لماذا لا ينبغي أن تتعهد أمريكا بدعم عسكري بعيد المدى لإسرائيل؟
تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT
ترجمة: أحمد شافعي
عندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مارالانجو في التاسع والعشرين من ديسمبر 2025 للاجتماع بالرئيس دونالد ترامب، يرجح أنه ناقش إمكانية تعهد الولايات المتحدة بمساعدات عسكرية لعشرين عامًا.
ومن المحتمل أن يدخل هذا التعهد حيز التنفيذ عند انتهاء سريان الالتزام المعروف بـ(مذكرة التفاهم) في 2028.
ويجب أن يضغط الرأي العام والكونجرس بشدة على الإدارة لكي ترفض تمديد مذكرة التفاهم.
ففي ضوء سلوك إسرائيل على مدى السنتين الماضيتين، لا ينبغي لها أن تتلقى أي مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة، ناهيكم بتعهد يستمر لمدة عشرين عامًا.
فمن شأن اتفاقية مساعدات عسكرية طويلة الأجل أن تكون بالأساس إقرارًا لسلوك إسرائيل الإجرامي في غزة وعدوانها المستمر في الضفة الغربية والمنطقة الأوسع.
ولا يعرف كثير من الأمريكيين أن حكومتنا ملزمة باتفاقية مدتها عشر سنوات تمنح فيها الولايات المتحدة أسلحة لا تقل قيمتها عن 3.8 مليار دولار لإسرائيل كل عام. وما من بلد آخر في العالم لديه اتفاقية كهذه مع الولايات المتحدة.
وما رقم الـ 3.8 مليار دولار إلا المنطلق لا المنتهى، مثلما تبين من السنة الأولى من حرب إسرائيل في غزة إذ أمدت إدارة بايدن إسرائيل بمساعدات عسكرية بلغت قيمتها رقما قياسيا هو 17.9 مليار دولار.
ولقد تمكنت إسرائيل بفضل تدفق الأسلحة الممولة من دافعي الضرائب الأمريكيين منذ بداية الإبادة الجماعية في غزة في أكتوبر من عام 2023 من الالتزام بما يعتقد كثير من الخبراء المستقلين أنه إبادة جماعية في غزة. فكانت التكلفة البشرية هائلة؛ إذ أدى العمل العسكري المباشر الذي تقوم به القوات الإسرائيلية إلى مقتل أكثر من سبعة وستين ألف مدني ومقاتل فلسطيني في غزة وإصابة مائة وتسعة وستين ألفا آخرين.
وهذا فضلا عن أرقام غير معلنة لوفيات غير مباشرة من جراء الجوع والمرض ونقص الخدمات الطبية الأساسية.
وما كان لشيء من هذا الذي سبق ذكره أن يتحقق لولا المساعدة العسكرية الأمريكية. وذلك لأن كامل أسطول الطائرات المقاتلة الإسرائيلية يتألف من طائرات إف-15 وإف-16 وإف-35 أمريكية الصنع، كما أن الولايات المتحدة أمدت إسرائيل بعشرات الآلاف من القنابل والصواريخ منذ بداية هجماتها على غزة.
ولقد كان بوسع إدارة بايدن أو إدارة ترامب أن توقف هذه المذبحة في أي وقت بقطع المساعدات والصيانة وقطع الغيار عن الآلة العسكرية الإسرائيلية. وبدلا من ذلك، ارتأت كلتا الإدارتين أن توبخ إسرائيل بدلا من القيام بعمل ملموس لكبح سلوكها.
ويفترض البعض أن أسوأ أعمال القتل قد انتهت الآن بعد الشروع في تنفيذ خطة الرئيس ترامب للسلام في غزة. لكن اتفاقية ترامب ليست إلا وقفا لإطلاق النار على الورق، إذ تتواصل الأعمال الإسرائيلية في قتل الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بشكل روتيني.
