حين يبلغ الرجل ثمانين عامًا، لا يكون العمر عددًا يُحصى، بل يكون أثرًا يُقاس؛ إذ الأعمار عند أهل البصيرة لا تُوزن بالأيام، وإنما تُوزن بما أُودِع فيها من علمٍ نافع، وبما أُفيض منها من حكمةٍ راشدة، وبما استقام بها ميزان القلوب حين اضطربت الموازين. وهكذا يُستحضَر الإمام أحمد الطيب في ذكرى مولده، لا بوصفه صاحب منصبٍ جليل فحسب، بل بوصفه شاهدًا على معنى العالم حين يكون العلم أمانة، والحكمة عبادة، والوئام مقصدًا شرعيًا وأخلاقيًا معًا.

لقد تدرّج هذا الإمام في مدارج المعرفة تدرّج من أيقن أن العلم لا يُؤخذ دفعةً، ولا يُنال استعجالًا، وإنما يُكتسب بالصبر والملازمة، وبالتمييز الدقيق بين ما يُحفظ وما يُفهم، وبين ما يُروى وما يُعاش. فكان اشتغاله بالعلوم العقلية والشرعية اشتغال من يبحث عن الانسجام لا عن الغلبة، وعن الجمع لا عن التشقيق، وعن المعنى الذي يَصلُح به الإنسان قبل أن يَصلُح به الجدل. ومن هنا جاءت كتاباته ومواقفه مشدودةً إلى أصلٍ واحد: أن العقل إذا انفصل عن الأخلاق أفسد، وأن النص إذا قُطِع عن مقاصده جُمِّد، وأن الدين إذا استُعمل في الخصومة ضاع أثره في الهداية.

وإذا نظر الناظر في منهجه التفكيري، وجده قائمًا على ميزانٍ دقيق: لا يُسلّم العقل قياده حتى يتوهّم الاستغناء عن الوحي، ولا يحبس الوحي في صورٍ تاريخية توهم أن الزمان قد توقّف. بل كان همه الدائم أن يُعاد ترتيب العلاقة بين الفهم والنص، وبين الحكم وغايته، بحيث يبقى الدين حافظًا لمعنى الإنسان، لا مُصادِمًا له ولا مُستَخدَمًا ضده. ولهذا كان شديد التحذير من فقهٍ ينشغل بالصور ويغفل عن المقاصد، كما كان شديد النقد لعقلٍ حديث يزعم التحرر وهو يُفرغ الإنسان من روحه ومعناه.

أما الحكمة، فهي في مسيرته ليست خُلقًا زائدًا على العلم، بل هي ثمرة العلم إذا صَفَا، ونتيجته إذا استقرّ في موضعه الصحيح. وتجلّت هذه الحكمة بأبهى صورها في تعاطيه مع شأن الوئام الوطني، حيث أدرك أن الاجتماع الإنساني لا يقوم على محو الفوارق، ولا على إذكاء الخصومات، بل على إقامة العدل المعنوي الذي يجعل الاختلاف طريقًا للتعارف لا ذريعةً للتنازع. فكان خطابه في هذا الباب خطاب من يرى الوطن أمانة، والسلم ضرورة، والعيش المشترك تكليفًا أخلاقيًا قبل أن يكون ترتيبًا سياسيًا.

ولم يكن دفاعه عن السلم رفضًا للحزم، ولا دعوته إلى التعايش تفريطًا في الثوابت، بل كان ضبطًا للميزان حتى لا تميل الكفة إلى إفراطٍ يُفسد، ولا إلى تفريطٍ يُضيّع. ولذلك وقف موقفًا صريحًا من العنف حين يُلبس لبوس الدين، كما وقف موقفًا واضحًا من محاولات تفريغ الدين من محتواه القيمي بحجة الحداثة أو التقدم. وفي هذا التوازن الدقيق تظهر الحكمة بوصفها معرفةً بمواقع الأقدام، لا مجرد حسن نية أو خطاب مُلطّف.

