تنصيب زوهران ممداني: دلالات تتجاوز نيويورك.. وتخاطب السودان

إبراهيم أحمد البدوي عبد الساتر

تابع الأمريكيون، ومعهم العالم، حدثاً سياسياً لافتاً تمثّل في تنصيب زوهران ممداني عمدةً لمدينة نيويورك. وممداني شاب مسلم من أصول هندية، وُلد في أوغندا، وهاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي.

وقد استطاع، في واحدة من أكثر مدن العالم تنوعاً وتعقيداً، أن يبني حركة سياسية تقدمية عابرة للهويات الدينية والإثنية، داخل الحزب الديمقراطي، وأن يحقق فوزاً كاسحاً عبر تبنّي أجندة واضحة تحت شعار “تعزيز القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة” (Affordability) ، في مدينة يقطنها أكثر من ثمانية ملايين ونصف المليون نسمة.

وقد يبدو هذا الحدث، للوهلة الأولى، بعيداً عن السودان والسودانيين الغارقين في أهوال الحرب، وانعدام الأمن، ومكابدة الجوع، وسط سطوة أمراء الحرب وحكّام الأمر الواقع. غير أنني أزعم أن لهذا الحدث مغازٍ ودلالات عميقة، بل دروساً مباشرة، تستحق التوقف عندها من منظور سوداني.

أولاً: نيويورك كقوة اقتصادية عالمية ودلالة “المدن المنتِجة”

تُعدّ مدينة نيويورك، من حيث ثقلها الاقتصادي، واحدة من أهم مدن العالم، إذ يُقدَّر الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة الحضرية الكبرى بنحو 2.3 تريليون دولار سنوياً. وهو رقم يضع مدينة واحدة في مرتبة تنافس – بل تتفوّق على – اقتصادات دول صناعية كبرى، ذات سيادة.

مقارنة مع بعض الولايات أمريكية: ناتج منطقة نيويورك الحضرية يعادل أو يتجاوز اقتصادات أغنى وأهم الولايات الأمريكية، مثلاً يعادل تقريباً اقتصاد ولاية تكساس (2.4 تريليون دولار)؛ أكبر بكثير من ولاية فلوريدا ( 1.4 تريليون) وولاية كارولينا الشمالية (820 مليار دولار)؛ يقارب كاليفورنيا إلى حدٍ ما، لكنه أدنى منها (كاليفورنيا حوالى 3.8 تريليون).

مقارنة مع دول أوربية: حجم الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة الحضرية لمدينة نيويورك يضع هذه المدينة الواحدة في مرتبة تنافس اقتصادات دول أوروبية كاملة. فعلى سبيل المثال، يفوق اقتصاد نيويورك اقتصاد دول صناعية عريقة مثل إيطاليا، ويزيد بنحو مرة ونصف على اقتصاد إسبانيا، ويتجاوز بأكثر من الضعف اقتصادات دول متقدمة مثل هولندا وسويسرا، وبنحو ثلاثة أضعاف اقتصاد بولندا. وتكشف هذه المقارنة أن التركز الحضري عالي الإنتاجية قادر على خلق قوة اقتصادية تضاهي دولاً ذات سيادة، بفضل ما تجمعه المدن الكبرى من تمويل، وخدمات متقدمة، وتكنولوجيا، وشبكات تجارة عالمية.

مقارنة مع دول آسيوية: لا تقل دلالة المقارنة مع آسيا وضوحاً؛ إذ يفوق اقتصاد نيويورك الحضري اقتصاد دول صناعية وصاعدة ذات كثافة سكانية عالية. فاقتصاد المدينة أكبر بنحو الثلث من اقتصاد كوريا الجنوبية، وبنحو مرة ونصف من اقتصاد إندونيسيا، وبقرابة الضعف من اقتصاد تركيا، وبأكثر من أربعة أضعاف اقتصاد تايلند، ونحو خمسة أضعاف اقتصاد فيتنام. وتبرز هذه الفجوة كيف يمكن لمدينة عالمية واحدة أن تتفوّق اقتصادياً على دول تضم عشرات، بل مئات الملايين من السكان، عندما تتكامل فيها مؤسسات السوق، ورأس المال البشري، والبنية التحتية، والقدرة على الابتكار.

