حاولت الولايات المتحدة الأميركية فرض ضغوط دبلوماسية على لبنان لقبول مطالبها. كانت هذه المطالب تقتصر في البداية على الحفاظ على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، وتنفيذ الشروط المنصوص عليها فيه. طُلب من حزب الله وقف هجماته ضد إسرائيل، وإنهاء وجوده العسكري جنوب نهر الليطاني.
وبمرور الوقت، وسعت الولايات المتحدة الأميركية مطالبها تجاه لبنان، مضيفة ملفات جديدة إلى الطاولة.
وقد برز هذا التوجه بشكل واضح خلال فترة تولي مورغان أورتاغوس، أول دبلوماسية أميركية تكلف رسميا من الرئيس دونالد ترامب بإدارة الملف اللبناني.
أورتاغوس، المعروفة بمواقفها الداعمة لإسرائيل وتدخلها الصريح في الشأن اللبناني، طرحت مسألة نزع سلاح حزب الله علنا، وأعلنت في مايو/أيار 2025 أن انسحاب الحزب من جنوب نهر الليطاني "ليس كافيا"، مشددة على ضرورة تجريده من سلاحه بالكامل.
وقد أثارت تصريحاتها، التي وصفت بأنها تفتقر إلى اللياقة الدبلوماسية، توترا كبيرا وأحدثت شرخا في ثقة بيروت بواشنطن. ونتيجة لذلك، قرر الرئيس ترامب إقالتها وتعيين توم براك، سفير الولايات المتحدة في تركيا والمبعوث الخاص لسوريا، بدلا منها.
عقب تسلمه الملف اللبناني، سارع توم براك إلى تقديم وثيقة رسمية للحكومة اللبنانية، تتضمن مطلبا أساسيا هو نزع سلاح حزب الله. وفي 7 أغسطس/آب، أعلنت الحكومة موافقتها على الأهداف الواردة في مقدمة الوثيقة، فيما كلف رئيس الوزراء نواف سلام الجيش اللبناني بإعداد خطة لحصر السلاح في يد الدولة، مطالبا بتسليمها قبل 31 أغسطس/آب.
وفي سلسلة من التصريحات التي أدلى بها خلال شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول، عبر الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، عن رفضه الشديد خطة نزع السلاح، مؤكدا بوضوح أن الحزب لن يسلم سلاحه في ظل الظروف الراهنة.
إعلانوفي موازاة ذلك، كانت إيران مهتمة بإعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت به جراء الهجمات الإسرائيلية، فيما تابعت عن كثب المسار السياسي المتعلق بمحاولة نزع سلاحه.
التوتر بين إيران ولبنانبدأ الجدل بين إيران ولبنان بشأن "التدخل في الشؤون الداخلية" عقب إعلان الحكومة اللبنانية موافقتها على الأهداف الواردة في مقدمة الخطة الأميركية. وقد عبرت طهران، التي تتابع عن كثب مسار نزع سلاح حزب الله، عن رفضها الشديد الخطة، واعتبرتها تهديدا مباشرا لمصالحها في لبنان.
وتجلى هذا التوتر في تصريحات أدلى بها الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إذ اتهم توم براك بممارسة ضغوط على الحكومة اللبنانية وتهديدها.
وتصاعدت حدة الخطاب الإيراني مع تدخل علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى خامنئي، الذي وصف نزع سلاح حزب الله بأنه "حلم لن يتحقق أبدا".
في المقابل، اعتبر الرئيس اللبناني جوزيف عون، إلى جانب رئيس الوزراء نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي، هذه التصريحات تدخلا مرفوضا في شؤون البلاد، ووجهوا تحذيرا شديد اللهجة لطهران.
وتفاقم التوتر من جديد في نوفمبر/تشرين الثاني، بعد تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن لبنان. ورد عليه نظيره اللبناني يوسف رجي، معتبرا تلك التصريحات تدخلا سافرا، ورفض دعوة عراقجي لزيارة طهران قائلا إنه "لا يخطط للقيام بها".
إيران لن تتمكن من الدفاع فعليا عن حزب الله في هجوم إسرائيلي محتمل
لقاء متوترفي ظل التوتر المتصاعد بين البلدين، أجرى الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، زيارة إلى بيروت في أغسطس/آب، حيث التقى بالرئيس اللبناني جوزيف عون. وقد ساد اللقاء أجواء من التوتر، إذ عبر عون بوضوح عن انزعاج لبنان من سياسة إيران تجاهه.
