في هذا التوقيت الملبّد بالغيوم، إذ تختلط الشائعة بالرصاصة، فتحدث دوياً، وتهدأ المدافع قليلاً لتنطلق مسيّرات الحرب النفسية، لا يبدو غريباً أن يُستهدف الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، وهو شيء متوقع في مثل هذه الحروب، والمؤكد أنه إذا عجز العدو عن كسر القائد في الميدان، وقد عجز بالفعل، يحاول جاهداً وبشتى السبل، اغتياله معنوياً، أو دفع الناس للشك فيه، أو الترويج لإبعاده، لأن بقاءه في موقعه يعني بقاء العقدة في حلق المشروع المُعادي.

ما رشح عن إعفاء نائب القائد العام، أو حل مجلس السيادة، لا يمكن فصله عن حملة منظمة تريد ضرب المكوّن العسكري المتماسك، والقوى الوطنية التي تسند ظهره، وتبحث – بقصد أو بغير قصد – عن خدمة أجندة العدو، عبر إرباك الداخل، وتغذية أوهام الخلاف، وتسويق سيناريوهات “التفكيك الناعم” من داخل منابع السلطة نفسها.

لكن الذين يراهنون على ذلك، يراهنون على السراب الخدّاع، ولا يعرفون طبيعة العلاقة، والقسم المشترك بين القيادة العسكرية والأمنية، جميعهم على قلب رجل واحد، وإن بدأ الأمر غير ذلك.
بلا شك فإن شمس الدين كباشي ليس اسماً عابراً في هذه الحرب، ولا رتبةً معلّقة على الكتف، أو جاءت به الصدفة، هو واحد من أبطال معركة الكرامة، وقف منذ اليوم الأول ضد الاتفاق الإطاري، مشروع فولكر وزبانيته، وضد محاولات آل دقلو الهيمنة على الدولة، وضد كل مخططات الانقلاب المتسلق، على السودان، وكان واضحاً، صريحاً، ومباشراً، وشجاعاً بلا مواربة، إلى درجة أن حميدتي طلب من البرهان صراحةً إعفائه من الخدمة، أي كباشي، ضمن مجموعة من الضباط الذين شعر بأنهم حجر عثرة في طريق مشروعه الخبيث لابتلاع الدولة.

ولذلك، لم يكن غريباً أن يتحول كباشي إلى “كابوس” في حسابات المليشيا وحلفائها، فهو قائد متحركات تحرير الجزيرة وكردفان، مقاتل صلب، شهد أيام الحصار الأولى داخل القيادة العامة، وعايش لحظات الانفتاح على الأرض، وكان حاضراً في معركة التحرير، بالبيان والعمل، يعرف حجم التآمر، ويعرف من يقف خلفه، وكيف يتعامل معه، ويعرف أن هذه الحرب ليست مجرد تمرّد مسلح، بل مشروع تخريب شامل، إن شئت يمكنك القول تقسيم، تتقاطع فيه المصالح الخارجية مع الخيانة الداخلية.
ومن هنا تحديداً، يمكن فهم موجات الشائعات المتكررة والمتلاطمة، أحياناً عن مرضه وغيابه، وأحياناً عن إعفائه، وفي أحايين أخرى خلافات داخل مجلس السيادة، كلها محاولات يائسة لقياس رد الفعل، وبث الإحباط، وضرب الثقة بين القيادة والشارع، لكن الوقائع، دائماً، ظلت تقود إلى نتيجة واحدة ” لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”

أي حديث عن خلافات بين أعضاء مجلس السيادة، أو داخل القيادة العسكرية، محض أمنيات، الاستثمار في هذه الأوهام نهايته قبض ريح، لأن المؤسسة العسكرية – رغم كل الضغوط والتأمر – أظهرت في حرب الكرامة درجة عالية من التماسك والمهنية والوطنية، أساسها إدراك مشترك بأن سقوط الجيش يعني سقوط الدولة نفسها، فهو النواة الصلبة لها.
ثم إن الذين يلوّحون بحل مجلس السيادة، أو الإبقاء على رئيس واحد، يتجاهلون – عمداً أو جهلاً – أن شرعية المرحلة قائمة على اتفاقات واضحة، في مقدمتها اتفاق جوبا، أو ربما أن الوقت غير ملائم لهذه المغامرة، كما أن العبث بهذه المعادلة يعني فتح جروح جديدة في جسد وطن لم يعد يحتمل جرحاً إضافياً، إما أن تستمر التشكيلة الحالية حتى نهاية الفترة الانتقالية، وتسليم السلطة لحكومة منتخبة بعد الانتصار على المليشيا، أو يذهب الجميع بلا استثناء، أما الانتقاء، فهو وصفة للفوضى، وليس للحكم.

البرهان وشمس الدين كباشي، وياسر العطا، وإبراهيم جابر، لم يكونوا زينة في مجلس السيادة، بل صناع مرحلة، وشهود دم ونار. وإلى جوارهم وقف آخرون، مدنيون وعسكريون، تحملوا تبعات الحرب على قدم المساواة، هؤلاء لم يجتمعوا على طموح سلطة، بل على ضرورة إنقاذ دولة من السقوط.