مقارنة مع دول أفريقية: يُظهر حجم الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة الحضرية لمدينة نيويورك – المقدَّر بنحو 2.3 تريليون دولار – فجوةً هائلة عند مقارنته باقتصادات الدول الإفريقية، إذ يفوق اقتصاد مدينة واحدة اقتصادات معظم دول القارة على مستوى الدولة. فهو أكبر بأضعاف من اقتصاد نيجيريا، أكبر اقتصاد إفريقي، الذي يقدَّر بنحو 450–500 مليار دولار، ويتجاوز بقدر مماثل اقتصاد جنوب إفريقيا البالغ نحو 380–400 مليار دولار، وكذلك اقتصاد مصر في حدود 350–400 مليار دولار. كما يزيد اقتصاد نيويورك بنحو خمسة عشر ضعفاً على اقتصاد إثيوبيا (نحو 150–160 مليار دولار)، وبما يقارب عشرين ضعفاً على اقتصاد كينيا (نحو 110–120 مليار دولار). وتبرز هذه المقارنة، بجلاء، مدى التركز الشديد للقيمة المضافة والإنتاجية في المدن العالمية الكبرى، في مقابل هشاشة وتجزؤ القاعدة الإنتاجية في معظم الاقتصادات الإفريقية.

مقارنة مع دول عربية: يُبيّن حجم الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة الحضرية لمدينة نيويورك اتساع الفجوة بينها وبين معظم الاقتصادات العربية؛ إذ يفوق اقتصاد نيويورك اقتصاد المملكة العربية السعودية، أكبر اقتصاد عربي، بنحو الضعف، ويتجاوز اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة بما يقارب أربع إلى خمس مرات. كما يزيد بنحو ستة أضعاف على اقتصاد مصر، وبنحو عشرة أضعاف على اقتصاد قطر، ويقارب في حجمه مجموع اقتصادات الأردن ولبنان وتونس مجتمعة. وتكشف هذه المقارنة بوضوح كيف يمكن لمدينة عالمية واحدة أن تنافس – بل وتتفوق على – اقتصادات دول كاملة، بما يعكس شدة التركز في القيمة المضافة والإنتاجية داخل المراكز الحضرية الكبرى.

وتكشف هذه المقارنات دلالة مركزية: أن المدن الكبرى لم تعد مجرد وحدات إدارية، بل أصبحت محركات اقتصادية بحجم دول. وهي حقيقة تحمل درساً بالغ الأهمية للسودان، وتدعم بقوة مقترحى بشأن “ممرات النمو والمدن المنتِجة”بوصفه مدخلاً واقعياً لبناء اقتصاد وطني حديث، قائم على التركز الحضري الإنتاجي وربطه بالزراعة والصناعة والخدمات (سنخصص بإذن الله عدة مقالات لهذا الموضوع فى سياق المشروع النهضوى السودانى بعد الحرب).

