كما يقولون في الأمثال: حمار محمل بالذهب يفتح المدن أفضل من أي سلاح.

يبدو أن نجاح العملية الأمريكية لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لا يعتمد بالضرورة على التفوق الكمي والنوعي للأسطول الأمريكي والهجوم المفاجئ وإنما على تقاعس الجيش الفنزويلي وخيانة بعض المقربين من مادورو. في الوقت نفسه، لا أزعم أن القبض على مادورو كان بالضرورة نتيجة اتفاق مسبق بين واشنطن وبقية أعضاء الفريق الفنزويلي الحاكم.

ربما لا يوجد اتفاق مبدئي، بينما يأمل ترامب أن يكون المزيد من الضغط والترهيب كافيا لفرض سيطرته على البلاد. ستتضح هذه القضية مع مرور الوقت. أعتقد أنه إذا لم تتدخل الصين خلال الأيام أو الأسابيع القادمة، فمن المرجح أن تستسلم كاراكاس.

ودعونا نخضع خيار فرض السيطرة الأمريكية الكاملة على فنزويلا لمزيد من التحليل.

برغم امتلاك فنزويلا لأكبر احتياطيات نفطية في العالم (نحو 20% من الاحتياطيات العالمية)، إلا أن استخراج هذا النفط صعب. فتكاليف إنتاجه مرتفعة، إذ تتراوح بين 10-40 دولار للبرميل. لذا فإن الاستثمار فيه غير مجد بالأسعار الحالية. ولا يتوقع حدوث زيادة ملحوظة في إنتاج النفط الفنزويلي، على الأقل حتى نهاية ولاية ترامب.

الأهم من ذلك، أن النفط الفنزويلي يمثل مصدرا محتملا للثروة في منتصف القرن الحادي والعشرين، حال نضوب موارد العالم. إلا أنه في الوقت الراهن، لا يثري سوى شركات النفط الأمريكية وفئة صغيرة من النخب المحلية العميلة التابعة لها، إذ لا تكفي عائدات النفط لإطعام جميع السكان، وهو ما أوصل اليسار، بقيادة هوغو شافيز، إلى السلطة سابقا.

أعتقد أنه بالنظر إلى أسعار النفط الحالية المنخفضة والوضع الراهن للاقتصاد الفنزويلي، لن يكون أمام ترامب سوى خيارين:

الأول، أن تصبح فنزويلا مثل الأرجنتين في ظل قيادة ميلي، عبئا يتطلب مساعدات اقتصادية مستمرة.

الثاني، إذا استولت الولايات المتحدة على معظم الأرباح، فسيحدث انفجار اجتماعي في نهاية المطاف، مع عودة اليسار إلى السلطة و/أو زعزعة استقرار البلاد بالكامل وانهيار الاقتصاد نهائيا.

ينسب إلى نابليون بونابرت قوله: “الحراب تمكّن من السلطة، لكن لا يمكن الجلوس عليها”. وأشك في قدرة واشنطن على الحفاظ على سيطرتها على فنزويلا لأكثر من بضع سنوات، ليتحول مسار الوضع في البلاد بعدها على الأرجح إلى سيناريوهات العراق أو ليبيا أو أفغانستان.

بالطبع، تبدو صورة مادورو المحتجز مؤثرة وفعالة، وقد تصرف انتباه الأمريكيين عن قضية إبستين لبعض الوقت، ولكن بحلول موعد انتخابات التجديد النصفي، سيتلاشى التأثير، وقد تكون العواقب السلبية قد بدأت بالفعل. فتكاليف غزو ترامب لفنزويلا ستزداد ولن تكون النتيجة هي السيطرة وإنما تصاعد الفوضى.

باختصار، تبدو فوائد السيطرة على فنزويلا على المدى القريب والمتوسط (من سنتين إلى خمس سنوات) محل شك. كما أن تأثير ذلك على سوق النفط غير مؤكد. إلا أن الفائدة الحقيقية الوحيدة التي يمكن للولايات المتحدة تحقيقها من بسط سيطرتها على فنزويلا هي فرض حصار نفطي على الصين خلال السنوات القليلة المقبلة.

دعونا نوسع نطاق التحليل: من المؤكد أن القبض على مادورو سيترك انطباعا كبيرا لدى قادة الدول الصغيرة والضعيفة، لا سيما إذا كانت عواصمهم تقع على الساحل، بحيث يمكن للبحرية الأمريكية أن تفرض قوتها بالكامل.

ومع ذلك، وبعكس ما كان عليه الحال في القرنين التاسع عشر والعشرين، لا يوجد الكثير مما يمكن أن تفعله الدول الصغيرة للولايات المتحدة اليوم دون الانزلاق إلى أزمة اقتصادية محلية في هذه الدول، مع احتمال فقدان النخب المؤيدة للولايات المتحدة للسلطة.

