تكشف وثائق وتسجيلات حصلت عليها الجزيرة عن انتقال فلول نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد من مرحلة إعادة التنظيم العام إلى إدارة ميدانية دقيقة، تقوم على تقسيم المدن والمناطق، لا سيما في الساحل السوري، إلى أحياء مسلحة تعمل كوحدات مستقلة مترابطة.

وتُظهر الوثائق أن هذه البنية لا تقوم على تحركات عشوائية، بل على هيكل تنظيمي هرمي ينتهي عند مستوى الحي، حيث تُكلف مجموعات صغيرة بتنفيذ المهام، ضمن تصور يهدف إلى خلق انتشار مرن يصعب تفكيكه بسهولة.

ووفق الهيكلية التي أُعدت داخل هذه الشبكات، يتصدر رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، ما يسمى بالمجلس الأعلى للدفاع، يليه قائد القوات الخاصة السابق سهيل الحسن، ثم العميد السابق غياث دلا بوصفه أحد أبرز المشرفين الميدانيين.

بعد هذه القيادة العليا، قُسِّمت المناطق إلى قطاعات جغرافية، لكل قطاع قائد ومسؤولون عن التجنيد والتسليح والتمويل، قبل أن يجري تفريع هذه القطاعات إلى أقسام أصغر، وصولا إلى مجموعات مسلحة موزعة على الأحياء السكنية.

وتشير الوثائق إلى أن هذا النموذج طُبق في مدن وبلدات عدة، من بينها اللاذقية وطرطوس ومصياف ودريكيش والشيخ بدر وبانياس، إضافة إلى مناطق في حمص وتلكلخ والسقيلبية وسهل الغاب.

وتكشف التسجيلات أن العميد السابق غياث دلا اضطلع بدور محوري في متابعة هذه البنية الميدانية، عبر تواصله المستمر مع قادة المجموعات، وسعيه لمعرفة أعداد المقاتلين في كل منطقة وحجم التمويل المطلوب لاستمرار النشاط.

وضع أمني حذر

وتُظهر المعطيات أن دلا يعيش في لبنان في وضع أمني حذر، ويغير مكان إقامته وأرقام هواتفه باستمرار، مع اعتماده على ابنه، وهو ضابط سابق، في تنقلاته وإدارة بعض خطوط التواصل.

وفي إحدى التسجيلات، يشير دلا إلى أن عدد المقاتلين المرتبطين بمجموعاته بلغ نحو 42 ألف عنصر بحلول أبريل/نيسان 2025، مع امتلاكهم أسلحة مضادة للدروع، بينها صواريخ كورنيت وكونكورس، إضافة إلى أسلحة رشاشة ثقيلة.

إعلان

ويبرز في هذه الهيكلية اسم علي أحمد عبد الهادي، المعروف بـ"علي عبيد"، مدير مكتب غياث دلا، الذي تصفه الوثائق بأنه حلقة الوصل الأساسية مع المجموعات المسلحة داخل سوريا، والمسؤول عن تمرير التعليمات والتنسيق الميداني.

وتشير بيانات مستخرجة من هاتفه إلى أنه يقيم في إحدى تلال مدينة طرطوس، كما تكشف صور ووثائق عن مخازن أسلحة وذخيرة وأجهزة اتصالات موزعة في مناطق مختلفة من الساحل السوري.

وتفيد الوثائق بأن توزيع السلاح على المجموعات جرى وفق آليات تمويه، من بينها تمريره عبر صناديق مساعدات إغاثية، في محاولة لتجنب الرصد وضمان وصوله إلى الوحدات المنتشرة داخل الأحياء.

كما تظهر أسماء قادة مجموعات لعبوا أدوارا ميدانية مباشرة، من بينهم باسل محمد، المرتبط بسهيل الحسن، والذي ادعى امتلاك نحو 10 آلاف مقاتل في الساحل وسهل الغاب، وتواصل مع منفذي هجمات الساحل في مارس الماضي.

قيادات ميدانية

وتكشف الوثائق أيضا عن دور مقداد فتيحة، الذي توضح التسريبات أعداد مقاتليه وتوزعهم في طرطوس وجبلة والدريكيش وبيت ياشوط، ضمن شبكة تنسيق أوسع تتقاطع مع قطاعات أخرى.

وفي قطاع السهل، يبرز اسم العميد السابق مصطفى هاشم، الذي تشير الوثائق إلى مشاركته في هجمات الساحل الأخيرة، إلى جانب اتهاماته لرئيس المخابرات العسكرية السابق كمال الحسن بتأجيج الحراك المسلح.

ولا تقتصر هذه البنية على القيادات الكبرى، إذ توثق الوثائق ارتباط قادة قطاعات ميدانيين بغياث دلا وسهيل الحسن، من بينهم المقدم محمد فضة في بانياس، والمقدم علي أحمد أسعد في صافيتا، والعقيد أسعد صيوح في طرطوس.

ويظهر من هذا التفصيل أن فلول النظام اعتمدت نموذجا يقوم على تفتيت القوة إلى وحدات صغيرة تنتشر داخل النسيج العمراني، بما يسمح بالتحرك السريع وإعادة التموضع، ويصعب التعامل معها كجسم واحد.

وتأتي هذه المعطيات في سياق أوسع سبق أن كشفت فيه الجزيرة، عبر وثائق مسربة، عن محاولات تقودها شخصيات بارزة في النظام المخلوع لإعادة تنظيم صفوفها وفتح قنوات دعم خارجية واتخاذ لبنان منصة لإدارة بعض التحركات.

