منذ زراعته في فلسطين المحتلة، والعدو الصهيوني يفتقر إلى أخلاق الشجعان، اعتمد الوحشية والاستهداف العشوائي دون مراعاة لأدنى مستوى من الضوابط التي تمنع الفرار من مواجهة المقاتلين إلى قصف النساء والأطفال أو تدمير وسائلهم في الحياة من بنية تحتية، ومنع وصول الغذاء والدواء إليهم.
في العدوان على غزة منذ أكتوبر 2023، أثبت العدو الصهيوني أن كيانه بكل تركيبته المتنافرة، يعيش عقدة خوف مزمنة، وهي التي توجِّه سلوكه لفرض حالة وهمية من القدرة على هزيمة الآخرين، وفي تفاصيل العدوان الوحشي، ظهر ما يؤكد هذه الحقيقة التي طالما توارت خلف ضجيج إعلامي مُوجّه بخاصة للأمة العربية والإسلامية.
ما تزال عصابة «الهاجانا» الصهيونية تقتل الأطفال والنساء والمسنين، ثم تقوم بمحاصرة من تبقى منهم أحياء. ورغم الآثار الإنسانية الكارثية التي ولدتها هذه الممارسات الوحشية، إلا أن العدو استمر في منهجية القتل غير المبرر، مع ذلك، فشل في تحقيق أي هدف احتلالي يتماشى مع طموحه التوسعي وإبادة من هم حوله.
وخلال أكثر من عامين من هذه العمليات الجبانة لم يُظهِر العدو أي علامات تدل على شجاعة أو قوة، فأخلاقيات الحروب وحتى الخصومة، تنكر اللجوء إلى وسائل رخيصة في القتل، كما وتنكر استعاضة مواجهة الأبطال بقتل الأطفال والنساء. واستمراره إنما يشير إلى رغبة في التخلص من كل الشعب الفلسطيني لعجزه عن مواجهته، فشعب يصمد رغم كل هذا الإجرام الذي يكاد يُنطق الحجر، ليس من السهولة السيطرة عليه.
كان العدو وما زال يمارس عدوانه بحقد ورعونه، وخلف ذلك يختبئ خوفه المزمن، وفي لجوئه المستمر بلا أي سبب إلى عمليات الاقتحام لبيوت الفلسطينيين والتنكيل بالأطفال والنساء ما يشير أيضا إلى سيطرة هذا الخوف عليه فالجميع يُخِيفُونه، حتى ذوي الاحتياجات الخاصة لا يسلمون من فعله الناجم عن عقدة الخوف، فيرى فيهم أشباحا تحاصره من كل مكان.
كان المجنّد الصهيوني طوال العدوان يدخل غزة مدججاً بالسلاح، والسترات الواقية من الرصاص، وتحت حماية سرب الطائرات المقاتلة فيصرعه مقاوم بسلاح بسيط بلا أي سترات..
كان المجند الصهيوني يرفض القتال إلا في ظروف تضمن له توفر أعلى نسبة أمان، بينما يقاتل البطل الفلسطيني من بين الأنقاض، متوكلاً على الله ومؤمناً بالانتصار إما بدحر العدو أو الشهادة.
وحين قرر اليمن تنفيذ عمليات الإسناد، كانت مفاجأة العالم أكبر، فالدولة التي أنهكتها الحروب والمؤامرات، والمصنفة بأنها أضعف وأفقر دولة، نجحت في تجاوز كل عوامل الإعاقة ووصلت إلى عمق العدو الذي كان يقال بأنه رابع قوة في العالم، وضربت غطرسته. وزاد اليمن من إثبات أن بلوغه الهدف داخل الكيان لم يكن صدفة أو ضربة حظ، بتصعيد عملياته بشكل لافت خلال مراحل خمس، ثم فرض حصاراً برياً وبحرياً على أهم مطاراته وموانئه، وهو ما أكد أن انتصارات العدو في حروب سابقه، إنما كانت تعتمد إما على الحظ أو على الآخرين، فهو بمفرده ليس بمقدوره حتى السيطرة على عصابات الجريمة المنتشرة داخل كيانه المتحلل.
في الأثناء كان للخوف المزمن لدى العدو تأثيره في حصر عملية الدفاع أو الرد، فمقاتليه ليسوا أقل من قادته، يرون الانتصار في البقاء أحياء، فكانت تحركاتهم الحذرة والمحدودة تعكس هذه القناعة، ومن ساعده الحظ في النجاة دخل في أزمة نفسية عزلته عن الناس وأحياناً تدفعه للانتحار.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..