ويمتد هذا المنهج إلى حضوره في ساحة الحوار الإنساني الواسع، حيث لم يرَ الحوار ترفًا فكريًا ولا مجاملة دبلوماسية، بل رآه واجبًا تمليه كرامة الإنسان، وحاجةً يفرضها عالم تتسع فيه أسباب القطيعة ويضيق فيه أفق المعنى. فكان حضوره في هذه الساحات حضور من يحمل يقينًا هادئًا: أن الحق لا يخاف من اللقاء، وأن الإيمان الراسخ لا يضعف بالحوار، بل يزداد صفاءً إذا حُسن عرضه واستقام قصده.

ثمانون عامًا مضت، وإذا الحصيلة عقلٌ لم يُستدرَج إلى الصخب، ولسانٌ لم يُسخَّر للفرقة، وعلمٌ لم يُتّخذ سُلّمًا للمكانة، بل جُعل جسـرًا للطمأنينة. وفي زمنٍ كَثُر فيه الادعاء وقلّ فيه الرسوخ، يظل هذا النموذج شاهدًا على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تهذيب الفهم قبل تغيير الواقع، ومن إصلاح القلب قبل تدبير الخلاف.

وفي ختام هذه الذكرى، لا يليق المقام إلا بدعاءٍ يخرج من باب الوفاء:
اللهم احفظ الإمام الطيب بعين رعايتك، وأمدّ في عمره على طاعتك، واجعل علمه نورًا يهدي، وحكمته سكينةً تجمع، واكتب له أجر ما أصلح، وما هدّأ، وما دلّ عليه من سبيل السلام. اللهم اجعله من الذين إذا طال بهم العمر حَسُن عملهم، وإذا نُظر في أثرهم بقي ذكرهم شاهدًا بالخير، إنك وليّ ذلك والقادر عليه.

طباعة شارك البصيرة الإمام أحمد الطيب العلم

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: البصيرة الإمام أحمد الطيب العلم

إقرأ أيضاً:

الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟

في عالم كرة القدم لا تعيش الجماهير على الأهداف والانتصارات فقط بل تتعلق أحيانًا بتفاصيل صغيرة قد تبدو عادية للبعض لكنها تتحول إلى إشارات تمنح الملايين الأمل قبل انطلاق المعارك الكبرى .. ومع وصول بعثة المنتخب الأرجنتيني إلى مقر إقامتها في الولايات المتحدة استعدادًا لخوض منافسات كأس العالم 2026 لم يكن الحديث هذه المرة عن خطط المدرب ليونيل سكالوني أو جاهزية النجوم بل عن رقم غرفة اختارها قائد المنتخب ليونيل ميسي.

تفصيلة بسيطة تحولت خلال ساعات إلى حديث الجماهير الأرجنتينية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعدما ربط المشجعون بين الرقم الجديد الذي يحمله مقر إقامة قائد "التانجو" وبين حلم التتويج بلقب عالمي جديد.

من الغرفة 201 إلى 202.. حكاية بدأت في قطر

قبل أربع سنوات وخلال إقامة المنتخب الأرجنتيني في مونديال قطر 2022 كان ميسي يقيم في الغرفة رقم 201 حينها تداول المشجعون فكرة طريفة مفادها أن مجموع أرقام الغرفة يساوي الرقم ثلاثة في إشارة إلى النجمة الثالثة التي كانت الأرجنتين تحلم بإضافتها إلى قميصها التاريخي.

إلغاء رحلات خاصة من الأرجنتين إلى ميامي لحضور كأس العالم.. ما السبب؟سكالوني يحافظ على هدوئه بينما تستعد الأرجنتين للدفاع عن لقب المونديالقلق في الأرجنتين.. إصابة مفاجئة لمارتينيز قبل كأس العالم 2026

وبالفعل انتهت البطولة بصورة أسطورية بعدما نجح المنتخب الأرجنتيني في التتويج بكأس العالم للمرة الثالثة في تاريخه ليصبح ذلك الرقم جزءًا من واحدة من أجمل القصص التي عاشتها الجماهير.

المشهد من جديد ولكن بصورة مختلفة.

فقد اختار ميسي الإقامة في الغرفة رقم 202 داخل معسكر المنتخب الأرجنتيني بمدينة كانساس الأمريكية وهو ما دفع الجماهير إلى إعادة إحياء "نظرية الأرقام" الشهيرة.

وبحسب حسابات المشجعين فإن مجموع أرقام الغرفة الجديدة يساوي أربعة وهو الرقم الذي يمثل حلم الأرجنتين المقبل بإضافة النجمة الرابعة إلى سجلها الذهبي بعد ألقاب 1978 و1986 و2022.

