فى لحظات الاضطراب الكبرى، لا أبحث عن الإجابة فى النشرات الإخبارية ، بل فى الكتب. وفنزويلا، بالنسبة لى، ليست مجرد دولة تمر بكارثة سياسة، بل تجربة ثقافية عرفت منها أن السياسة قد تُربك المشهد، لكنها لا تُلغى الذاكرة.
لذلك ؛ فأنا لم أستقبل ما يحدث الآن فى فنزويلا بوصفه خبرًا عابرًا، ولا كمشهد سياسى بعيد عنا جغرافيًا، بل بوصفه 
ارتدادًا لذكرى قريبة، لم تجفّ بعد.

أتذكر جيدًا كيف دخلت جناح فنزويلا فى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى عام٢٠٢٤.  وكأننى أعبر قارة كاملة لا دولة واحدة. فاللغة الإسبانية لم تكن حاجزًا، بل موسيقى، والأسماء على أغلفة الكتب بدت مألوفة على نحو غامض، كأن بينها وبين التجربة العربية صلة دم لا صلة ترجمة فقط. شعرت أننى أمام ثقافة تشبهنا؛ عاشت الاستعمار ، قاومت الهيمنة، دفعت أثمانًا باهظة للحلم، ثم وجدت نفسها دائمًا فى منطقة التوتر بين العدالة والسلطة.
واليوم، حين أتابع المشهد السياسى الفنزويلى المشتعل، لا أستطيع فصله عن ذلك الإرث الثقافى. فالسياسة هناك لا تنفصل عن أدب المقاومة، عن الشعر الذى كُتب فى السجون، وعن الروايات التى جعلت من الفقر والاغتراب -لبلد يرقد على ربع ثروات العالم- مرثية سردية  . فنزويلا، كما عرفتها ثقافيًا، بلد لم يتعامل يومًا مع أزماته بوصفها طارئة، بل بوصفها قدرًا تاريخيًا يجب أن يُروى.
ففى عام ٢٠٢٤، لم أدخل جناح فنزويلا فى معرض القاهرة الدولى للكتاب  بدافع الفضول وحده، بل كنت مدفوعة بسؤال ظل يلحّ علىّ؛ كيف تتنفس الثقافة فى بلدٍ تحاصره  أطماع السياسة والاقتصاد من كل الجهات؟
لم يكن الجناح وقتها صاخبًا، ولا متكلفًا فى حضوره. كان هادئًا على نحو لافت، كأن من يقف خلفه يعرف أن الاستعراض لا وقت له، وأن البقاء أحيانًا يحتاج إلى نبرة محددة وواثقة. منذ اللحظة الأولى، شعرت أننى لا أقف أمام جناح دولة فى معرض للكتب، بل أمام محاولة واعية للصمود الصعب. 
فالكتب المعروضة لم تكن كثيرة، لكنها بدت منتقاة بعناية لافتة؛ تاريخ، صحافة، فكر، وسرد يلامس الواقع دون أن يصرّح به.
فى قلب هذا الجناح، كان يبرز اسم أرنستو فييجاس.
هو وزير الثقافة الفنزويلى، نعم؛ لكن حضوره فى الجناح لم يكن حضورَ مسؤوٍل بقدر ما كان حضور كاتب وصحفى يعرف خطورة اللحظة.
وجود كتابه داخل الجناح لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل رسالة شديدة اللهجة؛ أن تكون وزير ثقافة فى فنزويلا فى ذلك الوقت وحتى اللحظة الراهنة، يعنى أن تقف على خط تماس بين الدولة والشعب ، بين الخطاب الرسمى والوعى الجمعى، بين السياسة والذاكرة.
"ففييجاس" لم يتعامل مع الثقافة باعتبارها واجهة، بل باعتبارها الجدار الأخير الذى يمكن لبلده أن يستند إليه دون أن تسقط. هو هنا لا يطل على العالم باعتباره بطلًا فرديًا، بل علامة على مرحلة، وعلى محاولة واعية لتحويل الثقافة من هامش إلى درع. ففى أزمنة الأزمات، يجب ألا تبحث الدول عن حلول كاملة، بل عن جدار واحد لا ينهار.وفى فنزويلا، يبدو أن هذا الجدار هو الثقافة.
وفى القاهرة، داخل جناح متواضع فى المساحة، عميق فى الدلالة، رأيت هذا الجدار واقفًا، لا يطلب تعاطفًا، بل فهمًا. 
ما يحدث سياسيًا فى فنزويلا معروف عالميًا، ولا يحتاج إلى إعادة سرد.لكن ما لا يُلتفت إليه كثيرًا هو أن الثقافة هناك تحوّلت إلى مساحةدفاع أخيرة؛ فالكتابة بدل الهتاف،
المسرح بدل الصدام،والكتاب بدل الخطاب الممنوع.
لذلك فالمشاركة فى معرض القاهرة، بهذا الهدوء المدروس، بدت لى فعلًا ثقافيًا محسوبًا، يقول شعب فنزويلا من خلاله للعالم: "نحن هنا، لا لنشرح أزمتنا، بل لنؤكد أننا لم نفقد وجودنا بعد. 
صحيح؛ لم تكن مصر محور الحكاية داخل الجناح الفنزويلى يومها، لكنها كانت حاضرة بوصفها مرآة ثقافية.
وبلد يعرف جيدًا معنى أن تكون الثقافة أقدم من السياسة، وأبقى من الأنظمة.
خرجت من جناح فنزويلا وقتها ، وأنا على يقين أن ما رأيته لم يكن مشاركة ثقافية تقليدية، بل بيانًا غير مكتوب.
بيان يقول إن الدولة قد تضعف، والاقتصاد قد يُنهك، والخطاب السياسى قد يَفرغ من معناه، لكن الثقافة —إن وُجد من يحرسها — تظل قادرة على حمل الذاكرة والهوية معًا.
فالإشارات العابرة للقارات للتعاون الثقافى بين مصر وفنزويلا، ثم استضافة مصر لاحقًا كضيف شرف فى معرض فنزويلا الدولى للكتاب فى ٢٠٢٥، لم تأتِ باعتبارها إنجازًا احتفاليًا، بل كامتداد طبيعى لفكرة أعمق؛ وهى أن الثقافة وحدها قادرة على بناء جسور حين تضيق المسارات الأخرى. 
لذلك لايمكننى ان أتجاوز ان فنزويلا هى الدولة الأجنبية الوحيدة، خارج العالم العربى، التى استضافت مصر كضيف شرف فى معرضها للكتاب. وعلينا أن نعى قيمة أن يأتى ذلك بعد سنوات طويلة من الغياب المصرى عن مسند “ضيف الشرف” فى معارض الكتب الدولية، رغم حجم مصر التاريخى والثقافى الذى أثق أن العالم يدركه جيدًا.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: فنزويلا وزير الثقافة الفنزويلي أزمة فنزويلا مادورو فى فنزویلا فى معرض لم یکن

