عربي21:
2026-06-03@01:16:25 GMT

ربع القرن الممتنع على كل التوقعات

تاريخ النشر: 3rd, January 2026 GMT

لمضي القرون تحولات أو انعطافات، ولانقضاء عقودها الأولى تعرجات أو تموجات هي مما يسترعي بعلاماته انتباه الدارسين والمؤرخين. لا بالمعنى البعدي فقط، بل وبالقبلي (أي الاستشرافي) أيضا. لهذا فإن المفكر السياسي الحصيف ريمون آرون سخّر الأشهر الأخيرة من حياته لرصد هذه العلامات بتأليف كتاب عن مآلات العلاقات الدولية نشر بُعيْد وفاته عام 1983 بعنوان «أعوام القرن الأخيرة».



ولقد قاده إمعان النظر إلى القول بأن ما يهدد العالم خطران. أحدهما وجودي، ولكنه ضعيف الاحتمال: الحرب النووية الشاملة. والثاني خطر يُحْدِق بالحرية في أوروبا الغربية تحديدا: هو نزعتها السلمية التي تجعلها عرضة للهزيمة العسكرية والتبعية الاستراتيجية (وهذا ما قد ثبت اليوم بوضوح، حيث لا حول لأوروبا ولا قوة أمام روسيا البوتينية وأمريكا الترامبية، ولا اعتبار لها في رؤيا العالم الصينية). وتعليل آرون لهذا الوضع هو أنه «يَعْسُرُ في الديمقراطيات أن تُنقَذ الشعوب رغما عنها»! أي أن شعوب أوروبا الغربية التي استَمْرَأت رغد العيش في ظل سخاء دولة الرعاية الاجتماعية لم تعد تتحمل مجرد الحديث عن وجوب الإنفاق على التسلح والاستعداد للقتال وبذل الأنفس، حتى لو كان الخطر (العسكري والسيبراني الروسي) المحدق بها حقيقة لا خيالا.

كما أن الصحافي المؤرخ أندري فونتان الذي عمل في لوموند منذ بدايات تأسيسها منتصف الأربعينيات، وتدرج في جميع مناصبها القيادية حتى تقاعده عام 1991 (من الوظيفة، وليس من الكتابة العميقة الأنيقة التي ظل يتفنن فيها من مقال إلى آخر حتى آخر حياته) قد نشر عام 1976 كتابا بعنوان «ربع القرن الأخير» حاول فيه قراءة ما سيؤول إليه، بحلول عام ألفين، الوضع الدولي الذي كانت تخيم عليه آنذاك الحرب الباردة «المجمدة» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، كما كانت تلتمع في أفقه إرهاصات الصعود العسكري الباكر للصين (أي نعم!) على نحو أتاح له توقع أن تصير بمثابة إسبرطة الجديدة.

وكان الرأي عند فونتان أن ديناميات العلاقة بين هذه القوى الثلاث ستكون هي العامل الحاسم في تحديد مصير القرن العشرين. ولو كان من المجازفين لأمكنه أن يضيف، صائبا، أنها ستكون العامل الحاسم أيضا في تحديد مصير الربع (إن لم يكن النصف) الأول من القرن الحادي والعشرين! لهذا قال أحد النقاد إن ما فعله المؤرخ يضاهي ما فعله ذلك الخيّاط الروماني الصغير الذي نجح، على شدة صعوبة الأمر، في أخذ المقاسات الصحيحة للزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف! أي أن فونتان أخذ آنذاك المقاسات الصحيحة للقوى العظمى الأمريكية والروسية والصينية بما يتيح لنا اليوم رؤيتها على هيئاتها وأحجامها الحقيقية.

أما المحاضرة التي ألقاها باحث الاقتصاد الرائد جان فوراستيي يوم 10 أبريل 1975 أمام جمعية الإحصائيات في باريس، فقد كانت من جنس آخر تماما، ولو أنها وُسمت بالعنوان ذاته: «الربع الأخير من القرن العشرين». وقد عرض فيها الخطوط العامة لتطور المجتمعات الغربية، محددا عاملين حاسمين: الأول يفضي إلى العقلانية وصواب التوقع والتخطيط، وهو تقدم تقنيات الإنتاج الناجم عن تقدم العلوم التجريبية. أما الثاني فهو يفتح على أحداث لاعقلانية تبقى عرضة للأهواء وللعفوية، وحتى للتهور، بما يتحدى كل قدرة على التوقع: إنها النوازع الغريزية التي تزخر بها الديموغرافيات، والقوميات، والإيديولوجيات، وشتى العصبيات والتعصبات.

ويقرر فوراستيي أنه منذ أن أخذت العلوم التجريبية تضع في متناول القرارات الإنسانية القوة الهائلة للتقنيات والآلات والطاقات الميكانيكية والنووية، فإن إنجازات البشر، الفردية والحكومية، وأخطاءهم قد تضخمت إلى حد منح عصرنا طابعا محموما ومُشِطّا تتجاوز أبعاده، بما لا يقاس، كل القرون الماضية. من ذلك أن من الحكام من يستطيع اليوم ترهيب قارات بأكملها، بل واستعبادها. كما أن التزايد، منذ قرنين، في أعداد ضحايا الحروب الأهلية والإقليمية والثورات والمحاكمات السياسية يقدم مثالا على تضخم عواقب قدرات البشر: حيث بلغ عدد القتلى والمصابين في الثورة الفيتنامية مائة أمثال قتلى الثورة الفرنسية وجرحاها، كما كان الترهيب الذي شنه روبسبيار من جنس الصناعات التقليدية قياسا بالترهيب الستاليني.

استنتاج فوارستيي هو أن التقدم التقني الدائم سوف يمضي في التضخيم المستمر لعواقب أفعال البشر، طابِعا الحياة الاجتماعية والسياسية، داخليا ودوليا، بطابع اللا-استقرار الذي سوف يجعل الوضع السياسي للعالم في الربع الأخير من القرن العشرين (وكم كان جديرا به أن يضيف: «ولا سيما في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين») عصيا ممتنعا على كل التوقعات.

القدس العربي

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه أوروبا روسيا الصينية التسلح الولايات المتحدة الولايات المتحدة الصين روسيا أوروبا التسلح مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة رياضة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة من القرن

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • 8 مليارات درهم قيمة 33 صفقة دمج واستحواذ إماراتية بالربع الأول
  • 411 ألف زائر لشواطئ أبوظبي خلال الربع الأول
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟
  • أسعار الذهب الآن في مصر.. عيار 21 فاق التوقعات
  • «الشارقة للفنون» تُطلق السلسلة الصوتية القصيرة «تواريخ ممتدة»
  • صور تفوق التوقعات.. الذكاء الاصطناعي يصنع معايير جمال يصعب تحقيقها وتُربك الجراحين
  • سيدة تستدرج الأطفال لخطفهم.. الحقيقة تحمل مفاجأة تقلب كل التوقعات | فيديو
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