جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@23:51:50 GMT

هجرة الكفاءات.. حين تُغادر العقول

تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT

هجرة الكفاءات.. حين تُغادر العقول

 

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **

في العقود الأخيرة، تحوّلت هجرة الكفاءات من ظاهرة فردية محدودة إلى قضية بنيوية تمسّ جوهر التنمية الاقتصادية والاجتماعية في كثير من الدول، خصوصًا النامية منها. ولم تعد الهجرة محصورة في البحث عن عمل؛ بل أصبحت تعبيرًا عن اختلالات أعمق في بيئات الإنتاج، والحوكمة، وتقدير رأس المال البشري.

اقتصاديًا، تمثل هجرة الكفاءات نزيفًا صامتًا للاستثمار الوطني؛ فالدولة التي تنفق لسنوات طويلة على تعليم وتأهيل الطبيب أو المهندس أو الباحث أو اللاعب الرياضي، تجد نفسها في نهاية المطاف تقدّم هذا المورد مجانًا لاقتصادات أخرى أكثر قدرة على استيعابه وتوظيفه بما يخدم رؤيتها الاقتصادية والتنموية. تشير تقارير البنك الدولي إلى أنَّ الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تخسر مليارات الدولارات سنويًا نتيجة هجرة العقول، ليس فقط بسبب فقدان المهارات النادرة، بل أيضًا بسبب تراجع الإنتاجية والابتكار المحليين؛ فغياب الكفاءات يُضعف قدرة القطاعات الحيوية-كالصحة، والتعليم، والتكنولوجيا- على التطور والمنافسة.

غير أنَّ التأثير لا يقف عند حدود الأرقام. اجتماعيًا، تُحدث هجرة الكفاءات خللًا في البنية الطبقية وفرص الحراك الاجتماعي. إذ غالبًا ما يغادر الأكثر تأهيلًا ومهارة، بينما يبقى من هم أقل حظًا من حيث المهارات والفرص، مما يوسع الفجوة بين الطموحات المجتمعية والقدرات الفعلية. كما تؤدي هذه الهجرة إلى تآكل القدوة المهنية داخل المجتمع؛ فحين يرى الشباب أن النجاح مرهون بالرحيل والهجرة، تتراجع قيمة الانتماء والعمل المحلي، ويتحول الوطن من فضاء لتحقيق الذات إلى محطة عبور مؤقتة.

في المقابل، لا يمكن التعامل مع هجرة الكفاءات بمنطق الإدانة الأخلاقية للفرد. فالدراسات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تؤكد أن قرار الهجرة غالبًا ما يكون نتيجة تراكمية لضعف الأجور، وضبابية المسار المهني، ومحدودية حرية البحث والابتكار، وليس مجرد إغراء مادي خارجي. وعليه، فإن تحميل الأفراد مسؤولية الهجرة يغفل جوهر المشكلة المتمثل في بيئة طاردة لا مكافِئة.

الحل لا يكمن في إغلاق الحدود، بل في تحويل الهجرة من خسارة صافية إلى علاقة تبادلية. فبعض الدول نجحت في استثمار جالياتها العلمية في الخارج عبر شبكات بحثية، ونقل معرفة، واستثمارات عائدة، فيما يُعرف بـ"هجرة العقول الدائرية". غير أن هذا يتطلب سياسات ذكية تعترف بأن الكفاءة لا تُحتجز، بل تُستبقى عبر العدالة، وتهيئة الفرص، والاعتراف بالقيمة.

في النهاية، هجرة الكفاءات ليست أزمة هجرة بقدر ما هي مرآة لأزمة تنمية طال تجاهلها. وعلينا أن نتذكر أن من ينجح في إصلاح الداخل وخلق بيئة جاذبة وآمنة، لن يقلق كثيرًا من الخارج وإغراءته.

** باحث أكاديمي

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

ملف المهاجرين يشعل جدلًا واسعًا في الشارع الليبي

منذ سنوات كانت الهجرة تطرح باعتبارها أزمة عبور نحو أوروبا لكنها اليوم ‏أصبحت قضية داخلية تشغل الرأي العام في البلاد وتثير مخاوف سياسية ‏واجتماعية متزايدة ففي الشوارع وعلى منصات التواصل الاجتماعي وفي بيانات ‏المؤسسات الرسمية والدولية يتصدر ملف المهاجرين غير النظاميين المشهد الليبي‎.‎

يومًا بعد يوم يتصاعد الجدل ويتنامى الغضب الشعبي مع تزايد أعداد المهاجرين ‏في مدن وقرى البلاد خاصة مع تداول مزاعم على منصات التواصل الاجتماعي ‏بشأن إصدار وثائق للاجئين من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ‏طرابلس وهي مزاعم يربطها كثيرون بمخاوف من التوطين وإحداث تغيير في ‏التركيبة السكانية للبلاد‎.‎

