أ.د. عادل القليعي يكتب: كيف تتعايش الحرباء مع بيئتها...؟!
تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT
أولوا الألباب المعتبرون يعلمون جيدا أن هذا تعبير مجازي لإسقاطه على واقع معيشي نحياه.
أما ما دونهم فسنزيد فى التفسير والتفصيل حتى يدرك الجميع مآربنا من هذا المقال ، فلي فيه مآرب أخرى.
كنا كثيرا ما نسمع ونقرأ عن الحرباء ، وأنها من الزواحف وأنها سامة وقاتلة ، تفتك بكل ما يقع في فمها ، فضلا عن أنها تتلون متخفية بلون أي شجرة متربصة بفريستها ، أو لتؤمن نفسها من أي خطر تتوقع أنه سيحدق بها.
هكذا واقعنا المعاصر الذي نعيشه ماديا ، بمعنى نعايشه واقع نتعامل فيه مع من يحملون نفس تكويناتنا البيولوجية والفسيولوجية ويلبون مثلنا حاجاتهم الطبيعية من مأكل ومشرب وملبس وتكاثر.
لكن ثم بون شاسع بيننا في طبائعنا الروحية والوجدانية والعاطفية من دوافع وانفعالات وتواصل روحي وقلبي بالعالم الماورئي الترانستندالي المفارق الذي هو عن أهل البصيرة غاية المراد ، لكنه هو المثل العليا والخير الأقصى المنشود الذي يحقق ديمومية السعادة واستمراريتها ، أو ما يمكننا أن نطلق عليه السعادة المفارقة التي هي دون اللذة.
ومن هذا المنطلق فالمتفكر المتدبر في حاله وحال ما حواليه ، سيجد الإجابة على كثير من التساؤلات التي يطرحها العقل وتثير شجوننا ، فما قيمة حياتنا المادية التي نحياها إذا لم نستثمرها ونوظفها صعودا للوصول إلى تحقيق تواصلا مع غايتنا القصوى المتمثلة في قوله تعالى (وأن إلى ربك المنتهى).
فالغاية القصوى ونهاية هذا السعي والكد والنصب والقيل والقال إلى المنتهي ، وهذا المنتهى هو العودة إلى عالمنا الحقيقي الذي دوما ما تحن إليه وتشتاقه أرواح أهل الصفاء والوجد أولئك الذين ظاهرهم هو هو باطنهم ،.
أولئك الذين ذكرهم السهروردي المقتول واصفا حنينهم إلى مآلهم قائلا: أبدا تحن إليكم الأرواح.
ووصالكم ريحانها والراح.
إن واقعنا المعاصر الذي نحياه يعج بصنوف مختلفة من البشر ، فهناك الطيب ، وهناك الخبيث ، هناك الحسن ، وهناك القبيح.
وهناك المتلونون كالحرباوات ، الذين يدورون حيث تدور مصالحهم ، لا يهمهم أي شئ اللهم إلا تحقيق مآربهم الشخصية ، أهل المصالح الذين قد يبيعون أنفسهم دهانا ونفاقا وتلونا من أجل إرضاء أرباب نعمهم.
أولئك الذين يبدون من طرف اللسان حلاوة ويروغون منا كما يروغ الثعلب ، المداهنون الذين تستعبدهم الكراسي وتحتلهم الغرف المغلقة يقضون يومهم فى التفكير بعمق كيف يرضون أسيادهم ، من أجل ترقية أو حافز إضافي ، أو تثبيت أنفسهم في عمل ما ، لا يهمهم هذا العمل ، إنما المهم ما سيتحصلون عليه من وراء هذا العمل.
فقد يتخلون حتى عن أعراضهم من أجل مكاسب مادية سيحصلون عليها (محجوب عبد الدايم، التراجيديا الباكية، ليس مهما أن نفرط في شرفنا ، ليست مهمة الدياثة والتياسة ، المهم تحقيق الأهداف الدنيئة. رضى الباشا صاحب القلم السياسي ، صاحب الديوان ، الذي سينعم عليه ببضع عملات نقدية أو سيرقيه درجة وظيفية ، لكن ألا يعلم هذا ، أن من يتنازل عن عرضه وشرفه سيظل يتنازل طيلة عمره)
فإذا ما ترك المنصب ولى مدبرا عنه ، ويروح يخطط كيف سيستقبل رئيسه الجديد ، فيتفنن في إعداد القصائد الشعرية المادحة التي تحمل ما تحمله من كلام معسول فقد يكون صاحبنا لا شكل له ولا لون ولا طعم ولا راحة فقد تكون رائحته نتنة ، فينهال عليه واصفا جماله وحسنه وحسانه ومحاسنه، وجمال رائحة العطر الذي يتعطر به.
هؤلاء وأمثالهم حرابي العصر يحيون بيننا فى شوارعنا ، في مؤسساتنا ، في جامعاتنا ، وأركز أيما تركيز على جامعاتنا.
يتلصصون على أدق تفاصيل حياتنا ، النمامون الذمامون، الهماذون (هماز مشاء بنميم)
أولئك هم الأعداء الحقيقيون لنا ، فعدو ظاهر تتغلب عليه أو حتى يغلبك خير من شيطان مستتر ، يظهر أمامك ملكا وفي ظهرك يكيد لك المكائد.
هؤلاء هم الأعداء الحقيقيون للإنسانية في أبهى صورها ، أعداء النجاح ، ومن ثم وجب الحذر منهم ومن ألاعيبهم الشيطانية.
نعم إن لكل عصر حرباواته اللواتي يتلون حسب مصالحهم ويأكلون على كل الموائد قائدهم (عاش الملك ، مات الملك)، عباد الطاغوت وطاغوتهم الذي يستعبدهم مصالحهم.!
(هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنا يؤفكون)
أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الحرباء عادل القليعي عادل القليعي يكتب عادل القلیعی
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.