عسكرة المجتمع في ليبيا.. حين لا يبقى للشباب إلا الجيش
تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT
لم تعد عسكرة المجتمع في ليبيا ظاهرة هامشية أو عرض جانبي للصراع، بل صارت خيارا شبه وحيد فُرض على جيل كامل. اليوم، الشاب في ليبيا لا يُخيَّر، بل يُدفَع دفعا نحو الثكنات في الشرق كما في الغرب. البندقية صارت البديل عن العمل، وعن المستقبل، وعن الحياة الطبيعية.
لا توجد أي سياسة جدية لدعم الشباب، لا مشاريع لتأهيل العاطلين عن العمل، لا برامج لتعليم مهن حرفية، ولا خطط حقيقية لتطوير المهارات أو خلق فرص في سوق عمل بالكاد يمكن تسميته سوقا.
أتذكر زمنا كان الجيش يُنظر إليه كحل أخير، الشاب الذي يفشل في الدراسة، أو لا يوفّق في أي مسار مهني، أو يعاني مشاكل سلوكية أو إدراكية، كانت عائلته "تزجّ به" في الجيش. اليوم انقلبت المعادلة، كثير من الشباب يتركون الجامعات والدراسة والمسارات المهنية طواعية، لأن الأجهزة الأمنية والكتائب المسلحة تعرض المال السهل والسريع. لكن الثمن فادح، يضحون بكل شيء، يراهنون على أطرافهم وعلى حياتهم، وينتظرون أول اشتباك ليُدفعوا إلى الخطوط الأمامية دفاعا عن كراسي من يدفع مرتباتهم.
أعرف شخصيا صديقا درس طب الأسنان وأكمل دراسته بتفوق، لكنه لم يجد عملا؛ لا عيادات، لا فرص، مجرد أفق مسدود، وإذا حالفه الحظ ووجد عملا فإن المرتبات لا تتعدى 150 دولارا في الشهر. في النهاية، التحق بإحدى الدورات العسكرية، تخرج جنديا، يقف على قارعة الطريق فجرا حتى يجد من يوصله إلى المعسكر، يقضي يوما في الخدمة وثلاثة أيام راحة، ممسكا "توكة" إلى جانب عساكر لا يعرف بعضهم حتى كتابة أسمائهم. هذا ليس حالة نادرة، بل نموذج مكرر، ويختصر ما نتحدث عنه.
الجيش عماد الدولة، وصمام الأمان، وطوق النجاة، والدفاع عن الوطن شرف لكل شاب! زمجر صديقي الوهمي، كعادته، مكررا ما يقوله القطيع. سألته ببساطة: هل من يلتحق اليوم بالجيش يفعل ذلك بدافع وطني أم بدافع المرتب؟ وهل الدفاع عن الوطن يعني أن نقتل بعضنا بعضا؟ وأين هو الوطن أصلا؟ لم أرَ معركة واحدة ضد غزو أجنبي أو عدو خارجي. على العكس، العدو الخارجي يسرح ويمرح برا وبحرا وجوا، ينعم بالأمن داخل قواعده العسكرية في أرجاء ليبيا، بينما نحن نتقاتل لنضمن بقاء عائلة حفتر أو عائلة الدبيبة في السلطة.
الأمر ليس عشوائيا، مجلس النواب الليبي الجاثم على صدورنا منذ عقد ونيف، بدل أن ينشغل بقوانين تمس حياة الناس وحقوقهم، سَنّ مؤخرا قانونا يرفع مرتبات الجيش بنسبة 150 في المئة، استجابة مباشرة بعد أيام معدودة من طلب صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية. في المقابل، قوانين أساسية مثل قانون تنظيم المجتمع المدني أو قانون مناهضة العنف ضد المرأة ما زالت حبيسة الأدراج منذ قرابة عقد. الأولوية واضحة، ولا تحتاج إلى تبرير؛ علاوة على الامتيازات والمرتبات المرتفعة التي تُمنح للمجموعات المسلحة والأجهزة الأمنية، خصوصا تلك المتخصصة في الوشاية، سواء في الشرق أو الغرب، بينما تُهمَّش وتُحقَّر مهن مثل المعلم والممرض والمهندس وغيرها.
