العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف «6»

الوطنية خارج السلاح والخيانة: كيف نعيد بناء المعنى؟

د. ناهد محمد الحسن

في زمن الحرب، لا تُختطف الأرض وحدها، بل تُختطف الكلمات أيضًا.

ومن أكثر الكلمات التي تعرضت للاختطاف في السودان كلمة “الوطنية”.

لم تعد الوطنية معنى مفتوحًا للنقاش، بل تحوّلت إلى سلاح رمزي.

يُشهرها كل طرف في وجه الآخر، ويُقصي بها المختلف، ويُجرَّم بها السؤال.

هكذا صار المجال العام محكومًا بثنائية خانقة:

إما أن تكون مع السلاح، أو تُتَّهَم بالخيانة.

إما أن تصمت، أو تُصنَّف.

لكن هذه الثنائية ليست بريئة، ولا طبيعية، ولا قدرًا تاريخيًا.

هي نتاج مباشر للحرب حين تفشل السياسة، وحين تُدار المجتمعات بالخوف لا بالمعنى.

في علم الاجتماع السياسي، تُعتبر الوطنية من أكثر المفاهيم سيولة.

هي ليست جوهرًا ثابتًا، ولا تعريفًا واحدًا، بل بناءً تاريخيًا يتغير بحسب السياق.

في المجتمعات المستقرة، تُربط الوطنية بالقانون، وبالمشاركة، وبالحقوق والواجبات.

أما في المجتمعات المأزومة، فتُختزل في “الاصطفاف”، ويُعاد تعريفها بوصفها ولاءً لا علاقة له بالمحاسبة أو النقد.

وهذا بالضبط ما نعيشه اليوم.

حين يصبح السلاح هو الفاعل الأكبر في المجال العام، تتقلص اللغة.

لا يعود هناك متسع للتعقيد، ولا مساحة للاعتراف، ولا وقت للتفكير.

كل شيء يُدفع نحو الاختزال:

من معنا؟

من ضدنا؟

من يستحق الكلام؟

ومن يجب إسكاتُه؟

في هذا المناخ، تُعاد هندسة الوطنية لتخدم منطق الحرب.

الوطنية هنا لا تعني حماية المجتمع، بل حماية السردية.

لا تعني الحفاظ على الحياة، بل تبرير العنف باسمها.

ولا تعني الانتماء، بل الطاعة.

الخطر في هذا التحول لا يكمن فقط في إقصاء الأصوات المدنية،

بل في تدمير إمكانية السياسة نفسها.

لأن السياسة، في جوهرها، تفترض وجود اختلاف مشروع.

وحين يُجرَّم الاختلاف، تتحول الوطنية من رابط جامع إلى أداة فرز.

التاريخ الإنساني مليء بأمثلة على هذا الانزلاق.

في أوروبا القرن العشرين، في أميركا اللاتينية، في أفريقيا ما بعد الاستعمار،

كانت كل الحروب الأهلية الكبرى مصحوبة بإعادة تعريف ضيقة للوطنية،

تُقصي جزءًا من المجتمع، وتُجرّد آخرين من إنسانيتهم،

وتبرّر العنف بوصفه “ضرورة وطنية”.

لكن التجربة نفسها تخبرنا بشيء آخر مهم:

لا تخرج المجتمعات من الحرب حين تنتصر سردية على أخرى،

بل حين يُعاد فتح السؤال حول معنى الانتماء نفسه.

الوطنية التي تُبنى على السلاح لا تعيش طويلًا.

لأن السلاح لا يعرف الاستقرار، ولا يعترف بالحدود، ولا ينتج عقدًا اجتماعيًا.

هو يحسم لحظة، لكنه لا يبني زمنًا.

من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس:

من هو الوطني؟

بل: ما الذي يجعل وطنًا ممكنًا أصلًا؟

الوطن ليس راية فقط، ولا نشيدًا، ولا خطابًا تعبويًا.

الوطن، في أبسط تعريفاته الإنسانية، هو المكان الذي لا تُقتل فيه لأنك مختلف،

ولا تُخوَّن لأنك تسأل،

ولا تُقصى لأنك لا تشبه السائد.

إعادة بناء هذا المعنى تبدأ من تفكيك العلاقة بين الوطنية والعنف.

أن نقول بوضوح إن نقد السلاح ليس خيانة،

وإن الخوف ليس موقفًا سياسيًا،

وإن الإنهاك ليس عمالة.

في علم النفس الجمعي، المجتمعات الخارجة من الصدمة تحتاج إلى إعادة ترميم للمعنى قبل ترميم المؤسسات.

الناس لا يثقون في الخطط الكبرى إذا لم يشعروا أن إنسانيتهم مرئية.

ولا ينخرطون في مشروع وطني إذا كان هذا المشروع يبدأ باتهامهم.

من هنا، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله القوى المدنية اليوم هو أن ترث لغة الحرب وهي تعارضها.

أن تُعيد إنتاج منطق التخوين،

أو أن تتعامل مع الوطنية بوصفها شهادة أخلاقية تمنحها لنفسها وتسحبها من غيرها.

الوطنية المدنية، إذا كان لها معنى في هذا السياق،

فهي القدرة على توسيع دائرة “نحن”، لا تضييقها.

هي الاعتراف بأن الناس يقفون في مواقع مختلفة لا لأنهم أشرار،

بل لأن تجاربهم مع الخوف، والخسارة، والخذلان مختلفة.

هذا لا يعني تمييع المواقف،

ولا مساواة الجلاد بالضحية،

ولا التنازل عن المساءلة.

بل يعني فهم أن المساءلة لا تُبنى بلغة الإلغاء،

وأن العدالة لا تنمو في بيئة الخوف.

الوطنية التي نحتاجها اليوم ليست تلك التي تصرخ أكثر،

ولا التي تُجيد توزيع الاتهامات،

بل التي تستطيع أن تقول:

نحن مختلفون، لكننا معنيون ببقاء هذا المكان صالحًا للحياة.

حين تستعيد الوطنية هذا المعنى،

تصبح السياسة ممكنة من جديد.

ويصبح الخلاف جزءًا من البناء لا ذريعة للهدم.

ويعود الشارع شريكًا لا متهمًا.

في المقال القادم، سنقترب من سؤال عملي أكثر:

كيف تتحول هذه الرؤية إلى فعل سياسي يومي؟

وكيف يمكن للمدنيين أن يستعيدوا ثقة الشارع دون ادعاء تمثيله أو الحديث باسمه؟

العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف (٥) .. كيف تُبنى شرعية مدنية في بلدٍ مُسلّح ومنقسم؟

الوسومالأضوات المدنية الحرب السودان العسكر للثكنات الوطنية د. ناهد محمد الحسن علم الاجتماع السياسي علم النفس علم النفس الجمعي

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الحرب السودان العسكر للثكنات الوطنية علم الاجتماع السياسي علم النفس العسکر للثکنات التی ت

إقرأ أيضاً:

مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق

مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • «مسافة بين ثورتين».. كمال القاضي يوثق معركة الوعي في مصر
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • الشرطة بغزة تُوقف مطلق نار خارج إطار القانون
  • خالد الجندي: عصر التزييف الرقمي يفرض علينا حسن الظن.. وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش