مع بداية هذه السنة، تبدأ عجلة التاريخ في الدوران باتجاه عكس عقارب الساعة. هذا على الأقل ما يمكن أن يخرج به أي مواطن عادي، من دون تحليل ولا تمحيص ولا حتى فلسفة تاريخ.
عالميا، العالم يتغير نتيجة تغيير الولايات المتحدة لعقيدتها الأمنية، ويتغير أيضا نتيجة لتهور ساسة ضعاف في الغرب، يدفعون باتجاه عسكرة العالم والاقتصاد والتحضير للحرب.
هذا فيما تتوالى التهديدات في كل الاتجاهات ضد عواصم ودول لم ترغب أو ترفض اليوم الانصياع لقانون القوة الوحيدة في العالم التي تتصرَّف خارج القانون الدولي بشكل غير مسبوق، إلا في حالات نادرة، كما حدث مع رئيس بنما.
تغييرُ الولايات المتحدة لعقيدتها الأمنية، مع ترمب، بدت شكليًّا في تغيير اسم ولقب البنتاغون، وتغيير وزارة الدفاع من الدفاع إلى الهجوم، وصارت تسمى “وزارة الحرب”، وأعلنت أنها ستخوض “الحروب من أجل تحقيق السلام”.
هذه المعادلة المتناقضة، بدأتها في غزة ولبنان واليمن وسوريا، استكمالا لما دشَّنه ديك تشيني وبوش الابن قبل ثلاثة عقود في العراق: النفط هو العنوان الضمني لكل حروب الولايات المتحدة، منذ سقوط حكومة الشاه في إيران ولإطاحة بمصدَّق، ثم الإطاحة بكل الأنظمة “الشمولية” و”غير الديمقراطية” و”الاستبدادية” كما سمَّتها الآلة الإعلامية الحربية الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: تركّز التدخل أولا في المحيط القريب، في دول أمريكا اللاتينية وحطمت كل البؤر اليسارية تقريبا فيها ولم يبق إلا بعضها، التي سرعان ما أسقِطت، ولكنها عادت لتحيا من جديد.
الأنظمة قد تزول بزوال قدرتها على المضيِّ في السلطة نتيجة استعمال القوة الغاشمة أو الحصار الاقتصادي والتجويع لدفع الشعب إلى التظاهر وإسقاط الأنظمة من الداخل، كما فعلت وتفعل الولايات المتحدة إلى اليوم، ولكن اليسار ورفض العمالة للغرب وللرأسمالية العالمية والاستعمار، هو نهجٌ تاريخي لا يمكن قتله ولا دفنه، وعلى العكس تماما، كلما جُزَّ العشب والشجر زادت الفروع في البروز والنماء: العدالة العرجاء وتقوية الغني على حساب الفقير وتغذية الفوارق الطبقية هي التي تعيد الكرَّة من جديد إلى الواجهة وتُبقي وهج النهج اليساري متقدا، على الرغم من تراجع هذا التيار الذي بدأ، اسما على الأقل، من كمونة باريس والثورة الفرنسية، كتيار ثائر رافض للوضع القائم مطالب بالتغيير.
لن يكون أحدٌ بمنأى عما جرى في فنزويلا، بل وسيعطي هذا “الحق” الباطل، الذرائع لكل القوى العالمية الأخرى
العالمُ يتجه إلى صراع قد يكون مدمرا وغير مسبوق، ويبدأ العالم في التآكل على حساب ضوابط القانون الدولي والأعراف الدولية، ويصبح النزوع للقوة، والردع نزعة وجودية للدول والأنظمة، ويعاد تاريخ السِّباق نحو التسلح وسياسة التحالفات والتحالفات المضادة، ويبدأ العالم في الانحدار التصادمي الذي سيقضي على كل أمل عالمي في السلم والعدل والمساواة أمام القانون: هذه القاعدة التي تأسست عقب نهاية حقبة “عصبة الأمم”، المنبثقة أصلا عن حربين عالميتين فجَّرهما الغرب ضد الغرب، رغم أنه هو من نادى أصلا خلال قرن الأنوار بعكس ذلك.
لن يكون أحدٌ بمنأى عما جرى في فنزويلا، بل وسيعطي هذا “الحق” الباطل، الذرائع لكل القوى العالمية الأخرى، سواء تلك المتغطرسة المحتلة، كما هو الشأن مع الكيان، أم مع قوى عالمية نووية، كروسيا والصين، أم حتى دول ومحميات اقتصادية أو دويلات، للخروج عن القواعد، مادامت القوة العظمى قد سنَّتها وحللتها على نفسها ولو حرَّمتها على الآخرين، فهذا لن يُبقي الجميع صامتين، مما يمهِّد لحالة فوضى لا يمكن التحكُّمُ فيها حتى ولو تدخَّلت القوى العظمى لمنع انتشار عدوى الاعتداءات والاحتلال وفرض القواعد خارج الأعراف والعودة إلى قواعد ما قبل الميلاد.
الشروق الجزائرية
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه فنزويلا فنزويلا مادورو المجتمع الدولي ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة رياضة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة
إقرأ أيضاً:
رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة
ذكرت وكالة رويترز، منذ قليل، بإن إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة، موضحة أن طهران تقول إنها لم تتواصل مع واشنطن خلال الأيام القليلة الماضية، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.