ثانياً: عظمة الديمقراطية بوصفها إنجازاً إنسانياً

لا تقل الدلالة السياسية لهذا الحدث أهمية عن دلالته الاقتصادية. فأن يتولى شاب مسلم، من أصول آسيوية، وُلِد في دولة إفريقية، إدارة أهم مدينة في العالم من حيث الثقل السياسي والاقتصادي، لهو تعبير ساطع عن عظمة الديمقراطية بوصفها إنجازاً بشرياً جديراً بالإحتفاء. ويزداد المشهد عمقاً حين نشهد السناتور اليهودي بيرني ساندرز، رمز اليسار الديمقراطي الأمريكي، يشرف على أداء القسم لتنصيب العمدة الشاب، وتُلقي كلمة الافتتاح عضوة الكونجرس النائبة اليسارية الشابة أليكساندرا كورتيز ذات الأصول الإسبانية وتشارك فى الحدث المدعية العامة لولاية نيويورك السيدة لاتيشا جيمس – الأفريقية الأمريكية – ورجال الدين الإسلامى واليهودى والمسيحى وقطاع واسع من أنصار تيار “الديمقراطية الإجتماعية” من كل أنحاء أمريكا – في لوحة تختزل قدرة الديمقراطية على استيعاب التنوع وتحويله إلى مصدر قوة.

وفي هذا السياق، تحضرنى بصيرة الإمام الصادق المهدي، عليه الرحمة والرضوان، حين خالف في ثمانينيات القرن الماضي نبوءة المفكر الجزائرى مالك بن نبي بزوال النظامين الحضاريين الغربيين، الماركسي والرأسمالي معاً. فقد وافقه بشأن النموذج الماركسي الأوتوقراطي، لكنه جادل بأن النظام الديمقراطي الرأسمالي يمتلك من المرونة المؤسسية ما يمكّنه من تصحيح ذاته واستيعاب التنوع، ومن ثم البقاء إلى أمد أبعد – وهو ما تؤكده الوقائع حتى اليوم.

ثالثاً: دعوة لمراجعة القناعات إذا أردنا وطناً قابلاً للبقاء

من هنا، تبرز ضرورة أن نُجري – نحن السودانيين – مراجعاتٍ فكريةً وسياسيةً عميقة، وأن نستخلص العِبر والدروس، إذا كنا ننشد وطناً قابلاً للبقاء والنماء في عالم “لعبة الأمم” الذي لا يرحم الضعفاء أو الغافلين أو الجهلاء المتنطعين المستعلين من دون مقومات أو مبررات. وعلينا أن نمارس أقصى ما نستطيع من التواضع، وأن نتعلّم ونتدبّر، وأن نتذكّر دائماً أن الناتج المحلي الإجمالي للسودان لم يتجاوز 50 مليار دولار قبل الحرب في عام 2022، ثم تدهور بفعل هذه الحرب إلى نحو 25 مليار دولار فقط. وهذا يعني أن الخمسين مليوناً من أبناء الشعب السوداني، بقضّهم وقضيضهم، يحتاجون إلى العمل لأكثر من تسعين عاماً ليعادلوا الناتج المحلي لمدينة نيويورك، التي لا يتجاوز عدد سكانها ثمانية ملايين ونصف المليون نسمة.

وهنا وعلى وجه الخصوص أود التمييز بين ثلاث فئات من الشعب السودانى: أولاً، من أدعوهم إلى مراجعات عميقة وأخذ العِبر؛ ثانياً، من يستحقون الإدانة (ومع ذلك دعوةً لأخذ العِبر)؛ ثالثاً، آخرين هم “شرّ الدواب” ممن لا يكتفى الأمر بإدانتهم، بل يقتضى تجريمهم ومحاسبتهم.

أ. دعوة للمراجعات العميقة وأخذ العِبر: السودانيين المهجريين من غلاة الشيوعيين الذى أختاروا اللجوء إلى أمريكا وغيرها من الدول الغربية منذ وبعد سقوط الاتحاد السوفيتى ولم يختاروا أىِّ من دول المعسكر الشرقى، لكن مع ذلك مازلوا يتمسكون بالصنم الماركسى كأنه دينٌ منزل. أدعوا هؤلاء إلى دراسة تجربة الشيوعيين التشيليين الذين أجروا مراجعات عميقة بعد عودتهم من الدول الشرقية وأعتمدوا “الديمقر اطية الاجتماعية” عوضاً عن الماركسية الرجعية المتكلسة واستطاعوا أن ينالوا ثقة الشعب التشيلى ويعودا حكاماً لذلك البلد بعد ديكتاتورية بينوشيه ويساهموا فى صناعة المعجزة الاقتصادية التشيلية المترتبة على اقتصاد السوق والحماية الاجتماعية الشاملة (راجع مقالى: الديمقراطية التشيلية وشرعيتها الاقتصادية: الدروس المستفادة لإدارة ريع الذهب ونهضة السودان الزراعية – (https://shorturl.at/tn6Xp

