سباق «هِمم الجبلي»..رحلة بين الجبال تسرد تاريخ عُمان وثقافتها
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
كتبت- رهام بنت ناصر القصابية -
جبال الحجر ليست مجرد تضاريس صخرية تحدد الجغرافيا، بل شاهد على تاريخ طويل من المقاومة والتحدي، بين صخورها تشكلت طرقات حيوية، جُسّدت بخطى الأجداد الذين تركوا بصماتهم، مبتكرين مسارات لم ترسم في الخرائط، بل صقلها الزمان والجهود البشرية.
وتخترق مسارات «سباق همم الجبلي» المدرجات الزراعية، وتحاذي الأفلاج والبيوت الطينية، وصولاً إلى خط النهاية في بيت الرديدة ببركة الموز، ليصبح كل مشارك سفيرًا لثقافة الترحيب العُمانية الأصيلة، حيث تنصهر التقليدية مع الحداثة في تجربة رياضية فريدة.
مسارات في عمق التاريخ
لم تكن مسارات «همم» مجرد خطوطٍ مرسومة بعناية فنية خضعت لمعايير دقيقة، من حيث السلامة والتنوع والتجربة البصرية، بل كانت أيضاً عملية إحياء لممراتٍ ودروبٍ كاد النسيان أن يطمس معالمها.
يقول محمد الريامي- المسؤول عن سباق همم: « نحن لم نبتكر طرقاً جديدة، بل تتبعنا أثر الأجداد الأوليين، لقد أعدنا صيانة وترميم مساراتٍ قديمة كانت قد اندثرت لتصبح صالحة للجري، وهذه الصيانة لم تخدم السباق فقط، بل أعادت للأهالي والمهتمين مسارات للمشي كانت مفقودة، فلم يكن الهدف رياضياً فحسب، بل كان إحياءً لهذه الممرات القديمة لتظل نابضة بالحياة، وشاهداً على أثرية المكان وعبقه». موضحا أن الأمر استمر شهوراً متواصلة لإعادة تهيئة المسرات، فقد عملت فرقنا الميدانية على وضع بعض الجسور ورصف ممراتٍ ضيقة، ووضع العلامات، وحواجز الحماية، ليتمكن العداء من تتبع ذات الأثر الذي مشى عليه أسلافنا، محولين طريق المشقة القديم إلى مسارٍ عالمي آمن للمغامرة والاستكشاف.
وأكد الريامي أن عبور العدائين وسط هذه المسارات التي صُممت بعناية لتخترق أعماق التراث وقسوة التضاريس - لم يكن عشوائياً، بل يهدف إلى جعل التاريخ جزءاً من التحدي البدني، فمنهم من خاض مسار « الحجر ألترا» انطلاقاً من ولاية الحمراء مروراً ببيوتها الطينية الصامدة، عابرين أوديتها العميقة، مواجهين منحدرات حادة صعدوا خلالها لارتفاعات شاهقه لساعاتٍ طوال تختبر حدود صبرهم، في حين انطلق العداؤون في مسار العاصمة التاريخية من أمام قلعة نزوى الشامخة، حيث رائحة الحلوى الممزوجة برائحة القهوة كانت ترافقهم من بين حاراتها».
وأضاف زكريا الريامي أحد المنظمين: «استحدثنا هذا المسار، وكان تحدياً تنظيمياً في رسم مسار يمر من وسط السوق المكتظ والحارات المأهولة بمحاذاة الأفلاج والمعالم الأثرية، لكننا نجحنا في تأكيد أن سلطنة عُمان تمتلك بنية تحتية وتاريخية سياحية وقادرة على استضافة أضخم الفعاليات العالمية».
منظمون ومتطوعون
المسارات الجبلية في سباق «همم» بطبيعتها القاسية وتضاريسها الوعرة، لم تكن لتُفتح أمام العدائين لولا تلك الجهود التي بذلت لتذلل العقبات، فبمجرد أن رسم المسار، انطلق المبادرون والمتطوعون جميعاً من أبناء القرى في مشهدٍ يعيد للذاكرة حكايات الأجداد، والكرم العُماني، ويستذكر محمد الريامي أنه «حين استعصى الوصول للمنحدرات القاسية على أحدث المركبات، استعنا بـ»الحمير» لنقل صناديق المؤن والتغذية إلى قمم الجبال». وأضاف: « لقد تسلق الشباب الشعاب لساعات حاملين الإمدادات على أكتافهم لضمان أن يجد العدّاءُ قوتَه وماءه في أكثر النقاط عزلة».
