د. عصام محمد عبد القادر يكتب: منعة الحب
تاريخ النشر: 4th, January 2026 GMT
أرى أن مَنعَة الحب، تعد حصنًا حصينًا، ضد ما قد يواجه الإنسان من نوازل الدهر، وصروفه، وما يعتري الحياة من تغيرات، وتحديات، وأزمات، لا حصر لها؛ فمن يحوز العاطفة في إطارها القويم، تستقر نوازعه، ويدرك أن المسيرة تمضي بهدوء في خضم السفينة المفعمة بفضيلة الرضا، والمحاطة بسياج السكينة، والمغلفة بنعم الأمان، والطمأنينة، ودروع الود، ولطائف حسن العشرة؛ لذا نوقن أن تباين الطباع، واختلاف السجايا، وتأرجح الأمزجة، لا يضير على المطلق العلاقة في صورتها الإيجابية.
أعتقد أن تعزيز وشائج الصلة، وقوة عرى المودة، يقوم على مَنعَة الحب، الذي يزيد من الثبات، ويدحض هلوسة التعالي، أو التباهي، أو التباري؛ فيحول مواقف الاختلاف إلى حزمة من الروابط الفكرية؛ ومن ثم تتجمع الجهود الذهنية والمادية، على مائدة المحبة؛ كي تستثمر الطاقات في شتى سبل الإنتاجية؛ حيث الثمرة المنشودة؛ فإذا بك دون أن تشعر تقترب ممن تكن له المشاعر الإيجابية؛ لتؤكد له أن مكانته في القلب قابعة، وأن لحظات الانفعال، لا تمس جوهر الوجدان، وأن نظم الدفاع الداخلية مفعلة، ضد كل من يستهدف النيل من جدار العاطفة السامية.
مَنعَة الحب لها أهمية بالغة، تجاه ترميم شروخ، أحدثها لهيب مواقف، وأزمات، نشبت جراء تباين في وجهات النظر؛ فأضحت العلاقات على حافة الانهيار؛ لذا يشكل تعزيز ديمومة المحبة، أمرًا لا مناص منه؛ إذا ما رغبنا في أن نعيش في كنف السكينة، ونهجر ساحات نزال تضيرنا؛ حيث تصيبنا بالخوف، والريبة، والشك، بل، يصل الحال لحافة الاضطراب المزمن، والتوتر غير معلوم السبب، وهنا نعي أو ندرك، أن شعيرة المحبة، تعالج العديد من العلل، الناتجة عن مصادر الشكوك، ومسببات الضيق، والتبرم، المؤديَيْن حتمًا إلى الاستياء والتأفف، مما يتسبب في تكدير الصفاء، والخروج من واحة المتعة، والراحة، إلى معترك ضيق مليء بالمنغصات.
هداية الطريق تقوم - من وجهة نظري - على ماهية مَنعَة الحب؛ حيث لا يتوقف الفرد في مساقها عن العطاء؛ فتبدو له الأمور بسيطة، ويستحضر ثمرة جبر الخواطر؛ فلا يُضام لديه من له حاجة، ولا يُردُّ عن بابه صاحب مطلب، وهذا ما يجعله صامدًا شامخًا؛ كونه يمتلك رسالة سامية يؤديها عن قناعة؛ فيرى أن نبراس الحياة يكمن في دروب الخير وأعمال الفضيلة، ويوقن أن قضاء مصالح الآخرين له شأن عظيم في النفوس، وله مثوبة في الدارين؛ ومن ثم يبرهن بأفعاله على نبل الغاية، وهنا نؤكد أن النصَب والإرهاق لا ينالان من عزيمته، ولا يقوضان إرادته.
