صدى البلد:
2026-06-02@23:20:10 GMT

خالد الشناوي يكتب: عفاريت اليوم و عفاريت الأمس

تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT

كانت اللمبه الجاز هي وسيلتنا في بداية ثمانينات القرن الماضي حين تنقطع الكهرباء عن القرية أو كان كلوب جدي رحمه الله صاحب محل البقاله والتموين الشهير في قريتنا الكبيره بسنتواي كان الكلوب هذا هو وسيله اضاءه عباره عن جسم معدني فضي مستدير الشكل مع زجاج من الأعلى بداخله رتينه وهي عباره عن قطعة من القماش الخفيف قابله للاشتعال مع السيبرتو الوقود المعد لتشغيل هذه الوسيله البدائيه البسيطه و مكبس في جانب الكلوب يطلق عليه البلف يتم إدخاله واخراجه مرات كثيره متواليه كي يتم الاشعال وزيادة النيران بداخله ومن ثم قوة الإضاءة.

كان وسيلة اناره و في ذات الوقت وسيلة تدفئه للجو لاسيما في فصل الشتاء. كانت مندرة بيت العائلة القديم تطل على الشارع وكان المطر لا يكاد ينقطع أياما واسابيع طويلة مع صوت الرعد والبرق المخيفين وكان التيار الكهربائى دائم الانقطاع عن القريه.

كنا صغارا نلتف حول جدتي في هذا الجو البارد المغيم بالمطر وبالظلام.و لا يقطع هذا الظلام الدامس سوى صوت جدتي الجميل الهادئ وهي تسرد لنا الحكايات والحواديت.

فكانت جيدة السرد بلغتها البسيطه غير المتكلفه وترانا جالسين حولها في انصات تام 
فكم قصت لنا من حكايات مذهله وغريبه عن الفرسان والسيره الهلاليه تاره وعن الصالحين تارة أخرى وكان أصعب شئ حين تحكي لنا عن النداهه والعفاريت!.

 كنا رغم تشوقنا لهذا الحديث المثير للاهتمام نرتجف خوفا ورعبا ونتلاصق فيها من جميع الجهات ونكاد نمسك بثوبها الريفي المتسع خوفا من النداهه أن تدخل علينا من الباب الخشبي أو النافذه المرتفعه ورغم هذا الخوف إلا أن حكايات جدتي كانت جميله للغايه ولها في النفس وقع خاص .
كانت النداهه في تصور جدتي العجوز هي عباره عن سيدة قبيحة الشكل تردي ملابس سوداء مع ملس كبير يشبه الطرحه حاليا مع الفرق الكبير بينهما. كانت النداهه هذه تخرج في ظلام الليل وتطرق بعض ابواب منازل القرية ويا ويل من فتح لها الباب فتأخذه وتسير به إلى نهايته المحتومه.
كانت حنفيتي المياه التي تغزي بيوت القرية بجوار المقابر من الناحيتين وكانت النساء يخرجن ليلاً لملء المياه من هاتين الحنفيتين وكانت النداهه تخرج حاملة الحلة النحاسيه فوق رأسها تتذرع بأنها تملأ المياه إلى أن تقابل فريستها سواء كان رجل أو امرأة فتطيح بهما كما تقرر جدتي!
ثم تواصل الجده سردها حين نسألها عن وصف هذه النداهه وبدقه فتقول إن رجلها أشبه بأرجل المعيز!. ثم تردف قائلة النداهه لها زوج يسمى المارد وهو كبير العفاريت!

والمارد هذا أيضاً له وصف آخر حيث أنه ينفرد طولا كلما سار إلى أن يصيب من يراه بالجنون أو المرض أو الموت فجأه!

ثم الحديث عن عفاريت المقتولين في الحوادث كيف أنهم يخرجون ليلاً ويطبلون على صفائح من الصاج تحدث ضجيجا ...!

ورغم هذا الحكي المرعب إلا أن جدتي كانت تحدثنا أيضا عن بعض قصص الانبياء والمرسلين باسلوب اقرب إلى الدراما من خلال مشاهد متعددة الجوان. ورغم حديث جدتي عن الجانبين الديني والخيالي المرعب إلا أن هذه الحواديت والحكايات ما زالت باقيه وعالقه في الذاكره ليس خوفاً من العفاريت فقد قابلنا مؤخراً في حياتنا عفاريتا من الإنس تفوق عفاريت الماضي المنصرم.

رحلت جدتي وتركت في النفس اثرا من الزمن الجميل رغم بساطته. كنا صغارا لسنا مشغولين بالحياة وهمومها كما ننشعل بها اليوم ونصارعها.

كانت ضحكاتنا بريئه لا تعرف التصنع لأنها كانت من القلب الذي لا يعرف المكر أو الخداع حتى دموعنا كانت صادقة هي الأخرى لكونها كانت تعبر عن الألم والفقد تعبيرا صادقا وحقيقيا .
كان للموت فاجعه تهز الجميع وكانت القريه كلها تحزن لفقد أحد منها رجل كان أم امرأة صغيرا كان أم كبيرا.

كنا لا نشاهد الأفراح تعلوا بالغناء والرقص بجوار ديار الموتى كما نشاهد اليوم .كان بالفعل زمنا جميلاً رغم فقره.وكانت القيم والمبادئ تسود الجميع.