إقرأ أيضاً:

الناشرين العرب : معرض مكتبة الإسكندرية يعد موسمًا ثقافيًا متكاملًا

 أكد رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد، أن معرض مكتبة الإسكندرية الدولي الكتاب يعد موسمًا ثقافيًا متكاملًا يلتقي خلاله الناشرون والمفكرون والكتاب والقراء في حوار مفتوح حول قضايا الفكر والإبداع والتنمية، مضيفا أن هذا النموذج هو ما تحتاج إليه المجتمعات العربية في ظل ما يشهده العالم من تحولات معرفية وتكنولوجية متسارعة.


وأكمل - في تصريحات خاصة لوكالة أنباء الشرق الأوسط- أنه يعد أحد أهم المعارض الثقافية في المنطقة العربية، مشيرًا إلى أنه يحظى بمكانة خاصة لديه، باعتباره أحد المشاركين في تأسيسه منذ انطلاقته، عندما كان يشغل منصب نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين، في إطار التعاون الوثيق بين الاتحاد ومكتبة الإسكندرية.

وقال رشاد، إن المعرض نجح على مدار سنواته في ترسيخ مكانته كواحد من أبرز المنصات الثقافية العربية، حتى أصبح ضمن قائمة المعارض المعتمدة لدى اتحاد الناشرين العرب، وهو ما يعكس مكانته المهنية والثقافية، والثقة التي يحظى بها بين الناشرين والمؤسسات الثقافية في العالم العربي.

وأوضح أن مدينة الإسكندرية تمتلك خصوصية ثقافية وحضارية فريدة، فهي مدينة ارتبط اسمها عبر التاريخ بالعلم والمعرفة والفلسفة، ولا تزال تحتفظ بجمهور قارئ يتميز بالوعي والاهتمام بالكتاب، وهو ما يجعل المشاركة في معرضها هدفًا يحرص عليه الناشرون من مختلف الدول العربية.