وهكذا، لم يقطع العدّاؤون تلك المسارات بمفردهم، بل كانوا محاطين بدعمٍ قوي من الشباب المتطوعين وأهل القرى، فحوّلوا رحلة المشقة المتعبة إلى قصة نجاح مشتركة، ولقد برز الكرم والسماحة في أخلاق المتطوعين الذين لم يكتفوا بتأمين المسار وتمهيده، بل كانوا يستقبلون المتسابقين بابتسامةٍ تسبق شربة الماء، وبكلماتِ تشجيع تمنحهم طاقةً لا توفرها المكملات الغذائية. وهذا الدعم الصادق أذاب شعور الغربة لدى العدائين. وعبر أبطالها خط النهاية بانتصارات شخصية تفيض بالأمل.
وجوه وأصوات عاشت التحدي
بعيداً عن وهج الميداليات، هناك من عبر خط النهاية حاملاً في قلبه قضيةً أو رسالة أو حلماً حققه بانتصاره الشخصي.
رقيّة الحسنية، ليست مجرد رياضية وعداءة في سباق «همم»، بل معلمة وصانعة أجيال، رمز للأمل والإصرار فحياتها مليئة بالتحديات التي تشكلت فيها إرادتها الصلبة: كافحت عشرة أورام حميدة، منها ورم خبيث، صاحبه ربو وعصب صوتي واحد، فقدت والدها في سن مبكرة، فقدت أعز صديقاتها بنفس المرض. تقول رقيّة بصراحة: «لم أتوقع أن أعيش كمية الألم والحزن، لكن قررت أن أعيش كل يوم بيومه، وأفرح وأحقق كل شيء أحلم به» وتابعت: « السباق بالنسبة لي لم يكن مجرد اختبار جسدي، بل تجربة إنسانية عميقة لإعادة اكتشاف ذاتي وتحويل الألم إلى قوة».
عن شعورها خلال السباق تقول: «كنت أتابع الناس يركضون مثل الطيور الحرة، وكنت في سرير المستشفى أحلم أن أكون بينهم، وكل لحظة مؤلمة مرت عليّ صارت دافعًا لأكمل وأصبح رقية المحاربة، لحظات الصعود والنزول، وخصوصًا الصعدة، كانت أكثر التحديات التي اختبرت حدودها، لكنها وجدت في الطبيعة العُمانية دعمًا هائلًا كل صخرة أدوس عليها كانت تأخذ طاقة سلبية مني وتعطيني طاقة فرح».
تصف رقيّة مسار السباق بأنه تجربة شعورية وليست مجرد طريق، ففي كل سنة تتحدى نفسها لتكون أقوى ولتختم العام بإنجاز عظيم يفتخر به قلبها، ومن خلال هذه التجربة، كونت علاقات جديدة مع أشخاص إيجابيين، أكسبتها ثقة أكبر بنفسها وبقدرتها على مواجهة المستقبل، وتعلمت أن الخطوة الصغيرة اليوم يمكن أن تصنع فرقًا كبيرًا غدًا.
فالسباق بالنسبة لها ليس مجرد رياضة، بل رسالة ثقافية وسياحية تعكس روح عُمان. تقول:» سباق «همم» فرصة كبيرة جدًا لترويج سياحة سلطنة عُمان، الرياضيون يتابعهم ملايين الناس، والتنظيم رائع، والترحيب من الجميع يجعل الزائر يشعر بأن عُمان بلد الجميع، بلد الحب والطبيعة الخلابة».
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
التوابل ليست مجرد نكهات وفوائدها لصحة الجسم كبيرة
قال باحثون إن التوابل الشائعة في المطبخ، بدءا من القرفة والكركم وصولا إلى الفلفل الأسود والزعتر، قد تُقدّم فوائد تتجاوز مجرد إضافة النكهة، إذ يُمكن أن تؤثر على مستوى السكر في الدم، والالتهابات، ووظائف الدماغ، وحتى ميكروبيوم الأمعاء.
استعرض الباحثون الدراسات المنشورة، بحسب موقع "نيوز ميديكال" ولا سيما تلك التي أُجريت في مركز التغذية البشرية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، لدراسة تأثير التوابل والأعشاب على صحة الإنسان.
الأعشاب والتوابل
استُخدمت الأعشاب والتوابل في جميع أنحاء العالم لقرون، ومعظمها من دول البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وآسيا، ويعود تاريخها إلى مصر وروما القديمتين. تشمل استخداماتها الأساسية تحسين نكهة الطعام، والعمل كمواد حافظة، وتوفير فوائد طبية.