بوسع الكونجرس أن يتدخل ويمنع المساعدات في أي وقت خلال اتفاقية العشرين عاما المقترحة، ولكن محض الوعد بعقدين من المساعدات من شأنه أن يكبل يد الولايات المتحدة في حال بذلها جهدا حقيقيا لكبح جماح العدوان الإسرائيلي في غزة وفي المنطقة بأسرها.
ولو استمرت الممارسات السابقة، فإن شروط مذكرة التفاهم الجديدة سوف تتحدد وراء الأبواب المغلقة، دونما مشاركة تذكر من الكونجرس أو الرأي العام بل دونما مشاركة منهما على الإطلاق؛ فلا يمكن ولا ينبغي أن تقوم لهذه الاتفاقية قائمة في وضح النهار. فالأمر لا يقتصر على أن قمع الفلسطينيين مستمر بإيقاع متسارع، ولكنه يمتد إلى أن مغامرات إسرائيل العسكرية ـ من قبيل غاراتها الجوية على إيران ـ يمكن أن تورط الولايات المتحدة في حرب أخرى بالشرق الأوسط.
وقبل أن تلزم الإدارة نفسها بعشرات المليارات من أموال دافعي الضرائب لبلد يرتكب إبادة جماعية في أجزاء من فلسطين في ظل حكمه العسكري الغاشم ويهاجم بلادا أخرى في المنطقة، ينبغي أن تعلّق المساعدة العسكرية لإسرائيل لتكون ورقة ضغط ترغمها على إنهاء انتهاكها لوقف إطلاق النار في غزة، وأن تقنع إسرائيل أيضا بكبح جماح هجماتها العسكرية المتصلة، على الفلسطينيين وعلى الدول المجاورة أيضا.
على الكونجرس والرأي العام أن يضغطا من أجل إنهاء دعم أمريكا العسكري غير المشروط لإسرائيل بمنع توقيع اتفاقية بعيدة الأجل وتعليق دعم السلاح القائم ليكون ذلك ورقة للضغط من أجل إنهاء إسرائيل قتلها العشوائي للفلسطينيين. لقد آن الأوان لإنهاء الوضع القائم في العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وليام دي هارتونج باحث أول في معهد كوينسي للحكم الرشيد. شغل من قبل منصب مدير برنامج الأسلحة والأمن في مركز السياسة الدولية
الترجمة عن ذي ناشونال إنتريست
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الولایات المتحدة فی غزة
إقرأ أيضاً:
لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
انشغلت المحافل الإسرائيلية السياسية والعسكرية، بالتقارير التي تتحدث عن اتفاق نووي أمريكي سعودي بصورة لافتة، دون تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال، مما يُعرّضها لما تعتبره أسوأ سيناريو متمثل في خطر أمني غير مسبوق دون أي مكاسب سياسية.
الباحث الأول ورئيس برنامج الخليج بمعهد الدراسات الأمنية بجامعة تل أبيب، والرئيس السابق لقسم إيران والخليج في مجلس الأمن القومي، يوئيل جوزانسكي، أكد أن "إسرائيل ينبغي لها أن تقلق من الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية، لأنها قد تجد نفسها في أسوأ وضع بالنسبة لها، وهو الخطر المتزايد لانتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ودون تحقيق الإنجاز السياسي المتمثل في التطبيع مع أهم دولة عربية".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا" وترجمته "عربي21" أنه "لسنوات، كان من الواضح أن استعداد الولايات المتحدة لتلبية المطالب السعودية في المجال النووي ليس غاية في حد ذاته، بل جزء من اتفاق إقليمي أوسع، وقد كانت الفكرة بسيطة، وبموجبها ستحصل الرياض على ضمانات أمنية وبرنامج محطة طاقة نووية مدنية متطورة، وفي المقابل ستحصل إسرائيل على اتفاق تطبيع تاريخي، لكن يبدو الآن أن الصلة بين المسألتين بدأت تتلاشى".