ميسي والمهمة الأصعب

بعيدًا عن الخرافات والتكهنات يدرك الجميع أن المهمة لن تكون سهلة أمام منتخب الأرجنتين فرغم دخوله البطولة بصفته حامل اللقب إلا أن الضغوط ستكون أكبر من أي وقت مضى خاصة أن المنافسين سيعتبرون إسقاط "الألبيسيليستي" هدفًا رئيسيًا في النسخة الجديدة من المونديال.

وفي قلب هذا المشهد يقف ليونيل ميسي الذي يستعد لخوض كأس العالم السادسة في مسيرته ليواصل تحطيم الأرقام القياسية بقميص منتخب بلاده.

النجم الأرجنتيني البالغ من العمر 38 عامًا يدخل البطولة وسط تساؤلات كثيرة حول قدرته على تكرار إنجاز 2022 لكنه في الوقت نفسه يملك ما لا يملكه أي لاعب آخر في البطولة: الخبرة والقيادة والإيمان الجماهيري المطلق.

سكالوني يحتفظ بعموده الفقري

ويعتمد الجهاز الفني للمنتخب الأرجنتيني على مجموعة كبيرة من العناصر التي شاركت في رحلة التتويج التاريخية بقطر فالقائمة الحالية تضم عددًا من أبرز أبطال اللقب العالمي مثل إيميليانو مارتينيز نيكولاس أوتاميندي رودريجو دي بول إنزو فرنانديز أليكسيس ماك أليستر خوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز.

ويمنح هذا الاستقرار الفني المنتخب الأرجنتيني أفضلية مهمة مقارنة بعدد من المنتخبات التي خضعت لعمليات إحلال وتجديد واسعة خلال السنوات الأخيرة.

معسكر للأبطال

واستقر المنتخب الأرجنتيني في مدينة كانساس الأمريكية التي ستكون مركز عملياته طوال البطولة وحرص الاتحاد الأرجنتيني على توفير كل سبل الراحة للاعبين والجهاز الفني حيث تم اختيار مقر إقامة يتمتع بخصوصية كبيرة بعيدًا عن الضغوط الجماهيرية والإعلامية.

كما جرى تجهيز الفندق بلمسات أرجنتينية خاصة من خلال الأعلام والصور والرسائل التحفيزية التي تستعيد لحظات التتويج التاريخية وتُذكر اللاعبين بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

ويضم المقر مناطق ترفيهية ومساحات للاسترخاء ومرافق حديثة تساعد اللاعبين على الحفاظ على تركيزهم طوال فترة المنافسات.

بداية الطريق نحو النجمة الرابعة

وسيبدأ المنتخب الأرجنتيني مشواره في البطولة وسط طموحات كبيرة بالحفاظ على اللقب العالمي ورغم أن الطريق يبدو طويلًا وصعبًا فإن الجماهير الأرجنتينية تؤمن بأن هذا الجيل لا يزال قادرًا على كتابة فصل جديد من المجد.

قد تكون الغرفة 202 مجرد رقم على باب إحدى الغرف داخل معسكر المنتخب وقد تكون مجرد مصادفة عابرة لا أكثر.

لكن في بلد يعشق كرة القدم حد الجنون وتحديدًا عندما يتعلق الأمر بليونيل ميسي فإن كل تفصيلة تتحول إلى قصة وكل إشارة تصبح مصدرًا للأمل.

طباعة شارك المنتخب الأرجنتيني الولايات المتحدة كأس العالم 2026 ليونيل ميسي ميسي سكالوني

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • «محمد بن زايد للعلوم الإنسانية» تطلق «الدليل إلى فلسفة الدين»
  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة
  • فنجان شاى «الوئام» بين الصين ومصر
  • مصر و7 دول تدين اقتحامات الأقصى ورفع العلم الإسرائيلي داخل ساحاته
  • الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟
  • حسام الحداد يكتب: من التنوير إلى التحريم.. كيف يفتح تضييق "الأنشطة الطلابية" أبواب التطرف؟
  • استشاري تغذية يُحذر من زيوت التحمير: سموم غير مرئية (فيديو)