قال "يوليوس قيصر" محذرا من "كاسياس": "لو كان لقيصر أن يخاف مخلوقا لما رأى في الناس من هو أولى مجانبة من كاسياس، ذاك الناحل المعروق. إنه كثير الاطلاع، دقيق النظر، يستشف بنافذ بصيرته كُنه الأمور ومراميها، ولكنه لا يحب الألعاب، مثلك يا أنطانيوس، ولا يحب سماع الموسيقى.. .".
هذا المقتبس من مسرحية "يوليوس قيصر"، للشاعر الإنجليزيّ العظيم وليام شكسبير، الخبير بأدواء النفس الإنسانية، يصف فيه "يوليوس قيصر" أحد المتآمرين عليه، وهو يستشعر خطورته، وجدارته بالاجتناب والنفور، لأنه مجدب الروح، فقير الوجدان، وإن كان ذكيا نافذ البصيرة، بعيد النظر.
وآخر أوصاف قيصر لـ "كاسياس" أنه لا يحب سماع الموسيقى، ذلك أن الموسيقى والغناء، كفنين عريقين، يلعبان دورًا أساسيًّا في تهذيب النفس، وبناء الشخصية المثقفة، وحفظ توازنها، وإشاعة الرقة والرقي من حواشيها.
ولا شك أن لكل عصر غناءه، المعبر عن روحه وإيقاعه، المتجاوب مع أحداثه.
فمن منا لم يقف مبهورًا فخورًا بالغناء الرصين: كلمات ولحنًا وأداءً، وهو يؤدي دورًا عظيمًا في ثورة 23 يوليو 52: في تصوير أحداثها الجسام، وبلورة شخصية زعيمها الهمام، خالد الذكر جمال عبد الناصر؟
كان الفن في الحقبة الناصرية، الثرية في تاريخ مصر، وزارة إعلام وجدانية تنشر الغبطة والفرح في كل قلب، بالانتصارات والإنجازات، وتبكي أسًى في لحظات الانكسار. باختصار كان الفن ضحكة المصريين ودمعتهم وباعث زهوهم وفخارهم.
أم كلثوم لم تكن مجرد مطربة عبقرية جادة، ثارت على الغناء الخليع المتكسر، والكلام الماجن، الذي تطرق الرءوس عند سماعه، وتحمر الوجوه خجلًا، وإنما كانت مؤسسة فنية، كانت هي وعبد الحليم حافظ وغيرهما، المعادل الفني لثورة يوليو المجيدة.
شدت أم كلثوم: نشيد الجلاء سنة 1952، تخليدًا للحظة فارقة في تاريخ مصر، وهي جلاء القوات البريطانية عن مصر، كلمات أحمد شفيق كامل، ولحن رياض السنباطي. وشحذت الهمم وأشعلت الحماس الثوري، بأغنية "والله زمان يا سلاحي" كلمات صلاح جاهين، ولحن كمال الطويل، وأغنية "ثوار" لجاهين والطويل أيضًا. وبعثت لمصر صورة جديدة للوطن الذي حلمت به ثورة يوليو بقصيدة رامي "مصر التي في خاطري" ولحن رياض السنباطي.
وكما تجاوبت أم كلثوم مع أحداث ثورة يوليو الكبرى، جسدت شخصية الزعيم الملهم جمال عبد الناصر، الذي كان يؤمن بالتحرر الوطني لكل ربوع الوطن العربي، وليس لمصر فقط، فغنت له "يا جمال يا مثال الوطنية" لأحمد شفيق كامل وكمال الطويل. وهتفت بلسان الشعب العربي كله ونبض فؤاده: "ناصر كلنا بنحبك".. لقد كانت أم كلثوم آلة دعائية عظيمة وصادقة.
وعلى صعيد الأغنية العاطفية غنت أم كلثوم قصائد أحمد شوقي وقصائد الأمير العربي أبي فراس الحمداني والسوداني الهادي آدم وبيرم التونسي واللبناني جورج جرداق والسعودي الأمير عبد الله الفيصل والباكستاني محمد إقبال، وغيرهم.. فكانت التجسيد الفني الموازي للوحدة العربية والإسلامية التي حلم بها وجسدها في مرحلة الخمسينيات الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
وكان عبد الحليم يعتبر عبد الناصر أباه الروحي، وغرس، بصدقه المعهود، مشاعر الإكبار والامتنان للثورة وزعيمها وإنجازاتهما العظيمة، فهتف: " إحنا الشعب" لجاهين والطويل، وحكى "حكاية شعب " ورسم صورة الوطن الجديد في "صورة" كلمات صلاح جاهين، ولحن كمال الطويل، وشدّ من أزر "ناصر" بعد نكسة 67 ودعمه بأغنية "ناصر يا حرية"، وبكى حليم وأبكى الملايين هو والأبنودي بعد نكسة 67 بأغنية "عدا النهار".. كان الغناء لقضية سامية، وحلم طموح، ومشروع عظيم.