وخلال الاجتماع، شدد الرئيس اللبناني على أنه لا يحق لأي جهة داخل البلاد حمل السلاح أو الاستقواء بدعم خارجي، محذرا من أي تدخل في الشؤون اللبنانية. وأوضح أن التعاون مع إيران ممكن، لكنه يجب أن يتم ضمن إطار من السيادة الوطنية والاحترام المتبادل. وأضاف: "الصداقة التي نريد إقامتها مع إيران يجب أن تشمل جميع اللبنانيين، ولا ينبغي أن تسير عبر مجموعة أو فئة معينة فقط".
كما أبدى عون تحفظه على أسلوب بعض المسؤولين الإيرانيين في الآونة الأخيرة، معتبرا أنه لم يكن مفيدا، وذكر بأن الدولة اللبنانية- وقواتها المسلحة- وحدها مسؤولة عن أمن المواطنين.
وفي مؤتمر صحفي أعقب اللقاء، رد لاريجاني على تصريحات الرئيس عون قائلا: "لكل دولة الحق في اتخاذ القرارات بشأن مستقبلها. نحن لا نتدخل في قراراتكم. الولايات المتحدة تجلب لكم خطة، نحن لا نجلب". ثم تابع قائلا: "المقاومة هي رصيد وطني لكم ولجميع الدول الإسلامية. عدوكم هو إسرائيل التي تهاجمكم، وأصدقاؤكم هم الذين يقاومون إسرائيل. اعرفوا صديقكم، ولا تخطئوا في معرفة العدو. لا تسمحوا لإسرائيل بفرض ما لم تحققه بالحرب عبر وسائل أخرى".
وقد سُجل هذا اللقاء بين جوزيف عون وعلي لاريجاني كواحد من أكثر المحطات توترا في تاريخ العلاقات اللبنانية الإيرانية.
نزع سلاح حزب الله من منظور السياسة الداخلية الإيرانيةيختلف الدعم الذي تقدمه إيران لحركات مثل حماس وحزب الله وأنصار الله باختلاف توجهات التيارات السياسية داخل البلاد. فمنذ وفاة آية الله الخميني عام 1989، بدأت مواقف هذه التيارات تتباين بوضوح تجاه سياسات إيران الإقليمية.
إعلانفالتيار المحافظ ينظر إلى جغرافيا واسعة -تمتد من شبه القارة الهندية إلى البحر المتوسط وأفريقيا- كمناطق نفوذ محتملة، ويؤمن بضرورة دعم الحركات المرتبطة بإيران أو القريبة منها في هذه الساحات، بكل السبل المتاحة.
في المقابل، يدعو التيار الإصلاحي إلى تركيز الجهود على التنمية الداخلية، والاستفادة من الإمكانات الاقتصادية للبلاد، ويعبر عن ذلك بشعار طالما ردد في الأوساط الإصلاحية: "لا لبنان ولا غزة، روحي فداء لإيران".
وقد برز هذا التباين بشكل حاد في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2009، حين خاض السباق محمود أحمدي نجاد كممثل للتيار المحافظ، في مواجهة مير حسين موسوي الذي مثل التيار الإصلاحي، وطرح الأخير ملف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة على الأجندة السياسية بشكل غير مسبوق.
ومؤخرا، ألقى وزير الخارجية الإيراني السابق، جواد ظريف -أحد أبرز الوجوه الإصلاحية التي كان لها حضور مؤثر في السياسة الخارجية الإيرانية- خطابا في منتدى الدوحة بتاريخ 7 ديسمبر/كانون الأول 2025، قال فيه:
"لقد دعمنا القضايا العربية أكثر من العرب أنفسهم. حتى إننا اتهِمنا بذلك. لقد دعمنا فلسطين أكثر مما دعمتها أي دولة عربية، ودفعنا ثمنا باهظا.
أقولها بوضوح: خلال 45 عاما تابعت فيها السياسة الخارجية الإيرانية، لم تطلق الجماعات التي يسمونها "وكلاءنا" رصاصة واحدة لخدمة مصالحنا. إنهم يقاتلون من أجل قضاياهم، ونحن ندعمهم، والثمن تدفعه إيران.
لقد عانينا، دُفع بنا إلى الحصار والعزلة، ولكن في نهاية المطاف، لم تطلق رصاصة واحدة للدفاع عنا، لا ضد إسرائيل، ولا ضد أي جهة أخرى. ومن حقنا أن نشعر بالاستياء".
ورغم وضوح موقف التيار الإصلاحي تجاه هذه السياسات، فإن أي رئيس إصلاحي وصل إلى السلطة في إيران لم ينجح في تغيير المعادلة على الأرض؛ لأن المحدد الفعلي لسياسة طهران في العراق، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، والبحرين، واليمن هو الحرس الثوري. وتعد وزارة الخارجية، في هذا السياق، جهة تنفيذية مكلفة بتوفير الغطاء الدبلوماسي لهذه السياسات وتبريرها أمام العالم.