وتعود هذه التسجيلات والوثائق إلى الفترة بين أبريل/نيسان وديسمبر/كانون الأول 2025، ومن المقرر أن تبث كاملة منتصف الشهر المقبل في برنامج المتحري على شاشة الجزيرة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟

فسّر رئيس المجلس السوري الأمريكي فاروق بلال تغيير الإدارة الأمريكية منصب السفير الأمريكي لدى تركيا توم برّاك من مبعوث أمريكي إلى سوريا إلى مبعوث رئاسي خاص إلى سوريا والعراق، بالإجراءات القانونية الأمريكية، موضحا في حديث خاص لـ"عربي21" أن استمرارية برّاك في منصبة السابق (المبعوث الأمريكي إلى سوريا) لأكثر من عام تتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي.



وقال إن الرئيس الأمريكي فضل عدم الدخول في نقاشات مع الكونغرس الأمريكي، بتغيير اسم منصب برّاك، عبر ممارسة صلاحياته.

وكان ترامب قد أعلن عن تعيين توم برّاك مبعوثا رئاسيا خاصاً إلى سوريا والعراق، مع احتفاظه بمنصبه سفيرا للولايات المتحدة في أنقرة، مؤكدا أن الخطوة "تضمن جهود واشنطن لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي البلدين".

وأشاد ترامب بأداء برّاك، مشيرا إلى أن "العلاقات الأمريكية مع سوريا والعراق تنمو بشكل مضطرد".

التغيير في منصب توم برّاك الذي يعد من أبرز المهندسين الأمريكيين للعلاقة بين واشنطن ودمشق، أثار قراءات مختلفة، ففي حين اعتبر البعض أن الخطوة تعكس تراجعا في الاهتمام الأمريكي في الملف السوري، يرى آخرون أن التغيير يفتح المجال أمام تطور أكثر في العلاقة بين دمشق وواشنطن.

ويدل على ذلك، الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم، الأحد، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وذلك بعد يوم من التغييرات في منصب توم برّاك.

علاقات غير مسبوقة

وفي هذا الاتجاه، يشير رئيس المجلس السوري الأمريكي فاروق بلال إلى التطور "غير المسبوق" في العلاقات الأمريكية السورية، ويقول: "لم نشهد هذا التطور في العلاقات منذ 60 عاما، وخلال العام الذي كان فيه توم برّاك مبعوثا أمريكيا، لمسنا مساعٍ من دمشق وواشنطن لربط المؤسسات مع بعضها، بمعنى أن وزارة الخارجية الأمريكية تتواصل نظيرتها السورية، والخزانة الأمريكية تتواصل مع وزارة المالية السورية، ويبدو أن هذا الأمر قد ألغى الحاجة لمنصب المبعوث الأمريكي إلى سوريا، واستدعى تغييرا في عنوان المنصب".

تنفيذ رؤية ترامب

وفي السياق ذاته، يشير مؤسس منظمة "سوريا طريق الحرية" (منظمة سورية أمريكية)، هشام نشواتي، إلى إشادة ترامب بأداء توم برّاك، ويقول لـ"عربي21": "بالتالي يعتبر المنصب الجديد ترفيعا لبرّاك".

أما عن أسباب التغيير في اسم المنصب، يلفت نشواتي إلى إجراءات الكونغرس التي تحدد مدة عمل المبعوث الأمريكي بنصف عام، قابلة للتمديد لفترة ثانية فقط، ويقول: "لم يتم تعيين مسؤول بديل في منصب براك أي المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، بل تم إلغاء المنصب، وجرى ترفيع برّاك".

وبحسب نشواتي، فإن كل ذلك يعني أن توم برّاك سيشرف على تنفيذ الرؤية الأمريكية في سوريا والعراق، ويقول: "باعتقادي فإن ثقة ترامب بتوم برّاك، أهلته لأن يكون الوصي على رؤية ترامب للمنطقة".



وثمة تفسير آخر للتغيير في منصب توم برّاك، على صلة بانتهاء صفة "الأزمة" التي كانت ملازمة أمريكيا للملف السوري.

والإثنين، طالب عضو الكونغرس الأمريكي جو ويلسون بإلغاء تصنيف سوريا "دولة راعية للإرهاب"، وقال: إن "التطورات الأخيرة في العلاقات الأميركية السورية تعكس توجها إيجابيا، ومنها تعيين توم برّاك مبعوثا رئاسيا لسوريا، وأضاف أن "يجب إلغاء التصنيف القديم لسورية دولة راعية للإرهاب بشكل سريع".

مقالات مشابهة

  • شريف عبد المنعم: الشحات أفضل فنياً للأهلي من زيزو وأتمنى عودة عبد المنعم
  • برج الأسد.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: تحقيق أهدافك الشخصية
  • خطوة جديدة .. رباعي الكرة المصرية يحصدون ماجستير الإدارة الرياضية من إسبانيا
  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي
  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي وتعزيز دور الصناعة في بناء اقتصاد منتج ومستدام
  • المرجعية العليا للطائفة العلوية في سوريا ترهن استقرار المنطقة بتأمين حقوق العلويين
  • ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية
  • قراصنة يستولون على ناقلة نفط قبالة الساحل الشمالي الشرقي للصومال
  • ترامب يعين مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا والعراق.. من هو توم باراك؟