ردود فعل إسرائيلية
ويمكن الاستنتاج من هذا التطور أنه إذا منحت واشنطن السعودية ما تريده حتى دون إحراز تقدم مع دولة الاحتلال، فهذا يعني أنها ستتحمل المخاطر وحدها، ودون تحقيق أي مكاسب استراتيجية، وبالتالي فلا تكمن المشكلة في تطوير الطاقة النووية المدنية بحد ذاتها، لن العديد من الدول تشغل مفاعلات لأغراض سلمية، لكن السؤال الذي يشغل صناع القرار في تل أبيب هو ما إذا كانت الرياض ستُمنح أيضاً خيار تخصيب اليورانيوم، فإذا كان الأمر كذلك، فهذه سابقة ذات خطورة إقليمية واسعة على دولة الاحتلال.
هنا يمكن استعراض أهم ردود الفعل الإسرائيلية من هذا الاتفاق، وقد كان لافتا أن الائتلاف بقي صامتا، خشية الصدام مع واشنطن، فيما تصدر قادة المعارضة إصدار التصريحات المعارضة للاتفاق:
رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، الذي يعتبر أحد منافسي نتنياهو في الانتخابات المقبلة، اعتبر أن "هذه الاتفاقية تعني الانضمام لسلسلة إخفاقات دبلوماسية شهدناها إسرائيل خلال الفترة الماضية، مما يعتبر فشلا استراتيجيا خطيرا يهدد أمننا القومي، وتفقد فيها إسرائيل تأثيرها على مصيرها".
بدوره، زعم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الحرب الأسبق، أفيغدور ليبرمان، أن "علينا أن نعي أن البرنامج النووي السعودي سينتهي بسلاح نووي، وبسباق تسلّح جنوني في جميع أنحاء الشرق الأوسط، على إسرائيل أن توضح بحزم أنها تعارضه، وعلى الحكومة ان تعمل بقوة في الكونغرس لإفشال هذا المسار".
واتهم رئيس حزب "الديمقراطيين"، يائير غولان، الذي يمثل يسار الوسط، نتنياهو بأنه "فعل ما لا يصدّق بخسارة التطبيع مع السعودية، ويمكّنها من التحول إلى دولة نووية، لقد خسرنا أحد محفّزات التطبيع، وإسرائيل لم تكن شريكة في هذه الخطوة".
الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، الجنرال يعكوب ناغال، زعم أن "أي تخصيب لليورانيوم، من أي نوع كان، على الأراضي السعودية هو خطأ، بغض النظر عمن سيقوم به، وكيف سيتم الإشراف عليه، هكذا كان موقفي قبل السابع من أكتوبر في إطار حزمة التطبيع، وموقفي لم يتغير".
خطوات متوقعة
هنا يمكن الحديث عن سلسلة خطوات إسرائيلية متوقعة:
إعادة الحديث عن المسار السياسي التدريجي في الساحة الفلسطينية، من خلال الدعم الأمريكي الواضح، وإن كان ذلك متعذرا في ظل موسم انتخابي حامي الوطيس.
إمكانية التوصل إلى اتفاق ثلاثي يخدم المصالح الإسرائيلية أيضًا، وليس المصالح الأمريكية والسعودية فحسب.
لا يمكن لدولة الاحتلال الاكتفاء بمعارضة الاتفاق، والمخاطرة بتوقيعه على أي حال، أو أن تسعى لصياغته بحيث يُقلل من المخاطر النووية، ويُعيد هدف التطبيع إلى الواجهة.
الاستنتاج الاسرائيلي من هذا الحراك السعودي الأمريكي المتلاحق في الملف النووي يتمثل بين التخوف من تبعاته من جهة، ومن جهة أخرى الخشية من عدم التأثير في الواقع، والتصالح معه، لأن إذا مضت هذه الصفقة قدمًا، فإن مكمن القلق الإسرائيلي هو عدم تقليل مخاطرها، وضمان ألا تنتهي هذه الخطوة الاستراتيجية الهامة بحصول السعودية على كل شيء، وبقاء الاحتلال بلا شيء.
