جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@08:06:40 GMT

روي.. صرخة مدينة تموت في صمت

تاريخ النشر: 3rd, January 2026 GMT

روي.. صرخة مدينة تموت في صمت

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

ما جعلني أكتب هذا المقال ليس حنينًا عابرًا، بل صورة مُوجعة أرسلها لي أحد الأصدقاء، وهو يتألم لإغلاق عددٍ من أقدم المحلات التجارية في روي؛ واجهات أُطفئت أنوارها، وأبواب أُغلقت بصمت، وكأنَّها إعلان غير مكتوب عن انسحاب الحياة من المكان. صورة واحدة كانت كفيلة بأن تفتح نقاشًا صريحًا بيني وبين مجموعة من الأصدقاء: ماذا يحدث لروي؟ وكيف وصلنا إلى هذا المشهد القاسي؟

روي لم تكن يومًا مدينة عاديةً؛ بل كانت القلب النابض لمحافظة مسقط، تتجاور فيها مدينتي مطرح ومسقط، وتلتقي عندها التجارة والسكن والعمل منذ بدايات النهضة المباركة.

سوقها كان مقصدًا، وشوارعها مأهولة، ومدارسها مُكتظة بالطلبة، وليلها لا يقل حياة عن نهارها.

اليوم، يدمع القلب قبل العين. مدينة روي تمرض يومًا بعد يوم، وتشيخ أمام مرأى الجميع. هجرها أهلها في هجراتٍ صامتة بحثًا عن سكنٍ أفضل، فأُغلقت المدارس التي كانت تعج بآلاف الطلبة، وأصبحت آيلة للسقوط، وتحولت مبانٍ كانت سكنًا للدبلوماسيين وكبار التجار ورجال الأعمال إلى فراغٍ صامت. مدينة تُفرغ من سكانها فتغادرها الروح قبل الحجر.

ومع ذلك، فإنَّ روي لا تزال تزخر بمعالم قادرة على إعادة الحياة إليها لو وُجد القرار. ففيها جامع السلطان قابوس بروي، أوَّل جامع بُني في مدينة روي، والذي شكّل منذ تأسيسه علامة دينية وحضارية ومركزًا اجتماعيًا لأهل المنطقة، وشاهدًا على بدايات تشكّل المدينة الحديثة. وفيها مبنى أوكي سنتر الذي كان رمزًا للحركة التجارية، إضافة إلى فنادق عريقة مثل فندق الفلج وفندق روي وكانت تستقبل الزوار ورجال الأعمال وتضفي زخمًا دائمًا على المدينة.

ولمن يظن أن روي فراغٌ بلا ذاكرة، فنقول له إن مدينة روي تحتضن مؤسسات صنعت تاريخها الحديث مثل وزارة التربية والتعليم، ومجمع الوزارات، ووزارة الدفاع، إلى جانب ساحة البلدية ومبنى جريدة عُمان. وفي الذاكرة الترفيهية، لا تُنسى سينما النجوم وسينما النصر، كما كان سوق روي التجاري ملتقى التجار ومساحة للتسوق، إلى جانب مساكن الشرطة. أما المدارس فتركت مدينة روي بصمة بين الأجيال مثل مدرسة روي للبنين، وروي النموذجية للبنات، ومدرسة نجيّة بنت عامر، ومدرسة حسان بن ثابت، والمكتبة الإسلامية، فقد خرَّجت قامات وطنية تتبوأ اليوم مواقع صنع القرار. هذه ليست أسماء عابرة، بل شواهد على مدينة كانت تُنتج الإنسان قبل الإسمنت.

المفارقة المؤلمة أن المنطقة التجارية في روي بما تضمّ من مبانٍ أُنفقت عليها مئات الملايين تحولت إلى مساحات شبه خالية. اليوم ولتأكيد مكانة روي فما زالت تضم مؤسسات حكومية مثل مبنى البنك المركزي العُماني، ومبنى وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وغرفة تجارة وصناعة عُمان، ومبنى بورصة مسقط وبرج الاتصالات وكل البنوك التجارية. وهذه المؤسسات قائمة بشموخ، لكن بلا حياة. البنية موجودة، والاستثمار قائم، والإنسان غائب.