تُستخرج الأعشاب من الأوراق والزهور الطازجة، بينما تُستخرج التوابل من الجذور أو البذور أو اللحاء أو السيقان أو الثمار أو البراعم، وعادة ما تكون مجففة. تُضفي الأعشاب نكهاتٍ رقيقة ومنعشة، وغالبا ما تُضاف في نهاية الطهي أو تُستخدم نيئة. أما التوابل، فتتميز بنكهاتٍ أقوى وأكثر تركيزا، وتُستخدم في جميع مراحل الطهي، بالإضافة إلى استخدامها في التتبيلات والصلصات.
وتوصي العديد من الإرشادات الغذائية الوطنية باستخدام التوابل لتقليل استهلاك الصوديوم. فعلى سبيل المثال، يقترح نظام داش الغذائي، التابع للمعاهد الوطنية للصحة، استبدال الملح بالتوابل والأعشاب للمساعدة في خفض ضغط الدم.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأشخاص الذين يستمتعون بالأطعمة الحارة يميلون إلى استهلاك كميات أقل من الملح، كما أن ضغط دمهم يكون أقل.
وقد تُساعد المركبات البوليفينولية الموجودة في الأعشاب والتوابل على تقليل الإجهاد التأكسدي، الذي ينتج عن زيادة الجذور الحرة، ويُساهم في الشيخوخة وأمراض مثل السرطان واضطرابات التمثيل الغذائي. فيما تعمل مضادات الأكسدة الموجودة في التوابل، مثل الأحماض الفينولية والفلافونويدات وغيرها من المستقلبات الثانوية، على معادلة الجذور الحرة، وقد تُساعد في الحماية من التلف التأكسدي المرتبط بالأمراض المزمنة.
وبين عامي 2010 و2024، أُجريت ثماني تجارب سريرية على البشر و12 تجربة مخبرية في مركز التغذية البشرية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. شملت هذه الدراسات تدخلات باستخدام أعشاب وتوابل منفردة، بالإضافة إلى خلطات التوابل. تم تحديد جميع المقالات ذات الصلة من خلال مراجعة يدوية للمراجع والبحث في قاعدة بيانات PubMed حول التأثيرات الصحية لكل واحد من الأعشاب أو التوابل.
وفيما يلي الفوائد الصحية للتوابل الشائعة وآليات عملها:
القرفة
أظهرت تجربتان سريريتان في مركز التغذية البشرية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أن تناول مكملات القرفة يُقلل من مستويات الأنسولين والجلوكاجون بعد تناول الطعام لدى المشاركين ذوي الوزن الطبيعي والمشاركين الذين يعانون من زيادة الوزن/السمنة. كما ارتبط تناول القرفة بانخفاض متوسط مستويات الجلوكوز وتغيرات ملحوظة في تكوين الميكروبيوم المعوي مقارنة بالدواء الوهمي. مع ذلك، عانى بعض المشاركين أيضا من ارتفاعات عابرة في نسبة الجلوكوز في الدم في أوقات معينة، مما يُسلط الضوء على تعقيد التأثيرات الأيضية للقرفة. تُضيف هذه النتائج إلى أدلة أوسع نطاقا تُشير إلى أن القرفة قد تُساعد في الحفاظ على تنظيم سكر الدم بشكل صحي لدى كلٍ من الأفراد الأصحاء ومرضى السكري من النوع الثاني.
إضافة إلى تأثيراتها على سكر الدم، قد تُوفر القرفة حماية ضد التهابات الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي. كما أنها تُظهر خصائص مضادة للالتهابات، ومضادة للأكسدة، وواقية للكبد، وواقية للأعصاب. تشمل الآليات البيولوجية الكامنة وراء هذه الفوائد تعديل التعبير الجيني الالتهابي، وتثبيط الإنزيمات الالتهابية، وتعديل مسارات الإشارات الخلوية المختلفة المتعلقة بالتمثيل الغذائي، وحساسية الأنسولين، والدفاع الخلوي. يُعتقد أن سينامالدهيد، وهو مُركب نشط رئيسي في القرفة، يلعب دورا محوريا في هذه التأثيرات الوقائية.
