ماذا يعني إعلان الزبيدي عن مرحلة انتقالية لاستقلال الجنوب؟
تاريخ النشر: 3rd, January 2026 GMT
أعاد رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن عيدروس الزبيدي، طرح مشروع استقلال الجنوب بإعلانه عن "مرحلة انتقالية" تقود إلى استفتاء، في توقيت يزدحم بالأزمات السياسية والعسكرية التي تعصف بالبلاد.
ورغم تقديم الزبيدي الخطوة في إطار "إعلان دستوري" ومسار نحو استفتاء، فإنها تبدو أقرب إلى تحرك أحادي من طرف مشارك في بنية السلطة ضد هذه البنية نفسها، بما يفتح الباب أمام إشكالات قانونية وسياسية حول مشروعيتها وإمكانية تطبيقها على الأرض.
ما الخطوات التي تضمنها الإعلان؟
ينص "الإعلان الدستوري" -الذي تحدث عنه الزبيدي- على مرحلة انتقالية مدتها سنتان قابلة للتمديد مرة واحدة، تقام خلالها دولة مستقلة بحدود "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" سابقا وعاصمتها عدن، "بنظام ديمقراطي مدني يقوم على الفصل بين السلطات والإرادة الشعبية والحكم الرشيد"، على أن يحسم شكل النظام السياسي عبر استفتاء عام بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
ويمنح الإعلان رئيس "الدولة" صلاحيات واسعة بوصفه الرئيس المفوض "لاستعادة الدولة" ورئيس الحكومة الانتقالية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، مع تشكيل حكومة انتقالية وهيئة تشريعية من غرفتين (مجلس تشريعي انتقالي ومجلس شيوخ) تتولى سن القوانين وإقرار الموازنة وتشريعات المرحلة الانتقالية.
كما يضع خريطة طريق لإنجاز الدستور الدائم عبر لجنة وطنية، ثم استفتاء شعبي عليه، يعقبه إقرار قانون الانتخابات، وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية، لتنتهي المرحلة الانتقالية مع مباشرة الرئيس المنتخب مهامه وفق الدستور الجديد المفترض.
هل يسمح الدستور بالانفصال؟يقول مدير مكتب الجزيرة في اليمن سعيد ثابت، إن الدستور اليمني يمنع بوضوح أي توجه للانفصال أو التفكيك.
ولفت ثابت إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه تأسس عام 2017 على أساس هذه الجزئية الانفصالية، لكن مشروعيته الدستورية تظل محل تساؤل كبير.
إلى ماذا استند الزبيدي في إعلانه؟
يقول الزبيدي إن "قرار الدخول في المرحلة الانتقالية (جاء) استنادا إلى التفويض الشعبي والمسؤولية الوطنية، وإلى البيانات والمواقف الصادرة عن قيادات ونخب الدولة والحكومة والسلطات المحلية في الجنوب"، وهنا، يستخدم الزبيدي أدوات الجمهورية اليمنية ومسؤوليها في الجنوب ليشرعن الخطوة، ويحاول تقديم الانفصال كـ"إجراء إداري" ناتج عن توافق مؤسسات الدولة المحلية.
إعلانولم يغفل الزبيدي الجانب المعيشي في خطابه، بل جعله نقطة مهمة نحو الانفصال، إذ تحدث عن تنظيم الإيرادات في البنك المركزي بعدن كـ "سلطة مستقلة"، وهو ما يفتح الباب لاستقلال مالي تدريجي.
وشدد الزبيدي "على ممارسة مؤسسات الدولة لمهامها في تحسين الأوضاع المعيشية وانتظام صرف المرتبات، من خلال تنظيم آلية تحصيل الإيرادات في البنك المركزي بالعاصمة عدن بوصفه سلطة مركزية مستقلة".
ويرى بعض المراقبين أن هذه الخطوة قد تعني عزل موارد الجنوب النفطية والضريبية عن الخزينة العامة للدولة اليمنية، مما يحول الملف الاقتصادي من مجرد خدمة إلى أداة تضعف ارتباط الجنوب بالمركز، وتقرب فكرة الانفصال على الأرض حتى قبل الاستفتاء.
فرض الأمر الواقع
وجاء في إعلان الزبيدي أن "المرحلة الانتقالية تنتهي بعد سنتين من تاريخ الإعلان (يناير/كانون الثاني 2028)، وأن الإعلان الدستوري سيكون نافذا بشكل فوري في حال عدم الاستجابة للدعوات المطروحة، أو تعرض شعب الجنوب لأي اعتداءات". وبذلك لا يبدو الزبيدي ملتزما حصرا بسقف العامين الذي يحدده الجدول الزمني، بل يضع ما يشبه "شرطا جزائيا" يفتح الباب أمام تفعيل الانفصال في أي لحظة.