مرفأ الأمان والطمأنينة يكمن بصورة صريحة في ماهية مَنعَة الحب، وهنا نقول إن الإنسان دومًا يبحث عنه؛ ليتخلص من أمراض الوجدان والأذهان، وينقح بفضله معارفه؛ لتصبح معززة لسلوك قويم متكامل، إضافة إلى أنه أحد الأدوات الفاعلة في تنقية الشوائب، وتعديل الممارسة الخاطئة، وعلاوة على أنه يوازن بين شغف العاطفة ومدى تأثيرها على النفس؛ فنتجنب مخاطر جسام؛ حيث تنشأ سلبيات عن الانكسار، أو الانحناء، أو الإحباط، أو السقوط المدوي، ولا نغالي إذا ما أكدنا أن حَصَانة الحب يصعب أن نغامر بفقدها؛ كي لا تتوقف مسيرة تقدمنا نحو بوابة الرقي والازدهار.
ومضة التوق، يصعب أن تأخذ طريقها نحو إنسان لديه مَنعَة الحب؛ فندرك أنه الحصن الذي يؤسس للديمومة؛ ومن ثم أعتقد أن أسباب النزوة تقوض، من خلال عاطفة بحورها العطاء، والتقدير، والإيثار، والرغبة في التحول، تقل إزاء مشاعر، وأواصر ممتدة؛ حيث يتبعثر الملل، وتذهب حالة الفتور، وتتلاشى الجفوة؛ فتتجدد العلاقات على الدوام، وتتآلف القلوب بين لحظة وضحاها؛ إنها حالة لا ينبغي أن نفارقها، بل، نعمل على تعزيزها لدى الوجدان؛ ليتعافى البنيان، وتصبح الحياة ذات معنى ومغزى للإنسان.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
المصدر
المصدر: صدى البلد
إقرأ أيضاً:
أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
منذ أيام قليلة، انتشرت تقارير بعنوان هل ينجح الذكاء الاصطناعي في هزيمة السرطان؟.. وربما يمنح هذا العنوان، للوهلة الأولى، صورة ذهنية براقة وبصيصاً من الأمل في دحر ذلك الغول المتوغل داخل أجساد ملايين البشر حول العالم. ودار فحوى التقرير حول ثورة الذكاء الاصطناعي كتقنية واعدة، وقدرة الخوارزميات الفائقة على تحليل مليارات البيانات الطبية في فترات قياسية، مما يتيح للعلماء ميزة غير مسبوقة للتنبؤ بطبيعة الخلايا الخبيثة واختصار أمد البحث المخبري الشائك، وهو ما يبشر برسم خارطة طريق مغايرة تماماً للمستقبل العلاجي.
لكن خلف هذا البريق التكنولوجي الأخاذ، تغيب عن وعي قطاع عريض من المجتمعات حقيقة بيولوجية وتاريخية صارمة؛ وهي أن ولادة أي عقار دوائي جديد، سواء لمقاومة الأورام أو الفيروسات أو الميكروبات، ليست مجرد معادلة رقمية تظهر بضغطة زر، بل رحلة شاقة قد تمتد لأكثر من عقد كامل. تبدأ هذه المسيرة الحتمية داخل المعامل بعزل المركبات الكيميائية وتقييم أمانها الأولي على الخلايا الحية والحيوانات، وهي مرحلة البحوث التي تستغرق وحدها ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، وتمثل الحيز الوحيد الذي تستطيع التقنيات الحديثة تسريع وتيرته الرقمية، دون امتلاك القدرة على تخطي ما يليها من مراحل ومحطات تفرضها الطبيعة البشرية ذاتها.
ويعود هذا العجز التقني أمام خطوة التطبيق على الإنسان بالأساس إلى أن الطبيعة البشرية تمثل منظومة حيوية فريدة وبالغة التعقيد، لا تزال الخوارزميات الرقمية عاجزة عن فك شفراتها السيكولوجية والبيولوجية؛ فالآلة الصماء، مهما بلغت قدرتها على محاكاة البيانات والتنبؤ بها، لا يمكنها استيعاب التداخلات الغامضة بين الجينات المستقرة، والحالة النفسية للمريض، والتفاوت البيئي، وتنوع آليات الاستجابة المناعية من جسد لآخر، وهي متغيرات لا تخضع لمنطق المعادلات الحسابية الجامدة، مما يجعل رصد تفاعلات الدواء داخل الجسد حكراً على المراقبة الحية الصارمة.
