كل ما نريده هو أن نتعلم.. أطفال غزة يكبرون بلا مدارس
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
بينما يعود الأطفال حول العالم إلى مدارسهم، يبقى أطفال غزة ينتظرون إعادة بناء مدارسهم وترميم فصولهم الدراسية، بعد تدمير إسرائيل الواسع للمدارس والبنية التحتية والنزوح الجماعي لمئات الآلاف من العائلات.
وقد رصدت إسراء سمير من غزة، هذا الواقع لصحيفة إندبندنت، منطلقة من قصة الطفل حسن السرافندي الذي كان، وهو في السادسة من عمره، يعيش حياة سعيدة مع عائلته في منزل جميل في رفح، ويتشوق إلى بدء الصف الأول الابتدائي ليتعلم الحروف الأبجدية.
لكن السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 هذه المرة غيّر كل شيء -حسب الصحيفة- إذ دمرت الغارات الجوية والعمليات البرية الإسرائيلية أحياءً كاملة من القطاع، وأجبرت مئات الآلاف من العائلات على النزوح من منازلها، وحوّلت المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية إلى خراب.
وبين عشية وضحاها تحول عالم حسن إلى حياة من النزوح والخوف، وها هو بعد أكثر من عامين، في الصف الثالث، ولكنه لا يزال غير قادر على القراءة والكتابة بشكل سليم، تقول والدته هبة (34 عاما) "نحن تحت ضغط هائل، لا نجد وقتا لتدريسه"، وتضيف "هذا يكسر قلبي. حسن خسر سنوات لا يمكن تعويضها".
ضياع جيل كاملوتعكس قصة الطفل حسن السرافندي، الذي لم يتقن القراءة والكتابة رغم بلوغه الصف الثالث، واقع جيل كامل من أطفال غزة نشأ في الخيام، مثقلا بالخوف والجوع والمسؤوليات اليومية بدل الجلوس في الفصول الدراسية، كما تقول كاتبة التقرير.
وأشارت الكاتبة إلى أن أطفال غزة يعانون من انهيار شبه كامل في حقهم بالتعليم، وأن أكثر من 650 ألف طالب حرموا من الالتحاق بالمدارس، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن نحو 95% من المنشآت التعليمية دمرت أو تضررت، مما جعل هذا العام هو الثالث على التوالي الذي يمر على أطفال غزة دون تعليم نظامي.
إعلانوقد عمقت عوامل النزوح وانعدام الموارد التعليمية، والجوع وسوء التغذية، الفجوة التعليمية -حسب الكاتبة- وأثرت على النمو المعرفي والنفسي للأطفال، وسط تحذيرات أممية من ضياع جيل كامل وتأخر التعليم لما يصل إلى 5 سنوات أو أكثر.
وفي محاولة لسد هذا الفراغ، ظهرت مبادرات فردية مثل الخيام التعليمية التي أسستها الشابة أوهود نصار في غرب غزة، والتي وفرت مساحات تعليمية مؤقتة للأطفال المتضررين، رغم المخاطر الأمنية ونقص التمويل.
وبعد وقف إطلاق النار، حوّلت أوهود خيمة إيواء قرب منزلها إلى مساحة تعليمية، واستقبلت نحو 100 طالب من الصف الأول حتى السابع، وتقول "في البداية توقعت أن يكون التدريس مشابها لتجربتي في غرب غزة، لكنني أدركت سريعا أنه مختلف تماما، لأن معظم الطلاب شهدوا صدمات قاسية، وكثير منهم أيتام فقدوا أحد الوالدين أو كليهما".
أزمة شاملةورغم الاعتراف الرسمي ببعض هذه المبادرات، فإنها لا تزال تعتمد على العمل التطوعي والتبرعات المحدودة، في ظل حصول قطاع التعليم على أقل من 15% من التمويل الإنساني المطلوب، كما يقول تقرير الصحيفة.
ولا تقتصر الأزمة على الأطفال -حسب التقرير- بل تشمل طلاب الجامعات أيضا، مثل مريم مشتهى التي واصلت تعليمها الجامعي عبر الإنترنت وسط النزوح، وضعف الكهرباء وتقطع الإنترنت، وصعوبات المواصلات، مؤكدة أن التمسك بالتعليم أصبح شكلا من أشكال الصمود.
تقول مريم "آمل أن يرى العالم أخيرا التعليم هنا كأولوية، لا كأمر ثانوي. نحن بحاجة إلى دعم حقيقي، وإعادة بناء المدارس واستعادة الجامعات، وتوفير الكتب والمعلمين ومكان آمن للتعلم. نريد فرصة لبناء مستقبلنا. إذا ساعدنا العالم على ذلك، فربما يكون ذلك بداية لشيء أفضل".
وختمت الصحيفة بأن الضرر الذي يعاني منه الأطفال لا يقتصر على الجانب التعليمي، بل هو نفسي بعمق، حيث وجد تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن أطفال غزة يعانون من أعراض صدمة شديدة، بما في ذلك القلق واضطرابات النوم والانسحاب الاجتماعي، وكلها تعيق قدرتهم على التعلم، وبالتالي تهدد مستقبلهم على المدى الطويل.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات أطفال غزة
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.