الجيش، في أي دولة طبيعية، مهمته واضحة: حماية الحدود، وحماية الدولة من أي خطر خارجي، وليس التكدس داخل المدن، ولا بناء الثكنات أمام بيوت الناس، ولا تحويل المجتمع إلى معسكر كبير. ليبيا، بعدد سكان لا يتجاوز ثمانية ملايين، لا تحتاج إلى هذه الأعداد الهائلة من الجنود. الحروب اليوم لا تُحسم بعدد البنادق، بل بالعقول، وبالمعرفة، وبالتخطيط، وبالتقنية، وبالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية. من يريد جيشا قويا، فليستثمر في العلم أولا، لا في عسكرة الفقراء.
ما يجري في ليبيا ليس بناء جيش، بل استنزاف زهرة شباب المجتمع؛ عسكرة الشباب وتحويلهم الى مرتزقة يعملون من أجل المال هي وصفة مضمونة لإطالة الصراع وتأجيج النزاع، وتدمير ما تبقّى من طاقات يمكن توظيفها للبناء. حين يصبح السلاح وظيفة، فستصبح البلد حتما عبارة عن ميدان رماية مفتوح، وعن ساحة حرب مؤجلة يدفع ثمنها أجيال لا ذنب لها سوى أنها وُلدت في الوقت الخطأ.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء عسكرة ليبيا الشباب الجيش ليبيا الشباب الجيش عسكرة قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة تغطيات رياضة صحافة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی لیبیا
إقرأ أيضاً:
قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟
تحولت قصة اللاعب الليبي محمد الطبال، نجم فريق السويحلي، إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية تداولًا على مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا، بعدما ظهرت ضمن سلسلة الأفلام الوثائقية "لهذا نعشق كرة القدم"، التي تسلط الضوء على المواقف الإنسانية الملهمة في عالم الساحرة المستديرة.
بدأت القصة عندما تلقى الطبال رسالة عبر منصات التواصل الاجتماعي من أسرة طفل يعاني مرضًا خطيرًا أجبره على قضاء فترات طويلة داخل المستشفى بعيدًا عن حياته الطبيعية.
لم تحمل الرسالة طلبًا تقليديًا يتعلق بالحصول على قميص أو توقيع، بل تضمنت كلمات مؤثرة تكشف مدى تعلق الطفل باللاعب ومتابعته المستمرة لمباريات السويحلي رغم ظروفه الصحية الصعبة.
كان الصغير يقضي ساعات طويلة أمام شاشة التلفزيون يشاهد مباريات فريقه المفضل ويحلم بلقاء نجمه المحبوب ولو لمرة واحدة.
ماذا فعل نجم السويحلي الليبي؟عندما وصلت الرسالة إلى محمد الطبال، لم يتردد في اتخاذ خطوة استثنائية من أجل الطفل، حيث توجه اللاعب في اليوم التالي مباشرة إلى المستشفى بعيدًا عن الأضواء والكاميرات.
عندما دخل اللاعب غرفة الطفل، لم يتمكن الصغير من إخفاء مشاعره، إذ غلبته الدموع بعدما وجد اللاعب الذي طالما شاهده في المباريات يقف أمامه ويتحدث معه عن قرب.
أمضى الطبال وقتًا طويلًا إلى جانب الطفل، تبادلا الحديث عن كرة القدم والأحلام والطموحات، كما حرص على بث روح التفاؤل داخله، مؤكدًا له أهمية التمسك بالأمل ومواصلة مقاومة المرض، وقبل مغادرته، قدم له قميصه الشخصي موقّعًا باسمه، ووعده بإهداء هدفه المقبل له بطريقة خاصة.
مشهد مؤثر من الملعبوبالفعل، بعد أيام قليلة، سجل الطبال هدفًا مهمًا مع السويحلي وفي لحظة مؤثرة، توجه نحو الكاميرات ورفع قميصًا يحمل اسم الطفل، في مشهد انتشر بسرعة كبيرة بين الجماهير وأثار موجة واسعة من الإعجاب والتفاعل.
ولم تتوقف القصة عند هذا الحد، إذ شهدت حالة الطفل الصحية تحسنًا ملحوظًا خلال الأسابيع التالية، وأكد والده أن زيارة اللاعب كان لها أثر نفسي كبير، حيث منحت ابنه قوة إضافية وإصرارًا على مواجهة المرض.
واستمر الطبال في متابعة حالة الطفل والتواصل مع أسرته بشكل دائم، إلى أن جاء اليوم الذي غادر فيه المستشفى، وكانت المفاجأة أن اللاعب استقبله داخل ملعب السويحلي وسط تصفيق الجماهير، في مشهد جسد المعنى الحقيقي لتأثير الرياضة.