وتعد عبارة "في حال عدم الاستجابة" صيغة فضفاضة تمنح المجلس الانتقالي الجنوبي هامشا واسعا لتقدير اللحظة التي يرى فيها أن المسار التفاوضي لم يعد يخدم أهدافه، وبالتالي تبرير الانتقال إلى خطوة إعلان الاستقلال من طرف واحد.
كما قد تحول العبارة، "الإعلان الدستوري" من مجرد خارطة طريق تنظيمية إلى أداة ضغط لفرض الأمر الواقع، وتجعل من المرحلة الانتقالية أقرب إلى "فترة سماح" مشروطة بتجاوب الأطراف الأخرى مع شروط الانتقالي، أكثر من كونها مسارا تفاوضيا متدرجا نحو تسوية متوافق عليها.
يثير الإعلان الدستوري ولا سيما حديث الزبيدي عن "استعادة دولة الجنوب"، سؤالا محوريا يتعلق بطبيعة الكيان الذي يسعى الانتقالي إلى إقامته وحدوده وهويته السياسية والتاريخية.
وحول هذه القضية، توقف سعيد ثابت عند ما وصفه بـ"إشكالية الهوية والتوصيف" في خطاب المجلس الانتقالي، خصوصا في ما يتصل بمعنى "استعادة دولة الجنوب" كما ورد في البيان.
وأوضح مدير مكتب الجزيرة في اليمن أن ثمة أكثر من نموذج تاريخي لما يسمى "دولة الجنوب"، الأول هو "جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية" التي تحولت لاحقا إلى "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" بعد الاستقلال عام 1967، وقد ضمت المحافظات الجنوبية والشرقية بما فيها حضرموت والمهرة.
أما الثاني فهو مشروع "اتحاد الجنوب العربي" الذي سبق الاستقلال ولم تكن حضرموت والمهرة جزءا منه، وقد نُظر إليه في أدبيات دولة اليمن الديمقراطية لاحقا بوصفه "مشروعا استعماريا" ومفهوما "خيانيا" يتعارض مع هوية دولة الاستقلال.
رد الحكومة اليمنيةفي المقابل، قوبل إعلان الزبيدي برفض حاد من جانب الحكومة اليمنية التي رأت فيه خطوة أحادية تفتقر إلى السند الدستوري والقانوني، ومحاولة لفرض أمر واقع جديد في الجنوب خارج إطار التوافق الوطني.
إعلانوقال عبد الملك المخلافي، مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، إن ما وصفها بـ"مغامرة عيدروس الزبيدي الجديدة" تمثل "هروبا إلى الأمام ومحاولة لتصدير الأزمة بدل تحمّل تبعاتها"، معتبرا أنه "ليس من حق رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي إعلان فترة انتقالية".
وأضاف في تصريحاته للجزيرة مباشر أن المجلس الانتقالي الجنوبي "مكون سياسي صغير لا يمثل القضية الجنوبية ولا يملك اتخاذ قرارات سيادية".
من جهته، قال وكيل وزارة العدل اليمنية فيصل المجيدي للجزيرة إن هناك "مكونات يمنية لا تقبل بالإعلان السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي"، موضحا أن هذا الإعلان "لا قيمة قانونية له".
واعتبر أن المجلس الانتقالي "يعلم أنه لا قيمة لأي دولة بدون حضرموت والمهرة"، محذرا من أن ما جرى في حضرموت "سيحدث تصدعات كبيرة جدا في القضية الجنوبية".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المجلس الانتقالی الجنوبی المرحلة الانتقالیة الإعلان الدستوری فی الیمن
إقرأ أيضاً:
العلويون بين الداخل والخارج!!
البحث عن موقع جديد في شرق أوسط ما بعد المحاور
لم تعد التحولات الجارية في الشرق الأوسط تقتصر على إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي، بل تمتد آثارها إلى الجماعات والطوائف التي ارتبطت تاريخيًا بمشروعات سياسية أو بتحالفات إقليمية كبرى. ومن بين هذه الجماعات تبرز الطائفة العلوية التي تواجه اليوم مرحلة فارقة من تاريخها السياسي والاجتماعي، في ظل تراجع الدور الإيراني في عدد من ملفات المنطقة، وانتهاء مرحلة سياسية طويلة ارتبطت بالنظام السوري السابق.