ب. الإدانة ودعوة لأخذ العِبر: جماعة “دولة البحر والنهر” الذين يرغبون فى تقسيم السودان وإنشاء دولة منسجمة إثنياً فى ذلك الجزء من السودان وإعطاء أهل دارفور وجنوب كردفان وممن يرغب فى الإنضمام لهم من أقاليم السودان الأخرى إنشاء دولتهم التى تعكس إنتماءهم الإثنى ومزاجهم الحضارى (أنظر مقالى: المشروع الوطني السوداني بين رغائبية “دولة البحر والنهر” وأشواق “ثورة ديسمبر عائدة راجحة” – (https://shorturl.at/zlmoq: . هذا المفهوم والموقف السياسى الذى يستند إليه يجب إدانته والتحذير منه، فكما تعلمنا تجربة نيويورك لا تبنى الأمم بالنقاء العرقى – الذى هو أبتداءً من المستحيلات – بل هو فى الواقع وصفة مؤكدة لزوال السودان برمّته، بما فى ذلك تلك الدولة المزعومة.

ولا يقل خطراً عن ذلك سلوك بعض أنصار أمراء الحرب من جماعات قبلية في المهجر؛ ممن لجأوا إلى الدول الغربية وحققوا ما تيسر لهم من العمل والتعليم، لكن العصبية القبلية البغيضة أعمتهم فلم يتعلموا شيئاً من مبادئ تلك المجتمعات الراقية، فحاولوا ممارسة العنف والترهيب ضد متظاهرين سلميين من أبناء وطنهم من منتقدى مشروع الحرب والعودة للمسار المدنى الديمقراطى – شاهرين الأسلحة البيضاء، في مشاهد عرضتهم للمساءلة القانونية فى إحدى الدول الأوربية.

ت. الإدانة والتجريم والمحاسبة: السودانيين من أنصار الحركة الإسلاموية الذين حكموا السودان وأذاقوا أهله الأمرين وبعضم هاجر إلى أمريكا والدول الغربية الأخرى وتمتعوا بالحرية السياسية والفرص الاقتصادية فى تلك الدول ولكن ما زال بعضهم يدعم مشروع الحرب الإسلاموى، بل وذهب أحدهم فى إجتماع عُقِد مع رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع فى ولاية نيوجرسى بالتحريض على شباب ثورة ديسمبر المجيدة والدعوة إلى قمعهم. وهذا فكرٌ إجرامي ومواقف لا يجوز الاكتفاء بإدانتها أخلاقياً، بل ينبغي تجريمها والمطالبة بمحاسبة من يدعون لها.

خاتمة: ما الذي تعلّمناه من نيويورك؟

إن ما جرى في نيويورك ليس “حكاية مدينة بعيدة”، بل رسالة واضحة المعالم: المدن تُبنى بالإنتاج، والدول تُصان بحسن إدارة التنوع لا بمحاولة محوه وإبادته، والسياسة الرشيدة تُدار بالشرعية لا بالغلبة. لقد أظهرت التجربة أن الديمقراطية، حين تُحسن تنظيم الاختلاف، قادرة على تحويل التنوع إلى طاقة، وعلى إعادة توزيع الفرص، وعلى تمكين الناس من مساءلة من يحكمونهم – وأن الاقتصاد، حين يُبنى على مدن منتِجة ومؤسسات فعّالة، يمكن أن يصنع ثروة بحجم دول.