في الوقت ذاته، ليس لدولة الاحتلال مصلحة في تحويل هذه القضية لمواجهة علنية مع إدارة ترامب، أو حتى القيادة السعودية، ولأنها قضية حساسة، تنصح الأوساط البحثية والتحليلية بضرورة إجراء حوار مكثف وسري مع واشنطن، هدفه الأساسي تقليل المخاطر قدر الإمكان من خلال آليات تفتيش أكثر صرامة، واعتماد البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفرض قيود على التخصيب وإعادة المعالجة، وضمان إمداد الوقود النووي من مصادر خارجية.
إبعاد السعودية عن الصين وروسيا
يتوافق الإسرائيليون على أن اتفاق بين الولايات المتحدة والسعودية ربما يسعى لترسيخ التعاون النووي المدني لعقود، والحدّ من نفوذ الصين وروسيا في المملكة، رغم أن غياب قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم قد يُقوّض التوازن الإقليمي، ويُعرّض دولة الاحتلال لواقع استراتيجي أكثر خطورة، رغم أن هذه محاولة أمريكية لإعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وهي في الوقت نفسه مقامرة محفوفة بالمخاطر بشأن مدى الحرية النووية التي يمكن منحها للرياض دون إشعال سباق تسلح إقليمي.
خبير الشئون الأمنية والاستراتيجية، البروفيسور عوزي رابي، أعرب عن مخاوفه من قيام "إدارة ترامب بفصل التعاون النووي مع السعودية عن شرط تطبيع علاقاتها مع إسرائيل أولاً، بعد أن كان هذا الخيار يطرح سابقا بهدف تعميق التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، وتصعيد المواجهة المشتركة مع إيران، وتقريب الرياض وتل أبيب في المستقبل، رغم عدم وجود التزام سعودي بذلك في الاتفاق".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا"، وترجمته "عربي21" أنه "من وجهة نظر إسرائيل، فإن فصل التطبيع عن التعاون النووي يعني أن السعودية قد تحصل على مكسب استراتيجي هام، دون أن تضطر لتغيير علاقاتها مع إسرائيل بهذه المرحلة، مع أن الخطر، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا ينبع من نوايا الرياض الحالية فحسب، بل من السابقة التي يُرسيها الاتفاق، لأنه قد يُغيِّر موازين القوى الإقليمية، وهذا بحد ذاته يُعدّ مقامرة".
لا يختلف إسرائيليان على أنه إذا كانت الإدارة الأمريكية عازمة على المضي قدمًا في الاتفاق مع الرياض، فقد لا تنجح محاولات إلغائه، وفي هذه الحالة، فقد سيكون من الأنسب محاولة التأثير على بنوده، لاسيما إعادة التطبيع إلى صلب الاتفاق، وبدلًا من الاكتفاء برفضه، فإنه يمكن لدولة الاحتلال أن تسعى لتحويل هذه الخطوة إلى ورقة ضغط سياسية.
سباق التسلح
من وجهة نظر أخرى، لا تقل خطورة عن سابقاتها، فإن دولة الاحتلال ترى أن التعامل مع واقع إقليمي لا تقتصر المعرفة النووية، والبنية التحتية، والقدرة على الاقتراب من عتبة التسلح النووي، لا تقتصر على إيران فحسب، بل تطالب فيه دول عربية رئيسية بمسار مماثل، فإذا قبلت السعودية بشروط متساهلة، فقد تطالب دول مثل تركيا ومصر والإمارات العربية المتحدة بمعاملة مماثلة.
صحيح أن الولايات المتحدة تحاول القيام بمناورة دقيقة تتمثل باحتواء إيران من خلال تعزيز قدرات السعودية، لكن ذلك قد يُحوّل هذا التعزيز إلى بداية سباق نووي، وفي مثل هذه الحالة فقد تُنشئ هذه الخطوة برنامجًا نوويًا للرياض تحت إشراف أمريكي، في أحسن الأحوال، أم أنها تُرسّخ سابقةً ستستغلها دول المنطقة عندما يتلاشى الثقة في واشنطن، وهنا قد تحرم دولة الاحتلال من احتكار السلاح النووي في المنطقة.