إنَّ العصف الذهني لإحياء مدينة روي والذي شاركني فيه مجموعة من الأصدقاء أكدوا أن هناك حاجة لإحياء هذه المدينة وهذا ليس ترفًا ولا حنينًا؛ بل ضرورة. وأولى خطوات الإنعاش قد تكون بسيطة مثل أن تكون مواقف السيارات مجانية، والعمل على تنظيم الفعاليات، وتحسين الواجهات، وإعادة الإضاءة. لكن الحل الجذري يبدأ بالسكن؛ فلا مدينة بلا سكان. هنا تبرز أهمية أن تتولى وزارة الإسكان والتخطيط العمراني إدراج مدينة روي ضمن استراتيجيتها العمرانية كمدينة حضرية كبرى مُتكاملة.

كما إن الجبال المحيطة بروي قابلة للتطوير ويمكن أن تحتضن مجمعات سكنية حديثة توفر آلاف الأراضي والوحدات لأبناء المنطقة، مع منح مخططات إسكانية للشباب والجيل الجديد ودعوة السكان للعودة تدريجيًا إلى قلب مدينتهم. ويمكن دعم ذلك بإنشاء مواقف على أطراف وادي الكبير، وتحويل الوادي إلى رئة خضراء عبر تشجيره بشجر السدر المحلي، مع مسارات لمحبي قيادة الدراجات الهوائية وممشى مهيأ لمحبي رياضة المشي. كما إننا وفي سياق هذا المقال نُسوِّق مقترحًا لبلدية مسقط بإقامة سوق ليلي دائم في مدينة روي كما في العواصم العالمية وهذا السوق كفيل بإعادة الحياة بعد الغروب، وتنشيط الاقتصاد، وخلق فرص عمل، كما إن انتشار الحمام الذي استوطن في البنايات كفيل أن تقام ساحة للحمام ليكون عنصر جذب سياحي.

في خاتمة هذا المقال أوجه رسالة صادقة إلى أصحاب المعالي والسعادة والمخطِّطين وصنّاع القرار وأقول لهم: زوروا مدينة روي وتجولوا في شوارعها، وقفوا على احتياجاتها عن قرب، وشاهدوا ما تبقى من نبضها وما أصابها من وهن؛ لأنه حين تُرى المدينة على حقيقتها، ستنهمر الأفكار تباعًا.

ونختم هذه الصرخة بالتأكيد أننا سنُواصل سرد هذه القصة عبر سلسلة مقالات، لا بوصفها نقدًا عابرًا، بل رسالة مسؤولة لصنّاع القرار، تبدأ من روي وتمتد إلى مدنٍ عُمانية أخرى يهجرها أبناؤها بصمتٍ. فإما أن نُعيد للمدن قلبها، أو نكتفي بمشاهدة موتها إكلينيكيًا.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا

قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.

عاجل.. سماع دوي انفجارات في منطقة جزيرة قشم بإيران وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • مدينة الملك عبدالله الطبية توجّه الحجاج للعناية بالقدمين بعد أداء المناسك
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • صبري عبد المنعم: سهام جلال كانت تبحث عن عمل
  • أمير كرارة يدافع عن نفسه: سهام جلال كانت تراسله على رقم خاطئ
  • كواليس الهجوم الروسي على مدينة دنيبرو الأوكرانية
  • آبل تطرح macOS 26.5.1 وتحسم مشكلة كانت تؤثر على أجهزة ماك M5
  • وفد منظمة الصحة العالمية يزور مدينة بركاء الصحية
  • «ياس كلينك - مدينة خليفة» يطلق مختبراً تشخيصياً من الجيل القادم
  • محافظ دمياط يتفقد مدينة السرو سيرا على الأقدام
  • “أمن السواحل”: إنقاذ 38 مُهاجرًا غير شرعي قُبالة مدينة سرت