لجريدة عمان:
2026-06-03@00:07:28 GMT

عالم بلا قواعد

تاريخ النشر: 3rd, January 2026 GMT

عالم بلا قواعد

تتجاوز دلالة الهجوم الأمريكي على فنزويلا، وما قيل إنه انتهى باعتقال الرئيس ونقله خارج البلاد تمهيدا لمحاكمته، موضوع الخصومة بين واشنطن وكاراكاس، إلى فكرة «النظام العالمي» نفسها، فكرة القواعد التي تقيد القوة وترشدها.

تقول الولايات المتحدة إن ما جرى يقع في إطار «إنفاذ القانون»: مكافحة المخدرات، ومواجهة «الإرهاب»، وحماية الأمن القومي، وربما حماية الشعب الفنزويلي نفسه.

هذا الخطاب ليس جديدا، الجديد هو شكل الفعل السياسي؛ إزاحة رأس دولة بالقوة. تتغير هنا طبيعة المسألة بالكامل، لأن الأمر لم يعد ضغطا دبلوماسيا أو عقوبات أو دعما للمعارضة، كما كان سائدا في الكثير من التجارب في العالم، ما حدث هو اقتلاع لسيادة دولة من مكانها، وإعادة رسم حدود ما تراه قوة عظمى «مباحا» حين تقرر أن دولة ما صارت مشكلة.

لم تكن الفكرة التي حكمت العالم بعد 1945 مثالية، لكنها كانت محاولة عالمية لتقليص استخدام القوة لتغيير الحدود والأنظمة، وتحصين مفهوم السيادة، وربط الشرعية بإجراءات جماعية ومؤسسات متعددة الأطراف، لا بإرادة طرف واحد. وحين يُكسر هذا المعنى من فوق، تصبح القاعدة مهددة من تحت. لأن القانون الذي لا يسري على الأقوى يتحول إلى درس تربوي للدول الأضعف.

يقوض هذا الهجوم من حيث الشكل والنتائج آخر ما تبقى من ادعاء أن النظام والقانون محايد وعام. فإذا استطاعت دولة أن تجرّ رئيس دولة أخرى بالقوة خارج حدوده، فما الذي يمنع دولا أخرى من تطوير نسخها الخاصة من «إنفاذ القانون» عبر الحدود؟ ولن يكون تكرار مثل هذا النموذج صعبا على الإطلاق. وما فعلته أمريكا يمكن بسهولة أن يتحول إلى أنموذج تسير عليه الدول القوية وتنفذه على الدول الصغيرة التي لها فيها مطامع اقتصادية وسياسية.

والمنطق الذي يُبرر مثل هذه العمليات يستدعي عادة «الأخلاق» كحجة.. لكن التجربة الطويلة لتغيير الأنظمة بالقوة تقول شيئا آخر. التدخل لا ينتج نظاما أفضل، وقد ينتج دولة أضعف ومجتمعا أكثر انقساما ومؤسسات أكثر ضعفا. والأهم أنه يعلّم العالم درسا خطيرا هو إذا كانت الشرعية تُمنح بالقوة وتسحب بالقوة، فالحل الذي سيبحث عنه الجميع ليس القانون، بل السلاح والاصطفاف والاحتماء.

وهنا يصبح استدعاء واقع العصور القديمة منطقيا جدا. في تلك العصور كانت الحرب تنتهي بأسر الملوك وإذلالهم، وكانت الشرعية تُصاغ باسم المنتصر. ما حاول القرن العشرون أن يفعله ـ ولو بقدر من النفاق أحيانا ـ هو نزع هذا الامتياز من القوة.

لا يستطيع العالم بناء قانون دولي على قاعدة الاستثناء. إذا كان الهدف محاسبة قادة متهمين بجرائم جسيمة، فالأدوات الطبيعية هي مسارات قضائية دولية أو إقليمية معترف بها، أو آليات تفاوض وضمانات انتقال، لا خطف رأس الدولة وإعلان «نهاية الفصل» من خارج النص. لأن النتيجة المتوقعة ليست نظاما أكثر أخلاقا، بل عالما أكثر فوضى، كل طرف سيعتقد أن بإمكانه كتابة العدالة على مقاسه.