وأشار إلى أن الإقبال الكبير من دور النشر للمشاركة في الدورة الحالية يعكس المكانة المتنامية للمعرض، لافتًا إلى أن عددًا كبيرًا من دور النشر تقدمت بطلبات للمشاركة، إلا أن الطاقة الاستيعابية الحالية حالت دون مشاركة الجميع، معربًا عن أمله في التوسع مستقبلًا بما يسمح باستقبال المزيد من الناشرين المصريين والعرب.

وأكد رشاد أن مكتبة الإسكندرية تمثل صرحًا ثقافيًا عالميًا ومنارة للمعرفة الإنسانية، استطاعت أن تستعيد الرسالة التاريخية للمكتبة القديمة، وأن تقدم نموذجًا معاصرًا يجمع بين الحفاظ على التراث والانفتاح على أحدث ما أنتجه الفكر الإنساني.

وأضاف أن المكانة الدولية التي تحظى بها مكتبة الإسكندرية تتجسد في طبيعة مجلس أمنائها، الذي يضم شخصيات دولية وعربية بارزة، بما يعكس التقدير العالمي للدور الذي تقوم به في دعم الثقافة والبحث العلمي والحوار بين الحضارات، مؤكدًا أن المكتبة أصبحت إحدى أهم المؤسسات الثقافية التي تمثل القوة الناعمة المصرية على المستويين العربي والدولي.

وقال إن إقامة معرض دولي للكتاب داخل مكتبة الإسكندرية تضفي عليه قيمة استثنائية، لأن الزائر لا يأتي إلى معرض للكتاب فحسب، وإنما يدخل إلى فضاء معرفي متكامل يحتضن الكتب والمخطوطات والمتاحف ومراكز البحث والأنشطة الفكرية، وهو ما يمنح المعرض طابعًا حضاريًا يميزه عن كثير من المعارض الأخرى.

وشدد رئيس اتحاد الناشرين العرب على أن الكتاب سيظل الركيزة الأساسية لصناعة الوعي الإنساني، مهما شهد العالم من تطور في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، مؤكدًا أن المعرفة الرصينة تبدأ من الكتاب، وأن المجتمعات التي تحافظ على القراءة وتشجع النشر هي الأكثر قدرة على مواجهة التطرف والشائعات وخطابات الكراهية وبناء أجيال تمتلك الوعي والنقد والإبداع.

وأضاف أن صناعة النشر ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي رسالة حضارية تسهم في حماية الهوية الوطنية، والحفاظ على اللغة العربية، وتعزيز قيم التسامح والانفتاح، ونقل الخبرات والمعارف بين الشعوب، مؤكدًا أن الناشرين العرب يؤدون دورًا محوريًا في دعم التنمية الثقافية وبناء الإنسان العربي.

وأكد أن مكتبة الإسكندرية ستظل رمزًا للإشعاع الثقافي والفكري في مصر والعالم العربي، وأن معرضها الدولي للكتاب أصبح موعدًا سنويًا ينتظره المثقفون والناشرون والقراء، لما يقدمه من نموذج يجمع بين المعرفة والإبداع والحوار، ويؤكد أن الثقافة تظل الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأمم، وأن الكتاب سيبقى الوعاء الأهم لحفظ الذاكرة الإنسانية وصناعة المستقبل.

طباعة شارك رئيس الناشرون المفكرون قضايا

مقالات مشابهة

  • الغزالي يتحدى الحوثيين حتى الرمق الأخير.. حوّل منزله إلى فخ لعناصر المليشيا وأوقع عشرة قتلى وجرحى في صفوفها
  • 25 دار نشر ومكتبة يفتتحون معرض خريف ظفار للكتاب
  • 25 دارنشر ومكتبة يفتتحون معرض خريف ظفار للكتاب
  • بعد محطة الفضاء الدولية.. هل تحاول الصين أن تصبح الميناء الفضائي الجديد للعالم؟
  • افتتاح جناح السفارات في مهرجان جرش بمشاركة 9 دول عربية وأجنبية
  • بعد أداء صلاة الجنازة.. الوداع الأخير لأربعة من أبناء الفيوم ضحايا لقمة العيش بالسعودية
  • “قضاء أبوظبي” تعرض إنتاج الرطب بمراكز الإصلاح في مهرجان ليوا 2026
  • الناشرين العرب : معرض مكتبة الإسكندرية يعد موسمًا ثقافيًا متكاملًا
  • وزير الثقافة يفتتح جناح السفارات بمهرجان جرش الثقافي
  • “الأمل الأخير”.. نجوم ألعاب القوى الروسية يعلقون على معركة العودة إلى الساحة الدولية