فاجأني السائق الذي رافقنا في رحلتنا إلى كازاخستان عندما أخبرني بإنجابه سبعة أبناء! وسرعان ما برر الأمر: «الدولة تصرف رواتب لمن لديه سبعة أبناء فأكثر». لم يبدُ لي حديثه عن الأبوة آنذاك كفعل إنساني وإنّما كمكافأة تُبرر تناسلنا البشري اللامحدود!
تذكرتُ حديثي مع السائق وأنا أشاهد في عطلة الأسبوع الفائت، الحلقات العشر من المسلسل المصري «كارثة طبيعية»؛ حيث يُصدم الزوج بأن زوجته -وفي حالة نادرة- تحملُ سبعة أبناء دفعة واحدة في أحشائها، ليغدو الحدث المُغاير للمألوف فرصة مواتية لكشف هشاشة المجتمعات العربية عن تأمين أبسط احتياجات الكائن الذي يشقُ طريقه إلى الحياة: من حفاظ وحليب وبيت دافئ، لا سيما إزاء تهديد الوالدين المنهمكين بفقدان مصدر رزقهما.
وكما يبدو من القصتين السابقتين، يُنظر إلى الطفل في الحسابات الاقتصادية، إمّا كمستهلك مُحتمل أو كعنصر مؤثر في استدامة القوة الشرائية!
تذهب سيمونا تيودور في إحدى دراساتها إلى أن قرار الإنجاب لم يعد فعلا عاطفيا خالصا ولا حدثا بيولوجيا معزولا عن حركة الاقتصاد، وإنّما فعل يتأثر بالحوافز المالية التي تقدمها الدولة، من قبيل: إجازات الأمومة المدفوعة، والإعانات النقدية للمواليد، وسياسات دعم الأسرة. ومن هذا المنظور: «لا تخلق الدولة الرغبة في الإنجاب بقدر ما تزيل الخوف المالي المرتبط به». قد تبدو دوافع الإنجاب لدى البالغين مرتبطة بإضفاء المعنى على حياتهم، أو مراوغة خلودهم الرمزي، إلا أنّ قدوم كائن جديد إلى الحياة لم يعد أمرا تلقائيا بسيطا كما كان في حياة أجدادنا. لقد تحول إلى حدث مُثقل بالحسابات، مما يُضاعف مشقة الحياة على زوجين في بداية طريقهما!
مجتمعنا العُماني، لم يعد بمنأى هو الآخر عن شعور مماثل، لأسباب اجتماعية واقتصادية وثقافية، لا سيما بين الأسر الحديثة من الطبقة المتوسطة. فقد أحدث التغيير العميق في حياة الناس تحولا ملموسا، ناتجا عن الانفصال عن الأسرة الكبيرة والاعتماد على عاملة منزلية، إلى جانب تكاليف الحضانات المرتفعة والوقت الطويل الذي يقضيه الوالدان بعيدا عن البيت. كل هذه العوامل تتضافر لتزيد من صعوبة اتخاذ قرار الإنجاب، في ظل الرواتب المُنهكة والحياة الاستهلاكية المتوحشة!
في مسلسل «كارثة طبيعية» نُرافق نبض القلق العارم وتوجساته وهو يصيب حياة الأبوين منذ لحظة استقبالهما لنبأ الحمل وحتى المجيء المُفاجئ لسبعتهم. يبذلان جهودا خرافية في سبيل ألا يتخليا عن الأبناء، ومع ذلك لا ينجوان من السيناريوهات المتلاحقة إزاء مستقبل محفوف بالمخاطر، وغياب دعم مؤسسات الدولة!
ينظر الاقتصاديون إلى الإنجاب كأداة للنمو، ولإنتاج رأس المال البشري، كشرط لبقاء القوى العاملة، وكمؤثر في حجم السوق الداخلية. وينظرون إلى الكائن الجديد: كعامل، كمستهلك، وكدافع ضرائب. غير أن تشجيع الإنجاب مشروط من وجهة نظرهم أيضا، فمجرد سعينا لرفع الأرقام الإحصائية للمواليد، لا قيمة له في ظل تدهور قطاعات التعليم والصحة والدعم المؤسسي! ففي الظروف غير المواتية ستغدو زيادة المواليد مُولدا لفقر بشري طويل الأمد عوض أن تغدو مُحرّكا طبيعيا للنمو، «ما يجعل السياسات الحكومية عاملا غير مباشر، لكنه حاسم في تشكيل العائلة الحديثة». فعلُ الإنجاب، الذي بَقِيَ لأزمنة طويلة من تاريخ البشرية فعلا غير مُقنَّن، تحكمه النوايا المسبقة أو المصادفات القدرية، غدا اليوم قرارا تتدخّل في اتخاذه -وعلى نحو عنيف- محرّكات الاقتصاد وتمثّلات الثقافة الاجتماعية وسياسات الدولة. ولعلنا نتبصر في «الخريطة الديموغرافية» ملمح سلوكنا وخياراتنا إزاء قرارات من هذا النوع!
من جانب فلسفي، ترى الفيلسوفة ريفكا وينبرغ أن الإنجاب فعل ينطوي على تعريض إنسان لمخاطر الحياة دون موافقته، ما يجعله قرارا أخلاقيا جسيما، لا يكفي الحبّ لتبريره. فالطفل لا يولد في فراغ، بل داخل بنية اقتصادية واجتماعية قد تُضاعف المخاطر المفروضة عليه، ما يفرض علينا إعادة التفكير في الإنجاب كمسؤولية قبل أن يكون حقا بديهيا للآباء!