الفلفل الأحمر
يحفز الكابسيسين الموجود في الفلفل الحار عملية توليد الحرارة، ولكنه قد يُسبب آثارا جانبية خطيرة في الجهاز الهضمي عند تناوله بجرعات فعالة. يحتوي الفلفل الأحمر الحلو CH-19 غير الحار على كابسيويدات مثل ثنائي هيدروكابسيات (DCT)، والتي قد تُوفر فوائد أيضية مماثلة دون هذه الآثار الجانبية. يُنشط ثنائي هيدروكابسيات مستقبلات TRPV1 في الأمعاء، مما يُحفز الجهاز العصبي الودي، ويُحتمل أن يزيد من توليد الحرارة واستقلاب الدهون. قد تُساعد مستخلصات الفلفل الحلو CH-19 على زيادة توليد الحرارة، واستهلاك الأكسجين، ونشاط الجهاز العصبي الودي، ودعم فقدان الوزن.
وجدت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 2010 أنه بينما فقد جميع المشاركين الذين يعانون من زيادة الوزن والسمنة والذين اتبعوا نظاما غذائيا منخفض السعرات الحرارية وزنا، إلا أن المجموعة التي تناولت 9 ملغ من ثنائي هيدروكابسيات فقط هي التي أظهرت زيادة ملحوظة في استهلاك الطاقة بعد الوجبات. قد يُعزز ثنائي هيدروكابسيات توليد الحرارة وأكسدة الدهون. ومع ذلك، وجدت دراسات أحدث أن ثنائي هيدروكابسيات لم يُؤثر بشكل كبير على استهلاك الطاقة أو أكسدة الدهون أثناء التمرين أو في حالة الراحة، على الرغم من ملاحظة تأثير حراري طفيف عند دمج المجموعات.
الكركم
أظهرت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 2014 أن الجمع بين الأركتيجينين، وإيبيغالوكاتشين غالات(EGCG)، والكركمين يعزز التأثيرات المضادة للسرطان في خلايا سرطان البروستاتا والثدي مقارنة بأي مركب منفرد. وقد أدى هذا المزيج إلى زيادة موت الخلايا السرطانية وكبح أكبر للمسارات المحفزة للسرطان. وفي دراسة أخرى أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 2018، أدى تناول مكملات الكركمين يوميا على مدى 18 شهرا، بصيغة متاحة بيولوجيا، إلى تحسين الذاكرة والانتباه والمزاج لدى كبار السن، مع إظهار تغيرات في التصوير قد تكون مرتبطة بتراكم الأميلويد والتاو.
وتشير أبحاث إضافية إلى أن الكركمين يخفف آلام الركبة لدى مرضى التهاب المفاصل، ويحسن مستويات الكوليسترول لدى مرضى متلازمة التمثيل الغذائي عن طريق زيادة مستويات البروتين الدهني عالي الكثافة (HDL) وخفض مستويات البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL). وعلى المستوى الآلي، يعمل الكركمين كمضاد أكسدة قوي، حيث يُعادل الجذور الحرة ويعزز إنزيمات مضادات الأكسدة في الجسم. كما أنه يثبط مسارات الالتهاب الرئيسية ويعزز موت الخلايا السرطانية عن طريق تحفيز توقف دورة الخلية والاستماتة الخلوية.
خلطات التوابل
أظهرت الدراسات المخبرية والسريرية أن خلطات التوابل، بما في ذلك الفلفل الأسود، والفلفل الحار، والقرفة، والزنجبيل، والزعتر، وإكليل الجبل، والكركم، غنية بالبوليفينولات التي تعزز نمو بكتيريا الأمعاء المفيدة، مثل بكتيريا اللاكتوباسيلس والبيفيدوباكتيريا، بينما تثبط نمو بعض البكتيريا الممرضة المحتملة.
وتؤكد الأبحاث التي أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس هذه النتائج، حيث أظهرت أن إضافة التوابل الغنية بالبوليفينولات إلى اللحوم قبل الطهي يقلل بشكل ملحوظ من مؤشرات بيروكسيد الدهون، كما يتضح من انخفاض تركيزات مالونديالدهيد (MDA). كما تساعد بوليفينولات التوابل على تقليل مؤشرات الإجهاد التأكسدي وتحسين وظيفة البطانة الوعائية.
ومن الجدير بالذكر أن النشاط المضاد للأكسدة يختلف باختلاف التوابل وطرق التحضير؛ فعلى سبيل المثال، يُظهر الزعتر أعلى قدرة مضادة للأكسدة. ويحتفظ الكركمين الموجود في الكركم بفعاليته بعد الطهي، وعند مزجه بالفلفل الأسود، وتتعزز فعاليته في الحد من بيروكسدة الدهون أثناء الطهي، على الرغم من أن البيبيرين وحده لا يمتلك خصائص مضادة للأكسدة.