الظروف التي تمر بها إيران وحزب اللهتواجه طهران في الوقت الراهن تحديات جسيمة على عدة مستويات، تشمل الاقتصاد والسياسة والأمن والإستراتيجية. فالعقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، والتي استمرت لسنوات، أدت إلى إضعاف حاد في الاقتصاد الإيراني، وأثرت سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين.
في موازاة ذلك، جاءت التطورات العسكرية والسياسية في المنطقة، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتفاقم الوضع، حيث أضرت بالعقيدة العسكرية الإيرانية، وقلصت من مساحة تحركها الإستراتيجي في الشرق الأوسط.
وقد وجدت إيران نفسها في عزلة إقليمية؛ نتيجة سياسات انتهجتها على مدى سنوات، ما دفعها في الآونة الأخيرة إلى محاولة إصلاح علاقاتها مع بعض دول الجوار، خاصة بعد الهجمات التي تعرضت لها من قِبل إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو/حزيران.
ومع تصاعد الحديث عن احتمال تنفيذ هجوم إسرائيلي جديد، دخلت الأجهزة الأمنية والحرس الثوري في حالة تأهب جدية، رغم محاولات القيادة الإيرانية- وعلى رأسها آية الله خامنئي- التقليل من احتمال وقوع هذا الهجوم، واعتباره مجرد شائعات تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي.
أمام هذه الضغوط المتعددة، باتت طهران مجبرة على إعادة النظر في مدى انتشارها الإقليمي، وبدأت تتجه نحو تقليص وجودها خارج حدودها، دون أن يعني ذلك انسحابا كاملا من المنطقة.
فالتحولات الجارية تشير إلى اختلال "التوازن الإستراتيجي" الذي كان قائما بينها وبين الولايات المتحدة منذ أوائل عام 2010، لا سيما في ساحات مثل العراق، ولبنان، وهو اختلال يبدو أنه سيصب في غير مصلحة إيران.
إعلانوبناء على هذه المعطيات، فإن موقف طهران من مسألة نزع سلاح حزب الله -رغم اعتراضها عليه- يخضع لحسابات دقيقة، إذ لا تملك حاليا القدرة على تقديم دعم مباشر في حال شنت إسرائيل هجوما واسعا على الحزب.
وفي هذا السياق، التقى الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، بقيادات بارزة من حزب الله خلال زيارته لبنان لحضور برنامج الذكرى السنوية لوفاة حسن نصر الله، حيث جرت مناقشة مستفيضة للتطورات الأخيرة.
وبحسب مصدر مطلع مقرب من الدوائر الإيرانية الرسمية، صرح لاريجاني في هذا اللقاء بأن إيران "لن تكون قادرة على الدفاع فعليا عن حزب الله في حال وقوع هجوم إسرائيلي محتمل"، مشيرا إلى أنه "لا ينبغي للحزب أن يتوقع تدخلا مباشرا أو انخراطا عسكريا إيرانيا في مثل هذا السيناريو".
وعليه، فإن فشل الحكومة اللبنانية في تمرير خطة نزع سلاح حزب الله، وقيام إسرائيل بشن عملية عسكرية شاملة، قد يترك الحزب يواجه مصيره بمفرده. وتشير مصادرنا إلى أن هذا الموقف الإيراني قد أثار استياء داخل أوساط حزب الله، التي باتت تشعر بأن إيران تخلت عنها في لحظة حرجة.
الارتباط التاريخي لحزب الله بإيرانتعد العلاقة بين إيران وحزب الله متعددة الأوجه، وذات جذور تاريخية وإستراتيجية وأيديولوجية عميقة. ورغم أن الظروف الحالية قد تقيد قدرة طهران على تقديم دعم عسكري مباشر للحزب في مواجهة الضغوط الإسرائيلية ومطالب نزع السلاح، فإن ذلك لا يعني أن إيران مستعدة للتخلي عنه بسهولة. فحتى في حال عدم تدخلها عسكريا، يرجح أن تواصل إيران تقديم الدعم عبر القنوات الاقتصادية، واللوجيستية، والاستشارية.
وترتبط هذه العلاقة الوثيقة بمرحلة تأسيس حزب الله نفسها، إذ لعبت إيران دورا مباشرا في دعم بنيته السياسية والعسكرية منذ نشأته، وهو ما يفسر نظرة بعض الأوساط إلى الحزب باعتباره امتدادا للحرس الثوري الإيراني.
ويعد كتاب "حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل" للشيخ نعيم قاسم، أحد أبرز المراجع التي تسلط الضوء على طبيعة هذه العلاقة، حيث يعرض فيه مراحل التأسيس والخلفيات الفكرية والتنظيمية للحزب.
