العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف «2».. كيف تُصنَع الشرعية حين تنهار السياسة؟
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف «2»
كيف تُصنَع الشرعية حين تنهار السياسة؟
د. ناهد محمد الحسن
في ذاكرة كثيرين، لم يأتِ العسكر إلى السياسة فجأة.
لم يدخلوا من باب الانقلاب وحده، بل من شقوق الثقة التي تركتها السياسة خلفها. من لحظات الانتظار الطويلة، والوعود المؤجلة، والخطابات التي تتكاثر بلا نتائج.
علم النفس الاجتماعي يصف هذه اللحظة بدقة مؤلمة. حين يفشل النظام السياسي في منح الناس إحساسًا بالمعنى والسيطرة، يبحث الأفراد عن بديل يُخفّف القلق، حتى لو كان قاسيًا. الشرعية هنا لا تُبنى على القبول الحر، بل على الإحساس بالأمان المؤقت. والجيش، بلغته الحازمة وبنيته الصلبة، يقدّم نفسه كإجابة جاهزة في عالم مرتبك.
لكن هذه الشرعية ليست بريئة.
إنها شرعية الخوف، لا شرعية العقد.
في علم السياسة، تُفهم الشرعية بوصفها اتفاقًا ضمنيًا بين المجتمع والسلطة: “نمنحك الحق في الحكم مقابل حماية الحقوق وتنظيم الخلاف”. حين تنهار السياسة، ينكسر هذا الاتفاق. لا يعود الناس يسألون: كيف نُحكَم؟ بل: من يوقف الانهيار الآن؟ وهنا يتغيّر معيار القبول. تصبح القدرة على فرض النظام بديلاً عن القدرة على تمثيل الإرادة العامة.
وهذا التحوّل خطير لأنه صامت.
لا يُعلَن في الدساتير، بل يتسلل إلى الوجدان.
في المجتمعات التي أنهكها العنف، يتشكّل ما يشبه التواطؤ النفسي غير المعلن: “دعهم يحكمون، فقط ليصمت الرصاص”. لكن ما لا يُقال بصوت عالٍ هو أن هذا الصمت لا يدوم. فالقوة التي تُستدعى لتسكين الألم، سرعان ما تصبح جزءًا من أسبابه.
من زاوية علم الاجتماع، تتحوّل المؤسسة العسكرية في هذه اللحظة من جهاز وظيفي إلى رمز. رمز للانضباط، للرجولة، للهيبة، وأحيانًا للخلاص. هذا الرمز يُضخَّم في الخطاب العام، وتُسقَط عليه توقعات لا يمكن لأي مؤسسة أن تتحمّلها. يُطالَب الجيش بأن يكون وطنيًا، أخلاقيًا، محايدًا، وحاسمًا في آن واحد. وحين يفشل—ولا بد أن يفشل—يُعاد إنتاج الغضب لا على البنية، بل على الأشخاص.
في السودان، تعقّدت هذه المعادلة أكثر.
فالشرعية لم تُسحب من السياسة فقط، بل لم تُستكمل يومًا. الدولة نفسها لم تُنجز انتقالها من دولة ما بعد الاستعمار إلى دولة المواطنة. ظلّت معلّقة بين العسكر، والطائفية، والأيديولوجيا، والحروب الطرفية. وفي هذا الفراغ المزمن، لم يكن الجيش مجرد متدخّل، بل أصبح أحد أعمدة الاستمرارية القسرية.
لكن الاستمرارية ليست استقرارًا.
الفلسفة السياسية تُنبّهنا إلى مفارقة قديمة: القوة قادرة على فرض الطاعة، لكنها عاجزة عن خلق الالتزام. الطاعة تُنتج الصمت، لا الثقة. والأنظمة التي تبني شرعيتها على الصمت، تضطر إلى رفع مستوى العنف كلما طال الزمن. هكذا تتحوّل الدولة من إطار جامع إلى جهاز أمني موسّع، وتتحوّل السياسة إلى مسألة “ضبط”، لا مشاركة.