وهنا تحديداً، يدخل المشروع العلاجي نفق "التجارب السريرية" على البشر، وهو المسار الأكثر حساسية ودقة؛ إذ يتدرج الباحثون على مدار خمس إلى سبع سنوات أخرى في اختبار العقار عبر ثلاثة أطوار متلاحقة؛ تبدأ بحفنة من المتطوعين الأصحاء للتأكد من السلامة، ثم مئات المرضى لتقييم الفعالية، وصولاً إلى آلاف الأشخاص حول العالم لرصد الآثار الجانبية النادرة ومقارنتها بالبدائل السائدة. وحين تنتهي تلك الأعوام الطويلة من المراقبة اللصيقة، يخضع الملف بأكمله لمراجعات وفحوصات دقيقة من الهيئات التنظيمية الرسمية قد تستغرق عامين إضافيين قبل منح رخصة التداول، لتصبح المحصلة النهائية قرابة اثني عشر عاماً من التدقيق والتمحيص؛ وهي المعرفة التي تمثل حجر الزاوية في أمننا الصحي، والدرع الأول في مواجهة التضليل.
وأمام هذا الغياب التام للحقائق الرقمية والبروتوكولات الصارمة عن وعي البسطاء، يولد فراغ معرفي خطير يمثل الثغرة المثالية التي ينفذ منها سماسرة الطب الزائف ومعدمو الضمير. وهنا تحديداً، يُقحم مرتزقة "شركات بئر السلم للأدوية" أنفسهم؛ تلك الكيانات العشوائية التي تعد الأشد فتكاً بصحة المرضى لعدم استنادها إلى أي معايير تصنيعية عالمية، بل تعتمد بالكامل على فبركة نتائج الأبحاث الجارية، وإقناع الملهوفين على الشفاء بأنها توصلت لصياغة مستحضرات ناجزة تصنع المعجزات في علاج أمراض مزمنة كداء السكري وخشونة الركبة المتقدمة وغيرها من الأمراض العضال.
ولم تكن هذه التجارة الآثمة بآلام البشر لتدور في معزل عن شركاء آخرين، بل تكتمل فصولها بتحالف مخزٍ يضم أنصاف الأطباء ممن ينتسبون زوراً لتلك المهنة السامية ويتدثرون بردائها لتمرير الوهم، تساندهم منصات فضائية تقبل ببث الأكاذيب لقاء مقابل مادي. ولعل الطعنة الأشد إيلاماً في جسد الوعي المجتمعي تأتي من بعض الفنانين الذين تورطوا في تقديم "إعلانات استشهادية رخيصة" يؤكدون فيها تمام شفائهم بعد استخدام تركيبات دوائية مجهولة؛ في سقطة معرفية وأخلاقية مدوية لا تعكس مطلقاً القيمة الفنية التي أبدعوها على مدار سنوات كقادة رأي كان يُفترض بهم صون وعي الجماهير لا تضليله!
وفي غمرة هذا الطوفان الإعلاني المزيف، لن تغلق ثغرة الوعي تلك إلا بيقظة المشاهد نفسه، وعدم الانصياع لاستراتيجيات الإغراق الإعلاني المنظم التي يراهن عليها هؤلاء المروجون لتمرير أوهامهم البصرية؛ فحماية الجسد البشري من رواج هذه المنتجات غير المؤثرة، وربما الضارة والمدمرة للصحة، تبدأ من رفض التجاوب معها، والتمسك بالحقائق والمسارات العلمية الصارمة كحصن أول وأوحد لأمننا البشري والصحي.