ولعل أكثر ما يغيظ العدو في كباشي، ليس فقط صلابته العسكرية، بل كاريزما القيادة التي تجمع بين الإنصات والحسم، وبين القرار الصعب والحضور الإنساني، حضوره في قلب الخرطوم وهي تحت سيطرة المليشيا، وتنقله بين الجبهات، من جبل موية إلى المناقل وشمال كردفان، ثم موقفه الحاسم في ملف جنوب كردفان وكسر الحصار عن كادقلي، كلها شواهد على قائد ويدير من وراء خطوط النار، لهذا كله، يكفي الفريق شمس الدين كباشي شرفاً، أنه عدوٌّ للخونة.

عزمي عبد الرازق

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/06 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة ينظرون لما قدمه السودان نظرة زهو وتقدير لمنتخب تغلّب على كل الظروف2026/01/06 فلتذهب الشرعية الدولية إلى الجحيم !!2026/01/06 إبراهيم شقلاوي يكتب: أصدقاء السودان والاستجابة الإنسانية2026/01/06 الكربلائية السودانية في الذكرى السبعين2026/01/06 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (وما يجري…)2026/01/05 د. حسن محمد صالح يكتب: علي الحاج – دقلو2026/01/05شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات السودان في عيده السبعين بحاجة لبعض الإنصاف وقليل من جلد الذات! 2026/01/05

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: شمس الدین کباشی مجلس السیادة

إقرأ أيضاً:

في خطوة رمزية.. مجلس النواب الأمريكي يصوت لوقف حرب إيران

واشنطن - صفا

أيد مجلس النواب الأمريكي، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، يوم الخميس تشريعاً يوجه الرئيس "دونالد ترامب"، بوقف ​أي عمل عسكري أمريكي ضد إيران، في أحدث ‌انتقاد رمزي من الكونجرس للرئيس الجمهوري.

وجاءت نتيجة التصويت بواقع 214 صوتاً مقابل 208 لصالح قرار صلاحيات الحرب بعد انضمام أربعة جمهوريين إلى ​الديمقراطيين في التصويت لصالحه.

ويوجه القرار، الذي قدمته النائبة الديمقراطية ​براميلا جايابال، ترامب "إلى وقف استخدام القوات المسلحة الأمريكية ⁠في الأعمال القتالية" ضد إيران ما لم يصرح الكونجرس بذلك. ​لكن هذه الخطوة رمزية إلى حد كبير، إذ أقر المشرعون ​قرارات مماثلة مرارا في الشهور القليلة الماضية ولم تؤد إلى وقف الحرب.

والجمهوريون الأربعة الذين صوتوا لصالح القرار هم توم باريت من ميشيجان، وبريان فيتسباتريك ​من بنسلفانيا، ووارن ديفيدسون من أوهايو، وتوماس ماسي من ​كنتاكي.

ويتمتع الجمهوريون الموالون لترامب بأغلبية ضئيلة في مجلسي النواب والشيوخ.

ومن المقرر أن ‌يصوت ⁠مجلس الشيوخ على قرار منفصل لكنه مشابه في وقت لاحق من اليوم الخميس.

ويأتي هذا التصويت، بعدما أعلن ترامب تكثيف الهجمات على إيران ومقتل المزيد من أفراد القوات المسلحة الأمريكية.

​وتوعد ترامب اليوم  "بعقاب عسكري ⁠كبير" لإيران وحلفائها الحوثيين، بعد استهداف الحركة اليمنية ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، مما ​وسع نطاق الحرب في الشرق الأوسط ليشمل ​ممراً ملاحياً ⁠رئيسياً ثانياً.

كما شن الجيش الأمريكي جولة أخرى من الغارات الجوية على إيران ليلاً، مما دفع طهران إلى إطلاق النار على ⁠قواعد ​أمريكية في دول مجاورة لها، وذلك ​بعد مرور أسبوعين على الانهيار الفعلي للهدنة المؤقتة، التي كان من المفترض أن ​تنهي الحرب

مقالات مشابهة

  • إيران تتحدى الضغوط.. إعادة بناء المواقع العسكرية وتصعيد أمريكي يفتحان فصلاً جديدا من المواجهة
  • أمريكا تواصل ضرباتها ضد إيران.. القيادة المركزية تعلن تنفيذ الليلة الـ13 من العمليات العسكرية
  • في خطوة رمزية.. مجلس النواب الأمريكي يصوت لوقف حرب إيران
  • كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
  • نضال (أب تفة) أم لحية رجل الدين؟
  • الكتلة الديمقراطية: البرهان يتمسك بمسارين للحل ويؤكد استمرار العمليات العسكرية
  • تسريب يفتح باب التساؤلات حول صراع داخل القيادة الإيرانية في لحظة حرجة
  • مجلس النواب الأمريكي يصوت على وقف الحرب مع إيران
  • النواب الأمريكي يوافق على قرار لإنهاء الحرب في إيران
  • بعد 5 أشهر من القصف.. لماذا لا تزال صواريخ إيران تشكل تهديدا؟