وفي خضم هذا الجدل تتوسع الدعوات إلى التظاهر يوم الخميس المقبل أمام مقر ‏المفوضية في طرابلس ضمن حملة رافضة لما يصفه منظموها بمشاريع التوطين‎.‎

لكن أصواتًا أخرى تحذر من الانزلاق نحو خطاب الكراهية وتدعو إلى معالجة ‏الملف عبر تنظيم أوضاع العمالة الوافدة وتسجيلها قانونيًا باعتبار أن المهاجرين ‏باتوا يشكلون جزءًا أساسيًّا من قطاعات البناء والخدمات والنظافة والأعمال ‏الحرفية في مختلف المدن الليبية.‏

وتأتي هذه المخاوف في وقت كانت فيه حكومة الوحدة الوطنية قد حذرت مرارًا ‏من تنامي أعداد المهاجرين غير النظاميين، إذ قال وزير الداخلية عماد الطرابلسي ‏في أكثر من مناسبة إن عددهم قد تجاوز 3 ملايين شخص مع تدفقات شهرية ‏تتراوح بين 90 و120 ألف مهاجر عبر الحدود الجنوبية‎.‎

كما تحول ملف الهجرة خلال السنوات الأخيرة إلى محور رئيسي في النقاشات ‏الأوروبية والمتوسطية بشأن الحد من تدفقات المهاجرين نحو القارة الأوروبية إذ ‏عقدت مؤتمرات دولية عدة وأبرمت اتفاقيات أمنية بين ليبيا ودول أوروبية لدعم ‏جهود مكافحة الهجرة غير النظامية وخفر السواحل في إطار محاولات الحد من ‏رحلات العبور عبر البحر المتوسط ومنع وصول المهاجرين إلى السواحل ‏الأوروبية‎.‎

غير أن منتقدين لهذه السياسات يرون أنها ركزت على الحد من تدفقات الهجرة ‏أكثر من معالجتها من جذورها معتبرين أن الحلول الحقيقية ترتبط بدعم دول ‏المصدر والاستثمار فيها ومعالجة الظروف الاقتصادية والأمنية التي تدفع مواطنيها ‏إلى الهجرة‎.‎

في المقابل تؤكد منظمات دولية أن الأزمة لا يمكن معالجتها بالحلول الأمنية ‏وحدها داعية إلى توفير مسارات قانونية للهجرة وتنظيم أوضاع المهاجرين ‏وضمان احترام حقوقهم الإنسانية‎.‎

ومع تصاعد حالة الاحتقان دخلت المؤسسات الرسمية على خط الأزمة إذ ‏جددت وزارة الخارجية رفضها توطين المهاجرين مؤكدة حق المواطنين في التعبير ‏عن آرائهم وفق القانون مع التشديد على احترام حرمة مقار البعثات ‏الدبلوماسية‎.‎

كما أعلن مجلس النواب رفضه أي مشاريع أو ترتيبات قد تؤدي إلى التسكين أو ‏التوطين أو إحداث تغيير ديموغرافي معتبرًا أن حماية الهوية الوطنية والسيادة الليبية ‏تمثل خطوطًا حمراء‎.‎

في المقابل أعربت الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها من انتشار المعلومات المضللة ‏والخطاب التحريضي داعية إلى التحقق من المعلومات من مصادرها الرسمية ‏والتصدي لخطاب الكراهية والتمييز‎.‎

المصدر: ليبيا الأحرار

المهاجرينرئيسي Total 0 Shares Share 0 Tweet 0 Pin it 0

مقالات مشابهة

  • الإعلام والإنتاج المحلي.. لماذا لا نزال نستورد “الملخاخ”؟
  • بدر عبدالعاطي: المصريون بالخارج قوة وطنية وسفراء لمصر في مختلف دول العالم
  • الأنبا اسطفانوس: الهجرة غير الشرعية وباء يهدد الشباب
  • 30 ألف شتلة.. جمعية بيئة بلا حدود تقود مشروعًا لاستعادة غابات المانجروف بالبحر الأحمر
  • جمعية بيئة بلا حدود: استزراع المانجروف بالبحر الأحمر ركيزة أساسية لمواجهة التغيرات المناخية
  • بنك مسقط يواصل الاستثمار في الكفاءات الوطنية عبر إطلاق نسخة جديدة من "نسور"
  • آدم كايد يغادر معسكر فلسطين ويغيب عن مواجهتي قيرغيزستان.. اعرف السبب
  • ملف المهاجرين يشعل جدلًا واسعًا في الشارع الليبي
  • رئيس جامعة القناة يتفقد امتحانات كلية الهندسة ويؤكد توفير بيئة منضبطة تضمن تكافؤ الفرص
  • بمواصفات فائقة.. إطلاق هاتف Xiaomi 17 Max الجديد في الخارج