واستمر الغناء في تمجيد الأحداث الكبرى، التي تعتبر امتدادًا لثورة يوليو، كنصر أكتوبر العظيم 1973م، بقيادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات. فشدت وردة الجزائرية "على الربابة بغني" لبليغ والأبنودي، و"سمّينا وعدينا" لعبد الحليم، كلمات محمد حمزة، ولحن بليغ حمدي و"صباح الخير يا سينا" لمحمد حمزة والطويل، و"عاش اللي قال للرجال عدوا القنال"، و"رايحين شايلين في إيدنا سلاح"، وامتلأ الوادي بأهازيج تحرير ما تبقى محتلا من سينا، بالتحكيم الدولي والمفاوضات في عصر الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، فصدحت شادية: "سينا رجعت كاملة لينا ومصر اليوم في عيد".
واستمر جيل الوسط كمدحت صالح ومحمد ثروت وهاني شاكر وغيرهم في تقديم أغان وطنية وعاطفية بكلمات مهذبة وألحان عذبة وأداء رزين.
لقد كان المغنون يغنون للناس والأحداث.فلمن يغني المغنون اليوم؟!
فإذا قفزنا إلى الحاضر السعيد الذي نحياه الآن، وجدنا غناء يطلق عليه الغناء الشعبي. ولا تستهينوا بالغناء الشعبي ومهرجاناته وترينداته، فهو ليس خاصًّا بالأحياء الشعبية فقط، وإنما صار عنصرا تكوينيا رئيسيا في الدراما مما وسع انتشاره وعمّق تأثيره.. هذا الغناء يعاني آثاره الجميع في شوارعنا، حيث نزع الملابس عن النصف الأعلى من الجسد، وإشهار السيوف والمطاوي، وكافة الأسلحة البيضاء، وانتهاء كل "فرح" بشجار تتطاير فيه الزجاجات فارغة وممتلئة فتُبطح الرءوس وتُخمش الوجوه وتسيل الدماء. نعم ولكن رب سائل يسأل: ما العلاقة بين الغناء وما يحدث في بعض شوارعنا وأحيائنا الشعبية من عنف وعراك وألفاظ جارحة كالأسلحة البيضاء تماما؟
والإجابة واضحة وحارقة كشمس بؤونة. استمع، وستعرف أن بعض المغنين اليوم لا يغنون لحدث عظيم ولا لقيمة وجدانية أو روحية سامية، بل أصبحوا يغنون انتصارًا لأنفسهم وتجريحًا في الآخر المنافس، وضاع "السميعة" في المنتصف، وترجم الشباب بطريقتهم هذه الأغاني مشاحنة وعراكًا. فهذا يصيح في وجوه سامعيه قبل منافسيه بكلمات قاسية: "عالم أوباش هبيعكم كاش.. عم المجال كله وسايبكو أنا "تغلوا".. الشغلة شغلانتي وسايقها أنا لوحدي.. ." في تكريس مقيت للفردية الأنانية وتحقير الآخرين وشتمهم.
ويصرخ آخر، وكأنما يرد على زميله السابق، والقاسم المشتركة بينهما - بكل أسف - هو "الغل" والتقليل من شأن الآخر المنافس، وعلى نفس خط التكريس لمعادلة الأحادية وإزاحة الآخر: إما أنا وإما أنت: "أنا الحوار اللي التاريخ قفل كتابه بعده.. ع الدغري وبرجولة كلها من بابا "مغلولة".. دا أنا طلعت حارق دمك.. ما لكوش طلب ولا ليكو عازة.. طول ما أنا فيها انتوا أجازة.. كل أما ينزل ويريح يفضل يخرف ويلقح.. أنا قضاكم المستعجل.. " وهذا تكريس مضاد بنفس الآليات، لا يؤمن بغير الواحد المهيمن على قمة الغناء. ولا أريد الاستسلام لغواية الاسترسال في إيراد أمثلة لهذا الغناء الجارح الخشن فما ذكرته مجزئ في الدلالة على كثير مثله يجرح الأذن ويؤذي الشعور.