لم تعد الولايات المتحدة ورشة العالم، ولم يعد الاستحواذ على أسواق الدول الصغيرة مطلوبا ولا ممكنا. فبدون حل عسكري، ستواصل الصين توسيع نفوذها الاقتصادي بوتيرة متسارعة في جميع الدول المتنازع عليها، وسيستمر نفوذها في النمو. كل ما تطلبه واشنطن حاليا من خدمها وحلفائها الصغار هو دفع ضريبة استعمارية إضافية (عبر تعريفات ترامب الجمركية)، والمشاركة في المقاطعة التجارية للصين. سيؤدي هذان الجانبان سريعا إلى أزمة اقتصادية داخل هذه الدول الصغيرة، مع احتمال فقدان النخب الموالية للولايات المتحدة للسلطة.

لقد أصبح التحالف مع الولايات المتحدة أمرا بالغ الخطورة، إن لم يكن انتحارا فعليا.

أما روسيا، فتنشغل بالحرب في أوكرانيا والمواجهة الوشيكة مع أوروبا، لذا فإن الكثير يتوقف على سلوك الصين وما إذا كانت مستعدة لبدء مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة؟ على الأرجح، ليس بعد.

لذلك، ففي رأيي المتواضع، يبدو السيناريو الأرجح هو تسارع الانقسام القسري للعالم إلى معسكرات. وبعد اعتقال مادورو، سيضاعف ترامب جهوده لفرض تعريفات جمركية جديدة على الدول الصغيرة وإجبارها على المشاركة في الحرب التجارية ضد الصين. وهو ما سيؤدي إلى نقص في السلع وارتفاع في الأسعار. وفي غضون عام أو عامين، سيصبح التضخم عالميا، وستتساقط اقتصادات الدول الصغيرة الواحد تلو الآخر، وسيغرق العالم بأسره في عدم استقرار اقتصادي. فلا معنى لنشوة ترامب المؤقتة.

بالنسبة لدول الخليج النفطية، يفترض أن يمثل احتجاز مادورو خطرا مضاعفا. فإلى جانب احتمال تكرار سيناريو فنزويلا عبر المؤامرات والانقلابات، يساورها القلق من سيطرة الولايات المتحدة على ما يقارب نصف نفط العالم. بات المعسكر الأمريكي الآن يضمن إمدادات النفط في حال نشوب حرب مع الصين. ويتعين على ترامب الآن قطع مصادر النفط البديلة للصين: روسيا وإيران والدول العربية بالخليج. أمام ترامب وقت ضيق للغاية، ففي الأشهر المقبلة، سيضاعف جهوده في هذا المسار.

بصراحة، لا أستطيع تخيل كيف سيتمكن الاقتصاد العالمي، لا سيما البورصات، من الصمود خلال هذا العام.

المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف

روسيا اليوم

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/05 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة يبدا تنفيذها اليوم: “المحقق” يستعرض النص الكامل للسياسات النقدية الجديدة2026/01/03 مصر تعلن جاهزيتها لتصدير عربات القطارات إلى الخارج2026/01/02 المواصفات بنهر النيل تعلن عن فحص وختم أكثر من 5 أطنان من الذهب خلال العام الحالي2026/01/01 الهند رابع أكبر اقتصاد في العالم متجاوزة اليابان2026/01/01 وكيل المالية يشهد مراسم توقيع عقد خدمة إيصالي مع البنك الأهلي المصري (الخرطوم)2026/01/01 حصاد مبادرات المسؤولية المجتمعية لشركة MTN السودان خلال عام 20252025/12/31شاهد أيضاً إغلاق اقتصاد وأعمال مصر والمغرب والإمارات والسودان في مقدمة المستحوذين على القمح الروسي 2025/12/28

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: الولایات المتحدة للولایات المتحدة الدول الصغیرة على فنزویلا على ما

إقرأ أيضاً:

إعلام عبري: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني

أعلنت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر، منذ قليل، أن الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني حتى يتمكن من تفكيك سلاح حزب الله، موضحة أن إسرائيل تدعم خطة الولايات المتحدة لتطوير قدرات الجيش اللبناني، وفقا للقاهرة الإخبارية.

وكالة الطاقة الذرية: هناك تغير جوهري في تقييم برنامج إيران النووي وكالة الطاقة الذرية: الإمارات تعاملت بسرعة كبيرة مع الهجوم على محطة براكة النووية

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • موديز: أمام ترامب أسبوعاً لاتفاق مع إيران لتجنب ركود في البلاد
  • طهران لا تثق في واشنطن وتتبنى نهجا صارما
  • إعلام عبري: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني
  • أزمة الخليج ربما في بدايتها فقط !
  • مرموش يطير إلى الولايات المتحدة للانضمام لمعسكر المنتخب
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • ترامب يتوقع إنجاز مذكرة تفاهم بشأن “هرمز” الأسبوع المقبل
  • اختلالات تهدد استدامة التجارة بين أوروبا والصين.. خبير يطالب بإعادة التوازن
  • خلافات جديدة تعرقل الاتفاق الأمريكي الإيراني.. طهران تطلب تعديلات وترامب يتمسك بالتشدد