والخطر لا يقتصر على فنزويلا. الخطر على فكرة أن الدول الأضعف يمكن أن تستند ـ ولو جزئيا ـ إلى قواعد تمنع افتراسها. وتصبح السياسة الخارجية لكل دولة تمرينا دائما على الخوف. وحين يصبح الخوف هو المنطق العام، لا يعود النظام نظاما، حتى لو بقيت لافتاته معلّقة على الجدران.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

فكوا الحصار..ليفتحوا المضيق

 

الدكتور / الخضر محمد الجعري

مايشهده التفاوض حاليا هو انسداد في الأفق بسبب تبادل شروط الطرفين الإيراني والأمريكي وتمترس كل طرف وتمسكه بها حتى أوصلت التفاوض إلى هذا الانسداد ..
إن السبيل لعودة التفاوض وتجاوز هذه المعضلات يتم عبر مبدأ واحد ليفتح أفقا سياسيا جديدا للتفاوض ومقدمة لإثبات حسن النية …هذا السبيل يكمن في(( فك الحصار الأمريكي عن موانيء إيران مقابل فتح أيران لمضيق هرمز ))لمرور ناقلات النفط وسفن التجارة التي أثرت ليس على أوضاع الأسر بل وعلى الشركات و اقتصاديات الدول..
إن إتخاذ هذه الخطوة المتبادلة من قبل الطرفين لا تفتح أفقا سياسيا جديدا ومسارا للتفاوض بل تعتبر خطوة مهمة للاقتصاد والأمن العالمي ..
إن لم يتم احداث معجزة جديدة من قبل الوسطاء وفي المقدمة باكستان التي تقود بصبر الوساطة وتبذل جهودا جبارة..فإن حرب مدمره تصبح هي البديل وهو الإتجاه الذي يدفع به الكيان الصهيوني ..كما يفعل في كل مره كلما اقترب التفاوض من وضع الخطوات الأولى نحو الحل ..
ورغم ما ألحقه العدوان الأمريكي الصهيوني من دمار فإن إيران واجهت هذا العدوان بصبر المؤمنين..وبثبات قل نظيره..
ولن تتنازل إيران عن حقوقها بعد أن دفعت إثمان باهظة خلال حربين ..وهي تستعد بكل ثبات لصد أي عدوان جديد..وحرب ربما قد يعيد تموضع أمريكا من القوة الأولى في العالم إلى دولة كبرى فقط تملك عضوية دائمه في مجلس الأمن وربما تصبح إيران دولة كبرى قد تستحق عضوية مقعد دائم في مجلس الأمن كممثل لدول العالم الثالث بعد أن أثبتت وجسدت مثلا في دفاع الشعوب عن حقها وتمسكها بسيادتها وامتلاكها ناصية أستقلالية قرارها..
نعول على صحوة الشعوب ونزاهة الدول لمنع تجار الحروب من الدفع بالعالم نحو كوارث انسانية جديدة سيدفع العالم كله ثمن أوجاعها.

مقالات مشابهة

  • كوراساو.. أصغر دولة تتأهل لكأس العالم
  • حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!
  • خرائط عالمنا الجديد
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • حكومة الاحتلال تغذي إرهاب المستوطنين وآن عقابها
  • كيف يستطيع العالم أن يفعل أكثر بموارد أقل؟
  • ساعات الحسم.. فيفا يعتمد القوائم النهائية لمونديال 2026 وسط قواعد صارمة
  • الرئيس النمساوي: العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى
  • منتخب مصر جاهز بالقوة الضاربة لمواجهة البرازيل
  • فكوا الحصار..ليفتحوا المضيق