إلى الشعب السوداني: إن طريق الخلاص لا يمر عبر نقاءٍ متخيّل، ولا إنفكاءٍ على عصبياتٍ وغرائزٍ قبليةٍ بدائية، ولا عبر حربٍ مصنوعة من فئةٍ باطنيةٍ مجرمة، ولا عبر شعارات تُفرغ الدولة من مضمونها. يمرّ الطريق عبر عقد اجتماعي جديد، ومدن منتِجة مرتبطة بريفٍ مزدهر، وديمقراطية جامعة تعترف بالتنوع وتحميه، ومراجعات شجاعة للأفكار التي قادتنا إلى الخراب. وكما أضاءت نيويورك شمعةً في قلب عالم مضطرب، فإن السودان – بلطف المولى العلى القدير وبعد ذلك بإرادة شعبه – قادر على أن يشقّ طريقه من الرماد إلى الدولة، ومن الحرب إلى السلام، ومن الهشاشة إلى الأمل.

الوسومأمراء الحرب إبراهيم أحمد البدوي عبد الساتر الديمقراطية السودان الهند الولايات المتحدة دول عربية زهران ممداني نيويورك

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: أمراء الحرب الديمقراطية السودان الهند الولايات المتحدة دول عربية زهران ممداني نيويورك اقتصاد نیویورک لمدینة نیویورک مدینة نیویورک اقتصادات دول یفوق اقتصاد ملیار دولار على اقتصاد من اقتصاد

إقرأ أيضاً:

بوتين يراهن على إطالة العمر.. مشروع روسي بـ26 مليار دولار لمواجهة الشيخوخة

أفادت صحيفة وول ستريت جورنال، بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول أبحاث مكافحة الشيخوخة وإطالة العمر إلى أحد أبرز المشاريع العلمية المدعومة من الدولة، من خلال مبادرة تبلغ قيمتها 26 مليار دولار تشمل تطوير علاجات جينية، وطباعة ثلاثية الأبعاد للأعضاء الحيوية، وتقنيات زراعة الأعضاء داخل الحيوانات.

أعضاء هيئة رئاسة البرلمان الإيراني الجدد يؤدون اليمين الدستوريةبعد السيطرة على قلعة الشقيف.. وزراء الاحتلال يهددون باجتياح بيروت


 

مواجهة التقدم في العمر أولوية في روسيا 

 و سعي بوتين لمواجهة آثار التقدم في العمر أصبح في روسيا أولوية للدولة تعتمد على وسائل متنوعة تشمل طباعة الأعضاء، واستخدام الخنازير الصغيرة، والتعرض لدرجات حرارة شديدة الانخفاض.

و يقود المشروع الروسي شخصيتان مقربتان من بوتين هما ابنته ماريا فورونتسوفا، المتخصصة في علم الغدد الصماء والمشرفة على برامج الجينات المدعومة حكومياً، والعالم الفيزيائي ميخائيل كوفالتشوك، رئيس معهد كورتشاتوف للأبحاث النووية.

وأصبح كوفالتشوك، وهو شقيق يوري كوفالتشوك الحليف المقرب لبوتين، العقل الفكري وراء مشروع إطالة العمر الروسي. وقد دافع عن فكرة أن العلم سيمكن البشر قريباً من إصلاح واستبدال أجزاء أجسامهم بشكل مستمر.

وقال لوسائل إعلام روسية: "من الصعب الحديث عن الخلود، لكن قدرة الإنسان على إصلاح جسده ستزداد من دون شك".


 العلماء الروس ينجحوا في تنفيذ المشروع


ويقول العلماء الروس إنهم نجحوا بالفعل في طباعة نسيج غضروفي بشري وغدة درقية لفأر، مع السعي إلى تحقيق استبدال أعضاء بشرية كاملة بحلول عام 2030. كما يجري الحديث عن جدول زمني مماثل لتنمية الأعضاء داخل الخنازير.