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
أفضل مشروبات التخسيس.. خيارات طبيعية تدعم فقدان الوزن
في ظل تزايد الاهتمام بالحفاظ على الوزن المثالي والتمتع بصحة جيدة، يبحث الكثيرون عن وسائل طبيعية تساعد على إنقاص الوزن دون اللجوء إلى الأنظمة القاسية أو الأدوية غير المضمونة.
مشروبات تعزز حرق الدهون
وتأتي مشروبات التخسيس الطبيعية في مقدمة الخيارات التي يفضلها الأشخاص الراغبون في دعم جهودهم لفقدان الوزن، حيث تساعد بعض هذه المشروبات على تعزيز الشعور بالشبع وتنشيط عملية التمثيل الغذائي وتحسين الهضم عند دمجها مع نظام غذائي متوازن وممارسة النشاط البدني بانتظام.
ويؤكد خبراء التغذية أن المشروبات وحدها لا تكفي لإنقاص الوزن، لكنها قد تكون عاملًا مساعدًا فعالًا ضمن نمط حياة صحي متكامل، خاصة إذا تم اختيارها بعناية والابتعاد عن المشروبات الغنية بالسكريات والسعرات الحرارية المرتفعة.
ويُعد الماء من أهم وأفضل مشروبات التخسيس على الإطلاق، إذ يساعد على ترطيب الجسم وتحسين وظائفه الحيوية، كما أن شرب كوب أو كوبين من الماء قبل الوجبات قد يساهم في تقليل كمية الطعام المتناولة من خلال تعزيز الشعور بالامتلاء. كما أن الماء لا يحتوي على أي سعرات حرارية، ما يجعله الخيار المثالي للراغبين في خسارة الوزن.
ويأتي الشاي الأخضر في مقدمة المشروبات المرتبطة ببرامج إنقاص الوزن، لاحتوائه على مضادات أكسدة تعرف باسم الكاتيكين، والتي قد تساعد في تعزيز عملية حرق الدهون وزيادة معدل الأيض. كما أن تناول الشاي الأخضر بانتظام قد يساهم في تحسين الصحة العامة ودعم وظائف القلب والأوعية الدموية.
أما مشروب الزنجبيل، فيحظى بشعبية واسعة بين الباحثين عن فقدان الوزن، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن الزنجبيل قد يساعد في زيادة الشعور بالشبع وتحفيز عملية الهضم، بالإضافة إلى دوره في تقليل الانتفاخات وتحسين حركة الجهاز الهضمي.
ويعتبر مشروب الليمون بالماء الدافئ من أكثر المشروبات انتشارًا في أنظمة التخسيس. ورغم أن الليمون لا يذيب الدهون بشكل مباشر كما يعتقد البعض، فإنه يوفر جرعة جيدة من فيتامين "سي"، كما يمنح الجسم الترطيب اللازم ويعد بديلًا صحيًا للمشروبات الغازية والعصائر المحلاة.
كما يوصي بعض خبراء التغذية بتناول مشروب القرفة، الذي قد يساعد في تنظيم مستويات السكر في الدم وتقليل الرغبة في تناول الحلويات، مما ينعكس إيجابًا على التحكم في السعرات الحرارية اليومية. ويمكن إضافة القرفة إلى الماء الساخن أو مزجها مع مشروبات أخرى للحصول على مذاق مميز وفوائد إضافية.
ومن المشروبات المفيدة أيضًا الشاي الأسود غير المحلى، حيث يحتوي على مركبات نباتية قد تساعد في دعم عملية الأيض وتحسين توازن البكتيريا النافعة في الأمعاء، وهو ما يرتبط بدوره بصحة الجهاز الهضمي والتحكم في الوزن.
ولا يمكن إغفال دور القهوة السوداء غير المحلاة، التي تحتوي على الكافيين المعروف بقدرته على زيادة النشاط البدني وتحفيز عملية التمثيل الغذائي بشكل مؤقت. لكن الخبراء ينصحون بعدم الإفراط في تناولها لتجنب الآثار الجانبية المرتبطة بزيادة استهلاك الكافيين.
ومن الخيارات الطبيعية الأخرى مشروب الكمون، الذي يستخدم منذ سنوات طويلة في العديد من الثقافات الغذائية، حيث يعتقد أنه يساعد على تحسين الهضم وتقليل الانتفاخ وتعزيز الاستفادة من العناصر الغذائية، ما يجعله إضافة مناسبة لبعض برامج إنقاص الوزن.
ويشدد المختصون على أهمية تجنب إضافة السكر إلى هذه المشروبات، لأن ذلك قد يحولها من وسائل داعمة للتخسيس إلى مصادر إضافية للسعرات الحرارية. كما ينصحون بالاعتماد على نظام غذائي متوازن غني بالخضروات والفواكه والبروتينات الصحية مع ممارسة الرياضة بانتظام للحصول على أفضل النتائج.
وتبقى مشروبات التخسيس الطبيعية وسيلة مساعدة يمكن أن تدعم رحلة فقدان الوزن عند استخدامها بشكل صحيح، ويظل السر الحقيقي للوصول إلى الوزن المثالي والحفاظ عليه هو الالتزام بعادات غذائية صحية ونمط حياة نشط ومستدام، بعيدًا عن الحلول السريعة والوعود غير الواقعية.