العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف «2»

كيف تُصنَع الشرعية حين تنهار السياسة؟

د. ناهد محمد الحسن

في ذاكرة كثيرين، لم يأتِ العسكر إلى السياسة فجأة.

لم يدخلوا من باب الانقلاب وحده، بل من شقوق الثقة التي تركتها السياسة خلفها. من لحظات الانتظار الطويلة، والوعود المؤجلة، والخطابات التي تتكاثر بلا نتائج.

في تلك المساحات الرمادية، تبدأ الشرعية في التحوّل من فكرة قانونية إلى شعور نفسي: من “من انتخبناه” إلى “من نعتقد أنه قادر”.

علم النفس الاجتماعي يصف هذه اللحظة بدقة مؤلمة. حين يفشل النظام السياسي في منح الناس إحساسًا بالمعنى والسيطرة، يبحث الأفراد عن بديل يُخفّف القلق، حتى لو كان قاسيًا. الشرعية هنا لا تُبنى على القبول الحر، بل على الإحساس بالأمان المؤقت. والجيش، بلغته الحازمة وبنيته الصلبة، يقدّم نفسه كإجابة جاهزة في عالم مرتبك.

لكن هذه الشرعية ليست بريئة.

إنها شرعية الخوف، لا شرعية العقد.

في علم السياسة، تُفهم الشرعية بوصفها اتفاقًا ضمنيًا بين المجتمع والسلطة: “نمنحك الحق في الحكم مقابل حماية الحقوق وتنظيم الخلاف”. حين تنهار السياسة، ينكسر هذا الاتفاق. لا يعود الناس يسألون: كيف نُحكَم؟ بل: من يوقف الانهيار الآن؟ وهنا يتغيّر معيار القبول. تصبح القدرة على فرض النظام بديلاً عن القدرة على تمثيل الإرادة العامة.

وهذا التحوّل خطير لأنه صامت.

لا يُعلَن في الدساتير، بل يتسلل إلى الوجدان.

في المجتمعات التي أنهكها العنف، يتشكّل ما يشبه التواطؤ النفسي غير المعلن: “دعهم يحكمون، فقط ليصمت الرصاص”. لكن ما لا يُقال بصوت عالٍ هو أن هذا الصمت لا يدوم. فالقوة التي تُستدعى لتسكين الألم، سرعان ما تصبح جزءًا من أسبابه.

من زاوية علم الاجتماع، تتحوّل المؤسسة العسكرية في هذه اللحظة من جهاز وظيفي إلى رمز. رمز للانضباط، للرجولة، للهيبة، وأحيانًا للخلاص. هذا الرمز يُضخَّم في الخطاب العام، وتُسقَط عليه توقعات لا يمكن لأي مؤسسة أن تتحمّلها. يُطالَب الجيش بأن يكون وطنيًا، أخلاقيًا، محايدًا، وحاسمًا في آن واحد. وحين يفشل—ولا بد أن يفشل—يُعاد إنتاج الغضب لا على البنية، بل على الأشخاص.

في السودان، تعقّدت هذه المعادلة أكثر.

فالشرعية لم تُسحب من السياسة فقط، بل لم تُستكمل يومًا. الدولة نفسها لم تُنجز انتقالها من دولة ما بعد الاستعمار إلى دولة المواطنة. ظلّت معلّقة بين العسكر، والطائفية، والأيديولوجيا، والحروب الطرفية. وفي هذا الفراغ المزمن، لم يكن الجيش مجرد متدخّل، بل أصبح أحد أعمدة الاستمرارية القسرية.

لكن الاستمرارية ليست استقرارًا.

الفلسفة السياسية تُنبّهنا إلى مفارقة قديمة: القوة قادرة على فرض الطاعة، لكنها عاجزة عن خلق الالتزام. الطاعة تُنتج الصمت، لا الثقة. والأنظمة التي تبني شرعيتها على الصمت، تضطر إلى رفع مستوى العنف كلما طال الزمن. هكذا تتحوّل الدولة من إطار جامع إلى جهاز أمني موسّع، وتتحوّل السياسة إلى مسألة “ضبط”، لا مشاركة.

المشكلة هنا ليست في الجيش كأفراد، ولا حتى كمؤسسة مجردة، بل في اللحظة التي يُطلب منه فيها أن يكون بديلاً عن السياسة. في تلك اللحظة، يُستنزف الجيش، وتُفرَّغ السياسة، ويُترك المجتمع بلا أدوات حقيقية للتعبير أو التصحيح.

لهذا فإن شعار “العسكر للثكنات” يظل ناقصًا إن لم نُكمله بسؤال أصعب:

ماذا عن السياسة التي تترك الثكنة مفتوحة أصلًا؟

إعادة الجيش إلى موقعه المهني لا يمكن أن تتم بالأوامر ولا بالهتاف وحده، بل بإعادة بناء شرعية مدنية قادرة على المنافسة. شرعية تُقنع الناس بأن الخلاف يمكن إدارته دون بنادق، وأن البطء الديمقراطي أقل كلفة من الحسم القسري، وأن الفوضى المؤقتة للنقاش أرحم من نظام صامت تُديره الخشية.

في المقال القادم، سنقترب من العقدة الأكثر حساسية:

كيف تُختَرق الجيوش أيديولوجيًا؟

وكيف يتحوّل الاحتراف العسكري إلى أداة في يد مشاريع سياسية ضيقة، دون أن ينتبه كثيرون إلا بعد فوات الأوان؟

نواصل.

العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف! .. (١) عن الخوف، واليقين، وإغراء القوة

الوسومالانقلاب الايدولوجيا الجيش السياسة الشرعية العسكر للثكنات د. ناهد محمد الحسن مشاريع سياسية

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الانقلاب الايدولوجيا الجيش السياسة الشرعية العسكر للثكنات مشاريع سياسية العسکر للثکنات التی ت

إقرأ أيضاً:

‏ترامب: سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ‏ترامب، أنه سيتم سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن أو الشحنات أو أي شيء يتعلق بها باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة.

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، إن إيران "ليست مستعدة بعد لإبرام اتفاق"، لكنه توقع أن تصبح "مستعدة قريبًا جدًا"، وذلك في ظل تصاعد المواجهة مع طهران.

وأضاف ترامب - خلال كلمة ألقاها في تجمع جماهيري بإحدى المدارس الثانوية بولاية جورجيا - أن إيران "تتعرض لضربات قوية للغاية، وتريد التوصل إلى اتفاق"، لكنه اعتبر أنها "تسعى إلى تغيير بنود أي اتفاق في كل مرة، ولذلك فهي ليست مستعدة بعد، لكنها ستكون مستعدة قريبًا جدًا".

وفي السياق، أكد ترامب أن بلاده "لا تحتاج إلى مضيق هرمز، لكنها تتحرك لأن ذلك أمر لا بد منه"، على حد تعبيره، مشددًا على أن الولايات المتحدة "لا يمكنها السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي".

وأضاف أن هذه السياسة تهدف إلى "هزيمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وضمان ألا تمتلك أبدًا القدرة على فعل ما فعلته بالعديد من الآخرين"، مدعيًا أن السلطات الإيرانية "قتلت أكثر من 52 ألف متظاهر".

مقالات مشابهة

  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • بوتين: روسيا من الدول القليلة التي تصنع مستلزمات الإنتاج التسلسلي للأسلحة
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • ‏ترامب: سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
  • عزلة القوة.. الفراغ الأمريكي يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيلية
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • نقابة موظفي غزة: لن نصمت بعد اليوم على "الظلم الواقع" بحق الموظفين