يشير قاسم إلى أن علماء الدين في لبنان، قبل الثورة الإيرانية، كانوا في غالبيتهم مرتبطين بمدرسة النجف، ويميلون إلى إبعاد النشاط الإسلامي عن العمل الثوري أو السياسي، ما جعل الحركة الإسلامية الناشئة آنذاك عاجزة عن مواكبة التحديات.
لكن مع نجاح الثورة في إيران، بدأ جدل فكري بين الاتجاهين النجفي والقُمي، حول ضرورة إقامة علاقة دينية وسياسية مع القيادة الثورية في طهران، وهو ما حسمه حزب الله لاحقا لصالح مدرسة قم، التي كانت أكثر انخراطا في النشاط السياسي العملي.
ويذكر قاسم أن التحول الحاسم جاء مع تشكيل "لجان التضامن مع الثورة الإسلامية في إيران"، والتي فتحت قنوات الاتصال المباشرة مع آية الله الخميني ومحيطه، مما أسس لبداية علاقة إستراتيجية متكاملة.
كما ينقل أن تأسيس حزب الله تم بعد تقديم وثيقة مفصلة من تسعة أشخاص إلى آية الله الخميني، الذي وافق عليها، وهو ما منح الحزب "شرعية الولادة" من منظور الولي الفقيه، حسب تعبيره.
ويؤكد قاسم أن التوجيه العقائدي والعسكري ضد إسرائيل كان يتم بإشراف مباشر من القيادة الإيرانية، وأن الحرس الثوري أرسل وفدا إلى لبنان لتوفير التدريب وتأسيس البنية التحتية للمقاومة، في ظل توجيهات مباشرة من الخميني بتقديم "كل أشكال الدعم" في مواجهة الاحتلال.
ويظهر الكتاب بوضوح أن الحرس الثوري الإيراني لم يكن مجرد داعم لحزب الله، بل كان شريكا فعليا في التأسيس والتطوير، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الاقتصادي.
وبناء على هذا التاريخ العميق من التنسيق، يصعب تخيل أن إيران، رغم ظروفها الراهنة، قد تتخلى تماما عن حزب الله، الذي تعتبره حجر الزاوية في مشروعها الإقليمي.
في الختاممن غير المتصور أن تلتزم إيران الصمت حيال مسألة نزع سلاح حزب الله بالكامل، بعد أكثر من أربعة عقود من الدعم والتأسيس والتنسيق. ومن الطبيعي أن تؤدي التصريحات الإيرانية المتتالية إلى توتر العلاقات مع لبنان، وهو توتر مرشح للاستمرار في المدى المنظور.
ومع بدء إسرائيل عملية عسكرية شاملة تستهدف تفكيك قدرات الحزب، من المتوقع أن تسعى إيران -رغم عجزها عن الانخراط العسكري المباشر- إلى تقديم كل ما في وسعها لضمان بقاء حزب الله وتقليل خسائره.
إعلانفي المقابل، فإن السياسة الأميركية، المنحازة بشكل واضح لإسرائيل، كانت سببا في إبطاء الجهود اللبنانية الرامية إلى التوصل إلى تسوية داخلية بشأن سلاح الحزب. وقد أثار تصريح توم براك، الذي قال فيه: "إذا لم يفعل لبنان ما يلزم، فسيصبح جزءا من سوريا كما كان في السابق"، موجة استياء واسعة في بيروت، وأسهم في تقليص الثقة بالوساطة الأميركية.
وقد يخلق هذا الواقع الجديد فرصة للتفاهم بين الحكومة اللبنانية وحزب الله، عبر اتفاق يضمن تسليم الأسلحة الثقيلة للجيش في إطار خطة أمن قومي تضمن الاستقرار وتجنب التصعيد. وفي هذا السياق، قد يلعب الشيخ نعيم قاسم، المعروف بخبرته الدبلوماسية، دورا في تعزيز الجناح السياسي للحزب وإعادة هيكلة موقعه العسكري.
ومع ذلك، تبقى الهواجس قائمة، إذ من غير المرجح أن يتخلى الحزب عن كامل ترسانته، خصوصا الأسلحة الخفيفة، في ظل الخشية من انزلاق البلاد نحو حرب أهلية، وهو احتمال لا يزال حاضرا في المشهد اللبناني.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الحکومة اللبنانیة الخارجیة الإیرانی الولایات المتحدة نزع سلاح حزب الله الأمین العام علی لاریجانی عن حزب الله وحزب الله لحزب الله أن إیران أغسطس آب آیة الله توم براک فی هذا
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.