وأكد المكتب الصحفي للكرملين أن "هناك مجموعة واسعة من البرامج العلمية الجاري تنفيذها في هذا المجال داخل روسيا، وتحظى هذه المشاريع بدعم الدولة، وتشارك فيها مؤسسات علمية وبحثية عديدة".

وفي أبريل الماضي، أعلنت الحكومة الروسية أن علماءها يطورون علاجاً جينياً يهدف إلى إبطاء شيخوخة الخلايا، ضمن مبادرة "تقنيات جديدة للحفاظ على الصحة"، وهي خطة بقيمة 26 مليار دولار أطلقها بوتين لتعزيز طول العمر.

وركز العلماء الروس العاملون ضمن البرامج الحكومية على تقنيتين رئيسيتين هما الطباعة الحيوية، أي طباعة الأنسجة الحية بتقنية ثلاثية الأبعاد، وزراعة الأعضاء بين الأنواع، أي تنمية أعضاء بشرية داخل خنازير صغيرة يُعتقد أنها متوافقة وراثياً مع البشر.

الحكومة الروسية تدعم مكافحة الشيخوخة

وقال نائب وزير العلوم الروسي دينيس سيكيرينسكي، في 23 أبريل، إن هذا العلاج "يمثل أحد أكثر المسارات الواعدة في مكافحة الشيخوخة".

كما تشمل المبادرة تطوير أعضاء بشرية داخل المختبرات لزراعتها لاحقاً، وهي إحدى الأفكار التي تحدث عنها بوتين خلال لقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينج، ويأمل البرنامج، الذي أُطلق عام 2024، في إنقاذ نحو 175 ألف شخص بحلول نهاية العقد الحالي.


وقال ألكسندر أوستروفسكي، أحد رواد الطباعة الحيوية في روسيا: "إذا لم تكن هناك منشورات علمية، فلا توجد نتائج حقيقية، وربما ينبغي النظر إلى هذه التصريحات باعتبارها طموحات أو أحلام".

وغادر أوستروفسكي روسيا بعد الغزو الشامل لأوكرانيا، وباع شركته التي تتعاون حالياً مع الحكومة. وأضاف: "من المستحيل إجراء العلم في عزلة"، في إشارة إلى العقوبات التي قطعت جزءاً كبيراً من التعاون العلمي الروسي مع الغرب. وتابع: "ربما يخبرون بوتين بما يريد سماعه للحصول على التمويل".

كما ربط كوفالتشوك، العالم الفيزيائي قائد المشروع الروسي، بين أبحاث إطالة العمر والرؤية الأوسع للكرملين بشأن الصراع الحضاري مع الغرب. ففي خطاب أثار جدلاً عام 2015، حذر من أن الغرب يتجه نحو خلق "بشر خدّام" يمكن التحكم فيهم والتلاعب بتكاثرهم ووعيهم الذاتي.

وأشاد كوفالتشوك بفيلم سوفيتي صدر عام 1968 بعنوان "الموسم الميت"، يصور مؤامرة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مع أطباء نازيين سابقين للسيطرة على البشرية. وكان بوتين قد قال إن هذا الفيلم ألهمه للانضمام إلى جهاز الاستخبارات السوفيتي (كي جي بي).


وكان خافينسون، الذي حصل على أحد أرفع الأوسمة الروسية من بوتين تقديراً لإنجازاته الطبية، قد قال إنه يسعى إلى إطالة عمر زعيم قد يؤدي رحيله إلى أزمة في روسيا. كما اعتبر أن العمر الطبيعي للإنسان يجب أن يصل إلى 120 عاماً مستنداً إلى نصوص دينية.

و في لقاء داخل الكرملين عام 2018، نصح المستشار النمساوي آنذاك سيباستيان كورتس بتجربة غرفة العلاج بالتبريد، وهي أشبه بساونا معكوسة يتعرض فيها الجسم لدرجات حرارة قد تصل إلى ناقص 170 درجة فهرنهايت. وروى كورتس لاحقاً دهشته من حماس بوتين أثناء شرحه فوائد الوقوف عارياً داخل الغرفة المتجمدة بشكل منتظم.