إن ما حدث في برنامج "دولة التلاوة"، هزَّ الوجدان المصري، بل وجدان العالمين العربي والإسلامي جميعًا، وربط حاضر مصر الزاهر بماضيها التليد المجيد في تلاوة القرآن الكريم. فالقرَّاء المصريون، مزامير داود، علموا العالم قراءة القرآن وتذوق جماليات أدائه، وشنفوا آذان مستمعيهم في كافة أرجاء المعمورة.
لقد عكس برنامج "دولة التلاوة" قاطرة مقدسة لثورة شاملة عظيمة دعا إليها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بدأت بتلاوة القرآن الكريم، وننتظر ازدهار دولة العلم والبحث العلمي، ودولة الثقافة، ودولة الغناء الراقي، ودولة الدراما الهادفة، بل وازدهار كل مناحي حياتنا الفكرية والروحية، إكمالا لثورة الإنجازات المصرية الكبرى المعجزة: سياسيا وعسكريا وإنشائيا، التي شهد بها العالم العدو منه قبل الصديق.
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: مقالات أم كلثوم السادات كاسياس مبارك عبد الناصر الغناء حليم دولة التلاوة ويليام شكسبير د صلاح عبادة يوليوس قيصر عبد الناصر أم کلثوم
إقرأ أيضاً:
مفاجآت نارية عن فيلم أسد وسر كلمات زينة المثيرة للجدل عن أحمد عز.. تفاصيل
علقت الناقدة الفنية مي سكرية، على جدل وأزمة سحب فيلم أسد بطولة الفنان محمد رمضان، من دور العرض السينمائية.
وقالت مي سكرية ، في لقائها مع الإعلامية نهاد سمير، ببرنامج صباح البلد، المذاع على قناة صدى البلد: «قبل ما أتفرج على الفيلم كنت متخيلة فعلاً إن الفيلم بيدعم نظرية الأفروسنتريك اللي بعض السودانيين أو بعض الأفارقة بيتكلموا عنها أو دلوقتي بيحاولوا يروجوها، إلى أن اتفرجت على الفيلم، بعيد كل البعد عن الأفروسنتريك، فيلم أسد بيتكلم عن ثورة الزنج أو ثورة العبيد اللى حصلت المفروض فى العراق ولكن هما في الفيلم مصروها إنها حصلت في مصر».
وتابعت الناقدة الفنية: «ومن بداية الفيلم قايلين إن دول عبيد أو زنوج أو أفارقة جايين من كل حتة من أفريقيا ومن كل حتة من العالم، من القارة كلها، وكانت ثورتهم في إن كل واحد عايز يرجع بلده، يتحرروا من العبودية وكل واحد يرجع على بلده».
وفيما يخص أداء الفنان محمد رمضان في الفيلم، قالت: «عجبني عناصر الفيلم، إخراج، صورة، تمثيل محمد رمضان مختلف تمامًا عن أدواره السابقة، شايفة إن الفيلم مختلف، وفيه معارك كبيرة جدًا مع تمثيل وانفعالات ومحمد الحقيقة قدم فكر مختلف».
واستكملت الناقدة الفنية مي سكرية: «طرح فيلم 7dogs أثّر على نجاح محمد رمضان، لما نيجي نقارن إيرادات لازم نقارن عدد قاعات لازم نقارن عدد دور العرض، تلاقي قاعات العرض عددها كبير جدًا مقابل 54 قاعة عرض لمحمد رمضان، ونيجي بعد كدة نقول فيلم 7dogs حقق إيرادات مهولة في المقابل، هو طبيعي لازم فيلم أسد ميحققش، لأنه اتشال من دور عرض كتير جدًا واتظلم».
زينة وأحمد عزوتحدثت الناقدة الفنية عن الرسالة المثيرة للجدل للفنانة زينة، “ده انا لو هرفع قضية على خروف هستني لبعد العيد” قائلة: «الشائعة لما بتتقال مبتبقاش منطقية، أصل مش معقول أنا كل ما هيدخل فيلم هزود النفقة، مفيش حاجة اسمها كدة، وخلاص المحكمة حكمت بنفقة معينة، ومش معقول كل ما هيدخل فيلم وكل ما هيدخل مسلسل أطالب بنفقة».
واختتمت مي سكرية: «أحمد عز أجره معروف واللي خده في 7 Dogs مش بالضرورة إنه ياخده في مسلسل درامي هنا أو في فيلم تاني هيمثله هنا، يعني الأجور بتبقى متفاوتة ومختلفة.. وكنت مع التوضيح لأن الكلام كان كتير أوي وطبعًا التشبيه مش لطيف، خاصةُ إنه أبو ولادها، والتشبيه ممكن يتفسر غلط».