تاريخيًا، عاش العلويون بين حالتين متناقضتين، التهميش السياسي والاجتماعي في بعض المراحل، والصعود إلى مركز السلطة في مراحل أخرى. ففي تركيا ظلوا لعقود يطالبون بالاعتراف الكامل بهويتهم الدينية والثقافية، بينما ارتبط حضورهم في سوريا بصعود الدولة المركزية منذ سبعينيات القرن الماضي.
غير أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين أفرزت واقعًا مختلفًا. فقد أصبحت الطائفة، سواء أرادت ذلك أم لا، جزءًا من معادلات الصراع الإقليمي، وهو ما جعلها تتحمل أعباء سياسية وأمنية تفوق حجمها الديموغرافي الحقيقي.
وفي الداخل السوري تبدو المرحلة المقبلة أكثر تعقيدًا. فالتحدي الرئيسي أمام العلويين لم يعد مرتبطًا بالحفاظ على النفوذ السياسي بقدر ما أصبح مرتبطًا بضمان الأمن المجتمعي وإعادة الاندماج في إطار الدولة الوطنية. فسنوات الحرب أفرزت وقائع جديدة، وأضعفت قدرة أي مكون منفرد على فرض معادلات سياسية مستقلة عن التوازنات الوطنية الشاملة.
ومن المرجح أن يتجه جزء كبير من النخب العلوية خلال السنوات المقبلة إلى تبني خطاب يقوم على المواطنة والشراكة الوطنية بدلاً من الارتباط بالاستقطابات الطائفية التي أثبتت محدوديتها وخطورتها على جميع الأطراف. كما أن الأجيال الجديدة تبدو أقل ارتباطًا بالخطابات الأيديولوجية التقليدية وأكثر اهتمامًا بقضايا الاقتصاد والتنمية والاستقرار.
أما في تركيا، فمن المتوقع أن يستمر العلويون في المطالبة بمزيد من الاعتراف المؤسسي بحقوقهم الدينية والثقافية، مع تعزيز حضورهم في الحياة السياسية عبر الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. ويمنحهم حجمهم السكاني وتأثيرهم الانتخابي فرصة للحفاظ على دور سياسي معتبر في المشهد التركي.
وفي أوروبا، وخاصة ألمانيا، تبدو الصورة مختلفة. فقد نجحت الجاليات العلوية في بناء مؤسسات ثقافية وتعليمية مستقرة، وأصبحت جزءًا من الحياة العامة. كما أسهم المناخ الديمقراطي في نقل الاهتمام من قضايا البقاء والهوية إلى قضايا التوثيق الأكاديمي والحفاظ على التراث الثقافي والديني.
سياسيًا، لا يبدو أن مستقبل العلويين سيكون مرتبطًا كما كان في السابق بمحور إقليمي واحد.فالتغيرات التي تشهدها المنطقة تشير إلى تراجع قدرة أي قوة منفردة على احتكار النفوذ أو توفير مظلة حماية دائمة لحلفائها. ولذلك فإن الرهان على الدولة الوطنية ومؤسساتها قد يصبح الخيار الأكثر واقعية لجميع المكونات الاجتماعية والدينية.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن الطائفة العلوية تتجه نحو مرحلة إعادة تعريف الذات، من جماعة ارتبط حضورها في الوعي السياسي الإقليمي بمراكز السلطة والصراعات العسكرية، إلى مكون اجتماعي يسعى إلى تثبيت موقعه ضمن معادلات أكثر توازنًا واستقرارًا.
ويبقى مستقبل العلويين مرهونًا بقدرتهم على التكيف مع المتغيرات الجديدة، وبقدرة دول المنطقة على بناء نظم سياسية تستوعب التنوع الديني والعرقي بعيدًا عن منطق الغلبة والإقصاء. فالتجارب التاريخية أثبتت أن استقرار الدول لا يتحقق عبر هيمنة طائفة أو جماعة، بل من خلال عقد وطني يضمن الحقوق والواجبات لجميع المواطنين على قدم المساواة.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة إعادة تشكيل شاملة، ولن يكون السؤال الأساسي فيها من يملك النفوذ، بل من يستطيع بناء دولة قادرة على استيعاب جميع مكوناتها. وفي هذا السياق، تبدو الطائفة العلوية أمام فرصة تاريخية للانتقال من موقع الدفاع عن الوجود إلى المشاركة في صياغة مستقبل أكثر استقرارًا، سواء في الداخل السوري أو في مجتمعات الشتات المنتشرة عبر العالم!!
اقرأ أيضاًماذا عن سوريا اليوم…؟
إسرائيل.. والحكم الجديد في سوريا
في ظل التداعيات المأساوية لـ«شعارات» الديمقراطية وحقوق الإنسان.. «الأسبوع» تجيب عن أسئلة حرجة في سوريا