بوتين يسعى لمقاومة الشيخوخة 

وبوتين، البالغ من العمر 73 عاماً، أمضى عقوداً في بناء صورة الرجل القوي بدنياً من خلال مشاهد الصيد عاري الصدر، ولعب الهوكي، وركوب دراجات هارلي ديفيدسون بملابس سوداء ضيقة لإبراز صورة الزعيم الذي لا يشيخ.


لكن خلف هذه الصورة تكمن شخصية شديدة القلق من التدهور الجسدي. وخلال جائحة فيروس كورونا 19 فرض بوتين إجراءات حجر معقدة شملت أنفاق التعقيم وفترات عزل طويلة للزوار، كما أصبحت طاولاته الطويلة الشهيرة رمزاً للمسافة السياسية والخوف من الجراثيم.

كما أثارت وسائل إعلام روسية وغربية تكهنات بشأن خضوعه لإجراءات تجميلية مع ازدياد نعومة ملامحه بمرور الوقت.

ويبلغ معظم مساعدي بوتين وحلفائه المقربين أعماراً تتجاوز السبعين، بمن فيهم أفراد عائلة كوفالتشوك وشخصيات نافذة مثل يوري أوشاكوف وسيرجي تشيميزوف ونيكولاي باتروشيف.

ويعكس سعي بوتين لمقاومة الشيخوخة تقليداً أقدم لدى الحكام الروس. ففي عشرينيات القرن الماضي، جذبت تجارب العالم السوفيتي ألكسندر بوجدانوف المتعلقة بنقل الدم لاستعادة الشباب اهتمام الكرملين، قبل أن يتوفى نتيجة تلك التجارب عن عمر 55 عاماً.

والتقط ميكروفون مفتوح حديثاً جانبياً بين الرئيسين بوتين وشي في بكين، سبتمبر الماضي، عن زراعة الأعضاء وإمكان أن يعيش البشر حتى 150 عاماً.

ولا تزال روسيا تعاني من واحد من أعلى معدلات الوفيات بين الدول المتقدمة. ويبلغ متوسط العمر المتوقع للرجال نحو 68 عاماً، مقارنة بنحو 76 عاماً في الولايات المتحدة وأكثر من 80 عاماً في أجزاء واسعة من أوروبا الغربية.

طباعة شارك بوتين مكافحة الشيخوخة إطالة العمر روسيا طباعة الأعضاء الحكومة الروسية

مقالات مشابهة

  • تحويلات المصريين بالخارج.. خطة حكومية طموحة لتجاوز 38 مليار دولار ودعم استقرار الاقتصاد
  • اتفاق بـ60 مليون دولار ينقذ مليار و300 مشاهد من حجب المونديال
  • حياة كريمة: تنفيذ 27 ألف مشروع لتطوير الريف بتكلفة تتجاوز 400 مليار جنيه
  • المركزي التركي يخسر 8.4 مليار دولار عقب عزل زعيم المعارضة
  • 17 مليار دولار تختفي سنوياً.. أين تذهب أموال «دعم الوقود»؟
  • المركزي الإيراني: معدلات التضخم بمايو تتجاوز مستويات الحرب العالمية الثانية
  • المركزي: 65.38 مليار دولار أرصدة الودائع بالعملة الأجنبية في البنوك المصرية
  • تحويلات قياسية للمصريين بالخارج.. نواب: 34.9 مليار دولار تعكس ثقة متزايدة في الاقتصاد الوطني
  • بوتين يراهن على إطالة العمر.. مشروع روسي بـ26 مليار دولار لمواجهة الشيخوخة
  • واشنطن تتعهد بالإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة خلال 60 يوما