المشكلة هنا ليست في الجيش كأفراد، ولا حتى كمؤسسة مجردة، بل في اللحظة التي يُطلب منه فيها أن يكون بديلاً عن السياسة. في تلك اللحظة، يُستنزف الجيش، وتُفرَّغ السياسة، ويُترك المجتمع بلا أدوات حقيقية للتعبير أو التصحيح.
لهذا فإن شعار “العسكر للثكنات” يظل ناقصًا إن لم نُكمله بسؤال أصعب:
ماذا عن السياسة التي تترك الثكنة مفتوحة أصلًا؟
إعادة الجيش إلى موقعه المهني لا يمكن أن تتم بالأوامر ولا بالهتاف وحده، بل بإعادة بناء شرعية مدنية قادرة على المنافسة. شرعية تُقنع الناس بأن الخلاف يمكن إدارته دون بنادق، وأن البطء الديمقراطي أقل كلفة من الحسم القسري، وأن الفوضى المؤقتة للنقاش أرحم من نظام صامت تُديره الخشية.
في المقال القادم، سنقترب من العقدة الأكثر حساسية:
كيف تُختَرق الجيوش أيديولوجيًا؟
وكيف يتحوّل الاحتراف العسكري إلى أداة في يد مشاريع سياسية ضيقة، دون أن ينتبه كثيرون إلا بعد فوات الأوان؟
نواصل.
العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف! .. (١) عن الخوف، واليقين، وإغراء القوة
الوسومالانقلاب الايدولوجيا الجيش السياسة الشرعية العسكر للثكنات د. ناهد محمد الحسن مشاريع سياسية
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الانقلاب الايدولوجيا الجيش السياسة الشرعية العسكر للثكنات مشاريع سياسية العسکر للثکنات التی ت
إقرأ أيضاً:
“مستقبلك مش مخاطرة”.. حملة وطنية واسعة لمواجهة الهجرة غير الشرعية
أطلقت اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، حملة توعوية موسعة تستهدف رفع الوعي العام بمخاطر الجريمتين، وتعزيز ثقافة الحماية والوقاية من كافة أشكال الاستغلال، وذلك عبر وسائل نقل عامة ومنصات اتصال جماهيرية تصل إلى مختلف فئات المجتمع.
وشملت الحملة محطات مترو الأنفاق وعدداً من خطوط أتوبيسات النقل العام، إلى جانب رسائل نصية قصيرة (SMS)، بما يضمن وصول الرسائل التوعوية إلى أكبر شريحة من المواطنين في محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية، في إطار خطة تعتمد على الانتشار الواسع والتأثير المباشر.
وحملت الحملة التوعوية حول مخاطر الهجرة غير الشرعية شعار: “مستقبلك مش مخاطرة.. متخليش الحلم يغرقك” في رسالة واضحة تحذر من الانسياق وراء الوعود الوهمية والمخاطر الجسيمة المرتبطة بطرق الهجرة غير النظامية.
كما تضمنت الحملة مجموعة من الرسائل التوعوية التي تسلط الضوء على صور الاتجار بالبشر وسبل الحماية منه، من بينها: “انت مش سلعة.. زواج الصفقة اتجار بالبشر”،“العمل حقوق وواجبات.. مش سخرة.. العمل القسري اتجار بالبشر”،“ما تسكتيش عن حقك.. انتِ ضحية استغلال جنسي”،“مكالمتك ممكن تنقذ طفل.. أطفال بلا مأوى ضحايا للاتجار بالبشر”.
وفي السياق ذاته، أكدت الحملة على أهمية التعريف بالخطوط الساخنة التابعة للمجالس القومية المعنية بالدعم والمساعدة، والتي تشمل:المجلس القومي للطفولة والأمومة: 16000،المجلس القومي لحقوق الإنسان: 15508،والمجلس القومي للمرأة: 15115.
وتسعى الحملة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، والتأكيد على أن الوقاية تبدأ بالمعرفة، من خلال رسائل مباشرة ومؤثرة تسهم في حماية الأفراد، خاصة الفئات الأكثر عرضة للاستغلال، ودعم جهود الدولة في التصدي لهذه الجرائم.