غزو فنزويلا.. وصفة فشل أمريكية جديدة
تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT
نحن في فنزويلا من أجل النفط – جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق.
تنفّذ الولايات المتحدة عملية عسكرية تختطف خلالها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وتنقلهما إلى نيويورك للمحاكمة في استعراض هوليوودي فجّ. القضية هنا لا تتعلق بصلاح الرئيس أو فساده، بل بنهب الموارد وفرض الإرادة بالقوة.
ما جرى يمثل تفكيكًا منهجيًا لما تبقّى من النظام الدولي واستبداله بحالة فوضى عالمية تُعامل فيها الدول كغنائم، وتُختزل السيادة إلى بند قابل للتفاوض. رسالة واشنطن واضحة: تتصرف بلا رادع، تستولي على ما تشاء، وتتخلص من خصومها دون اعتبار لأي معيار قانوني أو أخلاقي، في سبيل الهيمنة وإخضاع الشعوب والاستيلاء على ثرواتها بالقوة. إنها عقلية «رعاة البقر» حيث تُقصى القوانين، وتحل القوة محل العدالة، وينصّب الأقوى نفسه قائدًا وقاضيًا وجلادًا في آنٍ واحد.
ومن المرجّح أن تنقلب هذه المغامرة على واشنطن بنتائج سلبية
ومع ذلك، ستفشل خطة الولايات المتحدة للسيطرة على فنزويلا. فالعالم، باستثناء الكيان الصهيوني، ينظر إلى ما حدث بوصفه غزوًا غير قانوني ينتهك القانون الدولي ويستند إلى ذرائع كاذبة، ومن المرجّح أن تنقلب هذه المغامرة على واشنطن بنتائج سلبية. فالمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة ضد سيادة أي دولة، ولا تُقرّ سوى استثناءين محددين: تفويض من مجلس الأمن أو الدفاع عن النفس ردًا على هجوم مسلح، ولا ينطبق أيّ منهما على حالة فنزويلا. وقد أجمع خبراء القانون الدولي على عدم شرعية التصرف الأميركي، وأدان هذا الفعل حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة، كما وصف خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الحصار البحري بأنه عدوان مسلح غير قانوني. وحتى داخل الكونغرس الأميركي يبرز إدراك بعدم شرعية الهجوم واعتباره حربًا غير مبرّرة.
ولم تقدّم إدارة الرئيس ترامب أي دليل يثبت تورّط مادورو في الاتجار بالمخدرات، رغم اتخاذ هذه التهمة أساسًا قانونيًا معلنًا لاعتقاله. وتشير تحليلات متخصصة إلى أن فنزويلا ليست مصدرًا رئيسيًا للكوكايين المتجه إلى الولايات المتحدة، وأن ما يغرق المدن الأميركية هو الفنتانيل القادم من المكسيك، فيما يتجه معظم الكوكايين الذي يمر عبر فنزويلا إلى أوروبا، ولا تتجاوز حصة الولايات المتحدة منه 15%. واعتمدت واشنطن في ادعاءاتها على لوائح اتهام وبيانات صحفية ومزاعم استخباراتية وشهادات معارضين ومنشقين، وهي عناصر لا ترقى إلى أدلة قانونية ولا تثبت إدارة شبكات إجرامية. وحتى لو افترضنا جدلًا وجود تورّط، فلا يجيز ذلك غزو دولة أخرى لتنفيذ أوامر قبض محلية، إذ يشكّل ذلك انتهاكًا صارخًا لسيادة الدول والقانون الدولي.
وحذّر أكثر من سبعين باحثًا وخبيرًا من أن التدخل الأميركي سيؤدي إلى تفاقم المعاناة الإنسانية وزيادة عدم الاستقرار، كما أن إسقاط نظام مادورو ليس مهمة بسيطة في ظل بنية داخلية واسعة تضم نحو 1.6 مليون عنصر من الميليشيات ومئات الآلاف في الأجهزة الأمنية. وتُظهر دراسات ميدانية أن احتجاجات الفنزويليين على الأوضاع الاقتصادية والسياسية لا تعني قبولهم بالتدخل العسكري الأجنبي، وأن إزاحة الرئيس وحدها لا تكفي من دون السيطرة على المؤسسات والهياكل العسكرية وشبكات السلطة المحلية.
ويؤكد اقتحام القصر الرئاسي واعتقال مادورو فشل سياسة الحصار؛ فقد راهنت واشنطن على أن مصادرة ناقلات النفط ستُسقط النظام عبر تجويع البلاد، لكن هذا الرهان كان خاطئًا، إذ لم ينجح إفقار الشعوب تاريخيًا في تغيير أنظمة الحكم. كما يُظهر استطلاع رأي نُشر منتصف كانون الأول أن 63% من الأميركيين يعارضون العمل العسكري داخل فنزويلا، وهو ما يحدّ من استدامة العمليات سياسيًا ويُصعّب الحفاظ على وجود عسكري كافٍ لتحقيق الأهداف المعلنة، في ظل شارع أميركي مُنهك من عقود التدخلات الخارجية.
وتتبع هذه العملية وصفةً مستهلكة لتدخلات الولايات المتحدة حول العالم؛ ففي العراق انحدر الوضع إلى حرب طائفية وعدم استقرار دام ربع قرن، وليبيا تحوّلت البلاد عصف بها الميليشيات، أما أفغانستان فعادت إلى حكم طالبان بعد عشرين عامًا من الاحتلال. وفي فنزويلا، ستتورّط الولايات المتحدة مجددًا؛ فالقوة العسكرية تفشل بطبيعتها في بناء شرعية سياسية أو كسب دعم شعبي، وستواجه جيشًا كبيرًا ومقاومة شعبية، إلى جانب قوى دولية مثل روسيا والصين، ما يزجّ بها في مستنقع جديد.
برأيي، ما نشهده مقامرة سياسية وعسكرية طائشة ستُضاف فيها فنزويلا إلى قائمة طويلة من التدخلات الأميركية التي أخفقت في تحقيق أهدافها المعلنة، وغزوٌ بدافع نهب الموارد سينقلب، في نهاية المطاف، على الولايات المتحدة نفسها.
الدستور الأردني
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه فنزويلا الولايات المتحدة القانون الدولي ترامب الولايات المتحدة القانون الدولي فنزويلا ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة رياضة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة
إقرأ أيضاً:
إعلام عبري: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني
أعلنت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر، منذ قليل، أن الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني حتى يتمكن من تفكيك سلاح حزب الله، موضحة أن إسرائيل تدعم خطة الولايات المتحدة لتطوير قدرات الجيش اللبناني، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.