشكل قاطع.
كما تصاعد التوتر إثر شن التحالف العربي غارة جوية استهدفت ما قال إنها شحنة أسلحة وصلت إلى ميناء المكلا الخاضع لسيطرة المجلس الانتقالي، قادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي على متن سفينتين.
وردت الإمارات بالقول إن الشحنة كانت مخصصة لقواتها فقط، وأعلنت لاحقا إنهاء مهام ما تبقى من فرقها لمكافحة الإرهاب في اليمن، مؤكدة أنها أنهت وجودها العسكري ضمن التحالف منذ عام 2019.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة عربية اليمني السوداني السعودية الدعم السريع الإمارات السعودية السودان اليمن الإمارات الدعم السريع المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المجلس الانتقالی عز الدین
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.