أتذكر في حارتنا القديمه كان الطعام يمر على الجميع فمن يصنع طعاماً يرسل منه طبقاً على الأقل إلى جاره ثم لا يعود الطبق فارغاً بل لابد وأن يعود فيه أي نوع آخر من الطعام أو الفاكهه .
حتى امراض الناس كانت بسيطه وبقرص من الأسبرين كان الشفاء العاجل أو بوصفات شعبيه لمعظم الأمراض. 

كانت وحدة القرية الصحيه وكان بها الدكتور حامد المقدم رحمه الله وكان ريفيا بسيطا متواضعاً يعالج كل الأمراض وكان الجميع يشفى على يديه وكان حديثه عذب محبب إلى النفوس يشعر المريض براحة نفسيه فترتفع معنوياته وهذا طبيا أول العلاج.

وها نحن اليوم في رغد من العيش ولكننا ما زلنا نحن إلى الماضي من الزمن الجميل حنين ثكلى.
نعم نحن إليه وكأننا نناديه أن يعود بنا فعفاريت الأمس اخف وطأه من عفاريت اليوم.

رحلت جدتي ورحل معها الزمن الجميل فليت أيام جدتي تعود. نعم، فالذكريات تثير فينا الشجن، تثير فينا الحزن،و تعود بنا إلى الماضي الذي نرفض نسيانه أو الذي نريد نسيانه، ولكن ألا يكفي تذكرنا لها أنّها ما زالت باقية فينا وأنّ أصحابها ما زالوا معنا في قلوبنا وأرواحنا؟. ورغم ذلك إلا أنه كما تذوب الأحجار في الأحماض تذوب وتتلاشى الذكريات في الأيام والمسافات لا سيما وأن الذكريات الجمَيلة أصبحَت تأتِي على هَيئةِ وجع  ذكرياتنا، ماضينا، أشخاص مروا فيها وأصبحوا ذكرى، وأشخاص يشدون الرحال إلى عالم من البعد والاشتياق، وبين النسيان والذكرى.

رحلوا ولم يتركوا لنا سوى بقايا ماضي، عطر لا ينسى، صوت نتمناه، حضن نفتقده، صور صامتة، شوق لا يبرد، دموع لا تجف، ألم لا ينتهي، منزل خالٍ مليء بالذكريات، وثياب معلقة تقتلنا بين الحين والآخر.

طباعة شارك خالد الشناوي يكتب خالد الشناوي مقالات خالد الشناوي صدى البلد

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: خالد الشناوي يكتب خالد الشناوي صدى البلد خالد الشناوی إلا أن

إقرأ أيضاً:

آبل تطرح macOS 26.5.1 وتحسم مشكلة كانت تؤثر على أجهزة ماك M5

أطلقت شركة Apple تحديث macOS 26.5.1 الجديد لمعالجة مشكلة تقنية مهمة كانت تؤثر على بعض أجهزة ماك المزودة بمعالج M5، وذلك في إطار جهود الشركة لتعزيز استقرار النظام وتحسين تجربة المستخدم قبل انطلاق مؤتمر المطورين العالمي WWDC 2026.

ويأتي التحديث الجديد بعد أسابيع قليلة من طرح إصدار macOS 26.5، حيث يتضمن إصلاحًا لخلل برمجي كان يؤدي في ظروف معينة إلى إيقاف تشغيل بعض أجهزة ماك بشكل مفاجئ وغير متوقع، خاصة عند استخدام أنواع محددة من إضافات تصفية حركة الشبكة.

وأكدت آبل أن المشكلة كانت تؤثر بصورة أكبر على مستخدمي المؤسسات والشركات الذين يعتمدون على ملحقات الشبكات المتقدمة، إذ قد تتسبب هذه الإضافات في حدوث أعطال تؤدي إلى إيقاف الجهاز بشكل مفاجئ، وهو ما تم إصلاحه بالكامل عبر تحديث macOS 26.5.1.

وفي السياق نفسه، أصدرت الشركة تحديث iOS 26.5.1 لمعالجة خلل آخر كان يؤثر على عدد محدود من مستخدمي هواتف آيفون Air وسلسلة آيفون 17، حيث كان الشحن السلكي يتوقف عن العمل عند وصول البطارية إلى مستويات منخفضة للغاية، ما كان يعيق استعادة شحن الجهاز بصورة طبيعية.

ويعد هذا التحديث من آخر التحديثات الرئيسية قبل مؤتمر WWDC 2026 المرتقب انعقاده في 8 يونيو، والذي تستعد خلاله آبل للكشف رسميًا عن الجيل الجديد من أنظمة التشغيل، وعلى رأسها iOS 27 وmacOS 27، تمهيدًا لإطلاقهما للمستخدمين خلال خريف العام الجاري.

اقرأ أيضاًمواصفات وسعر سيارة هوندا بايلوت 2026 في السعودية

سعر ومواصفات موبايل oppo find x9 pro في مصر.. بطارية وكاميرات فائقة الجودة

هاتف Huawei Nova 15 Max.. المواصفات والأسعار

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة
  • صبري عبد المنعم: سهام جلال كانت تبحث عن عمل
  • لماذا تغيب بعض المواهب عن الشاشة؟.. طارق الشناوي يجيب
  • أمير كرارة يدافع عن نفسه: سهام جلال كانت تراسله على رقم خاطئ
  • آبل تطرح macOS 26.5.1 وتحسم مشكلة كانت تؤثر على أجهزة ماك M5
  • الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟
  • حسام الحداد يكتب: من التنوير إلى التحريم.. كيف يفتح تضييق "الأنشطة الطلابية" أبواب التطرف؟